التمييز الطبقي.. في النادي والكنيسة
لا يستطيع أي لبيب ان يتغافل عن مشكلتين ثارتا خلال اقل من شهر، وبالصدفة البحتة، في مكانين متقاربين جغرافياً. مكانان مختلفان تماماً من الناحية الوظيفية، لكن يجمعهما نفس الحي (مصر الجديدة): نادي هيليوبوليس، وكنيسة مار مرقس كليوباترا. في كلتا المشكلتين تثور بكل فجاجة شبهة التمييز الطبقي، أو الفرز الاجتماعي، وذلك بوضع شروط للدخول ولتعامل أصحاب المكان مع من هم من خارجه.
![]() |
| خبط الحنطة - المجتمعات المغلقة.. نظام أم نخبوية |
نبدأ بالأحداث
في نادي هيليوبوليس، تم فرض زي معين على "ناني" (مربية أطفال) افريقية، مرافقة لأحد زوار النادي، وذلك الزي لتمييزها (وظيفياً على الاقل) عن غيرها من مرتادي النادي، بالإضافة إلى ذلك، تم منعها من الاقتراب من منطقة المسبح (حمام السباحة) بحجة أن الاطفال في هذه الحالة يكونون في صحبة والديهم، ويبدو جلياً ان هناك تخوف من ان تستخدم الناني نفس المسبح مع اعضاء النادي في حال، لا سمح الله، تم السماح لها بالاقتراب منه، لأن لو المسألة فقط في اقتراب الناني من منطقة الحمام، لما كانت هناك مشكلة على ما أتصور.
أما عن مارمرقس كليوباترا، فقد خرج أحد الوافدين الجدد على الحي - وبالتالي على الكنيسة - بانطباع صادم بأنه ربما لا يكون مرحباً بأطفاله في مدارس الاحد بالكنيسة، والسبب المعلن هو ان الأسرة تسكن في شقة إيجار وليس تمليك (رغم انه إيجار جديد، ونستطيع تصور ضخامة القيمة الإيجارية التي من المؤكد أن الأسرة تدفعها في حي مثل مصر الجديدة).
النظام... النظام: لماذا يدافع الناس عما يسمونه «نظام» حتى لو كان تمييزًا؟
المشترك في كلا الحدثين، وهو الصدمة الحقيقية، ليس فقط في الحدث في حد ذاته بما فيه من رائحة التحيز والانغلاق والتمييز، لكن في خروج كثيرين من اعضاء ومرتادي كلا الجهتين دفاعاً عما أسموه "نظاماً متبعاً"، و"فيها إيه يعني؟!"، و"مين مايحبش النظام"، واستغراب هؤلاء المدافعون بكل بساطة كأن ما يجري هو "امر عادي يا جماعة بيحصل معانا كلنا".
نظرة أكثر عمقاً تجاه الأصدقاء في نادي هليوبوليس
في دفاعهم عن موقف ناديهم، نرى أعضاء النادي لا ينسون إضافة ١١٥ سنة هي عمر ناديهم إلى "مذكرات دفاعهم" عن النادي، والغرض من التنبير على التاريخ هو تبيان عراقة النادي وعراقة "انظمته المعتادة"، وكأن هذه الاقدمية والعراقة يمكن ان تضفي المصداقية والأصالة والنزعة الأخلاقية فيما اعتادوا فعله منذ قديم الازل حسب زعمهم، لكنهم في هذا تناسوا أن القاباً كانت متداولة مع قدم تاريخ ناديهم مثل "باشا" و"بك" و"هانم" و"صاحب/ة العصمة"، و"معالي"، و"صاحب/ة السمو" ، كلها ألقاب ألغيت رسمياً، وقطار التطور داس عليها منذ عقود طويلة في طريقه إلى عصرنا الحاضر، بحيث لم يتبقَ منها إلى "آثار" نستعيرها من الماضي البعيد وتُستخدم على سبيل المجاملة، ولم تعد دنيانا اليوم هي الدنيا التي مازالوا متوقفين عندها يدافعون عن أنظمة وتقاليد بليت ولابد من تحديثها.
ولا ارغب – صراحةً - في الانسياق في تيار هذا النوع من التمييز او "الفرز الاجتماعي"، لكن أظنه من الواجب – والحال هكذا - أن أوجه رسالة لأصدقائنا هؤلاء في ملحوظة خاطفة: إن الاخوة في نادي هليوبوليس يحتاجون لمن يذكرهم بأنه منذ ١١٥ سنة، كانت الأحياء الراقية في القاهرة هي جاردن سيتي ومناطق وسط البلد، وربما الزمالك في وقت لاحق، اما من كان يسكن العباسية وما بعدها، فكانوا يعتبرونه ساكناً في الصحراء. فاعلموا إذن أن الأيام دُوَلٌ، ولو كانت دامت لغيركم لما وصلت إليكم، والمجتمعات تتغير، وقطار التطور لا يتوقف عن الحركة، و"النظم" و"اللوائح" ليست مقدسة بل يجب أن تقبل التطور لاستيعاب حركة المجتمع وتطور الإنسانية.
وماذا عن كنيسة مار مرقس؟
بالذهاب إلى أحبائنا في مار مرقس كليوباترا، فنراهم يشاركون جيرانهم "الهليوبولسيين" نفس استراتيجية الدفاع الساذج، أي التحجج بالنُظُم والقواعد، ولكن هذه المرة في كنيستهم، وبأنه "هو جرى إيه يعني؟!!"، وبأنهم هم أنفسهم يعانون من الزحام الشديد وعدم توافر الاماكن حتى لأنفسهم ولأطفالهم، كما تجدهم "يشتكون" من بعض مرتادي الكنيسة ممن "يُزَوِّرون" عقود إيجار ليقتنصوا لأطفالهم مكاناً في مدارس الأحد (لم اتبين ما هو موقف باقي الاجتماعات والقداسات)، وبدفاعهم هذا يساهمون - ربما دون أن يدروا - في نوع من الفرز الاجتماعي في الكنيسة.
وأتصور أن هؤلاء نسوا كيف جاء تلاميذ المسيح إليه بنفس السبب، عدم توافر الإمكانيات، وتهرباً من مسؤوليتهم عن الجموع الغفيرة، حيث طلبوا منه أن:
«اِصرِفهُمْ لكَيْ يَمضوا إلَى الضّياعِ والقرَى حَوالَينا ويَبتاعوا لهُمْ خُبزًا، لأنْ ليس عِندَهُمْ ما يأكُلونَ». (مرقس ٦: ٣٦) [طبعاً لسان حالهم: "ليس عندهم وأكيد ليس عندنا"].
لكن الرب صدم التلاميذ بتحميلهم المسؤولية كاملة: «أعطوهُم أنتُمْ ليأكُلوا». [البشير متى يذكرها هكذا: «لاَ حَاجَةَ لَهُمْ أَنْ يَمْضُوا. أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا». (متى ١٤: ١٦)].
فقالوا لهُ:
«أنَمضي ونَبتاعُ خُبزًا بمِئَتَيْ دينارٍ ونُعطيَهُمْ ليأكُلوا؟». (مرقس ٦: ٣٧)، ونعرف ضخامة هذا المبلغ (٢٠٠ دينار) لو عرفنا ان الدينار الواحد كان أجر عامل ليوم كامل، يعني لكي يأكل ١٥ ألف شخص على اقل تقدير خبزاً فقط، احتاجوا ٢٠٠ يومية عامل، وكلنا يعلم باقي القصة، ومن لا يعلمها يقدر يرجع لبشاير الإنجيل [متى ١٤: ١٥-٢١، مرقس ٦: ٣٢-٤٤، لوقا ٩: ١٠-١٧، يوحنا ٦: ٤-١٤]. أيضاً، ممكن تقرأ تقدير معاصر لقيمة الدينار في حسابنا لما يساويه ٣٠٠ دينار قيمة طيب مريم الذي سكبته على الرب... بأسعار اليوم.
لذلك أقول، أخشى أن اخوتنا في مار مرقس كليوباترا نسوا المسؤولية الإلزامية التي لا فكاك منها، ولما وقعت الواقعة، حاولوا الاختباء والاحتماء خلف حجة "النظام" في خضم دفاعهم عن خدام الكنيسة الذين بدورهم نفضوا مسؤولية النفوس عن أنفسهم. يا سادة، الكنيسة ليست مكانًا للفرز الاجتماعي، بل بيت مفتوح للجميع، الكنيسة كما اوجدها المسيح وُجِدَت لتظل مفتوحة باستمرار، تقبل الكل وتحتضن الكل ولا ترد أحداً، وقد دعمها الرب بكل ما يكفيها لأداء هذه المهمة، لذلك فالاهتمام (من الهم) بسبب ضيق المكان وبالتالي نستبعد من هم في حاجة للوجود في بيت الرب، هذه خطية وأمر لا يجوز.
#خبط_الحنطة
اقرأ أيضاً:
من أجل الجدل الدائر بسبب الأمطار ... وأنا أيضاً Me too ... ولاد الحرام وولاد الحلال ... أخلاقيات التسويق وانتهاكات الخصوصية ... من اليمين للشمال.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..