-->

في الطريق للصليب - من مرقس ١٤: (١) طيب مريم - المال والآمال

 في الطريق الى الصليب لم يَغْفَل الإنجيل عن ذكر أفراد تقاطعت رحلة الرب معهم في احداث فردية بخلاف الأحداث الجماعية الصاخبة التي مرت به. وبرغم أن إنجيل مرقس هو انجيل الإيقاع السريع للأحداث المتلاحقة والجموع الكثيرة المشاركة، لكن مرقس ١٤ نراه مُصَمَّماً لإبراز بعض هذه الشخصيات المُفردة التي تركت بصمات وسط هذه الأحداث في مواجهات شخصية مع الرب أو بمساهمات خفية كانوا اطرافاً فيها.

مريم صاحبة قارورة الطيب - صاحب العلية - بطرس - يهوذا.

تعالوا نبدأ بمريم:

مريم واقفة خلف يسوع الجالس على المائدة وتسكب الطيب على رأسه والآخرون ينظرون اليها ناقدين.
خبط الحنطة - طيب مريم تقديم المال والآمال

في (مرقس ١٤: ٣ – ٩)

"٣وَفِيمَا هُوَ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ. فَكَسَرَتِ الْقَارُورَةَ وَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ.٤وَكَانَ قَوْمٌ مُغْتَاظِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا:«لِمَاذَا كَانَ تَلَفُ الطِّيبِ هذَا؟٥لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ». وَكَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا.٦أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ:«اتْرُكُوهَا! لِمَاذَا تُزْعِجُونَهَا؟ قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا!.٧لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَمَتَى أَرَدْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِمْ خَيْرًا. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ.٨عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا. قَدْ سَبَقَتْ وَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ جَسَدِي لِلتَّكْفِينِ.٩اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا».

محاولة لتقدير القيمة المادية لطيب مريم:

قدمت مريم تحويشة عمرها من الطيب لينسكب على رأس وجسد بل وقدمي الرب (طبقا ليوحنا ١٢). هناك محاولات كثيرة لمعادلة القيمة الحالية لقارورة الطيب هذه التي قدرها يهوذا الاسخريوطي بنفسه بمبلغ ٣٠٠ دينار، والمقاربات كثيرة للوصول للقيمة المعاصرة لمثل هذا المبلغ (٣٠٠ دينار)، سنكفي منها بالآتي:

• لأن الاجر اليومي للعامل كان ١ دينار، لذلك سنقوم بمقارنة أجور العمالة في العصر الحالي (في أمريكا علشان النتائج بالدولار) مع متوسط أجر عامل ذي خبرة لمدة ٣٠٠ يوم في فلسطين في عصر المسيح.

• مقارنة رواتب الجنود الرومان في وقت المسيح مع رواتب جنود المشاة في الجيش الأمريكي. (ليه أمريكا؟ لأن هذه البيانات متاحة للدارسين ويمكن لكل قارئ تقديرها بعملته المحلية).

 كل هذا وصَّلَنا الى قيمة تقريبية للدينار تتراوح بين ٦٠ الى ١٤٠ دولار امريكي (وقت كتابة هذه التأملات). وبهذا تكون قيمة قارورة الطيب هذه بين ١٨ الف الى ٤٢ الف دولار امريكي، هذا مبلغ ضخم بمعايير اليوم لكي يتم “إتلافه" على جسد الرب في مرة واحدة.

 تقول بعض المصادر أن مثل هذه القارورة كانت - بالنسبة للفتاة في ذلك الوقت - "تحويشة العمر" التي تدَّخرها ليوم زواجها. لكن رغم هذا لم تجد مريم أي غضاضة او أي شكل من اشكال التردد في التقدم بها طواعية لتعطير جسد الرب قبل أيام قليلة من تقديمه للمحاكمة والموت صلباً.

(بالمناسبة، كسر القارورة ربما لا يعني تحطيم القارورة كلها، لكن مجرد كسر القفل الذي كان يحكم إغلاق القارورة بعد سنين طويلة من الحفظ).

حفظت كلامه وصدقته.

 لقد ردد الرب كثيراً «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ. وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ». (مرقس ٩: ٣١)، وبينما يبدو أن هذه الحقيقة ظلت غائبة عن أذهان كل من سمع، لكن من الواضح أن مريم وحدها سمعت وصدقت كلمات الرب هذه وعرفت ان النهاية قد اقتربت. لقد اختبرت مريم صدق الرب قبل أسابيع قليلة أمام قبر اخيها لعازر حينما قال لمرثا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟». (يوحنا ١١: ٤٠)، فكيف يمكن ان تشك في كلمة قالها وكررها كثيراً بعد ان صَدَقَ أمام عينيها في إقامة لعازر؟

 (انقر هنا لتتابعنا)

نموذج فريد في التعامل مع المال والآمال:

المال من الأمور التي لها سلطان ضخم جداً في اذهاننا كبشر في عصرنا الحاضر، ونحن - بناءاً على ثقافتنا والعقل الجمعي – يرتبط لدينا المال بكل أنواع الأمان والاستقرار في الحاضر، وايضاً يحمل معاني الراحة النفسية من جهة المستقبل (المقولة الشهيرة "أمِّن مستقبلك" أو "أمِّن مستقبل الأولاد")، وتتحكم فينا هذه التصورات لدرجة ان التغلب على القلق النفسي يرتبط بهذا الأمان المالي. لذلك، أن تقوم امرأة "بإتلاف" تحويشة العمر على الأرض في لحظات، وهي لا تعلم ما سيأتي في مستقبل الأيام فهذا "محض جنون" بالحسابات البشرية لأنها تخلت عن الأمان المالي، لكن مريم رأت دوراً أهم للمال لا يُحتمل معه التفكير المستقبلي، ف"الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ." الآن (مرقس ١١: ٣) فلنقدمه الآن، والرب صاحب "الآن" هو صاحب الغد وما بعده وهو يهتم بكل هذه الشؤون، وهذا الايمان يتغلب على القلق النفسي.


يسوع جالس ومريم تسكب الطيب على رأسه
خبط الحنطة - مريم والطيب

الإيمان الذي يطرح القلق ويشجع العطاء:

هذا هو الدرس الذي نراه يتكرر عدة مرات في الكتاب المقدس بنماذج إيجابية ونماذج سلبية ايضاً، الإيمان الذي يطرح الاعتماد على المال (الامان المالي) جانباً ويصبح الرب هو المعتمد الكلي.

نرى المرأة التي القت الفلسين "مِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا" (مرقس ١٢: ٤٤).

ونرى مؤمني مكدونية الذين في "اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ" (٢كورنثوس ٨: ٢).

كما نرى برنابا الذي "كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ." (أعمال ٤: ٣٧).

 وفي المقابل نرى حنانيا وسفيرة اللذين كان حقلهما في يدهما ولم يجبرهما احد على التبرع بقيمته، لكنهما لم يتمكنا من التخلص من وطأة القلق النفسي والخوف من المستقبل فقررا ان يختلسا من قيمة الحقل لتأمين ذاك المستقبل (أعمال ٥: ١ – ١١). (اقرأ كيف يكون حل مشكلة الضيقة المادية بطريقة ثورية)

درس كل العصور: اعلان الثقة فيمن لا يخزي المستندين عليه

هذا هو الدرس الذي نتعلمه من مريم في رد فعل العطية العظمى والثمينة التي قدمها الرب بتقديم نفسه عنا: ان "مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ." (١ أخبار ٢٩: ١٤)، فإن رغبتَ يا رب فيما لدينا لهدف يمجد اسمك فنحن نقدمه مع يقين كامل اننا بين يدي اله كريم وأب محب لن ينسانا أو يتخلى عنا، نحن في امان، يومنا وغدنا وكل المستقبل غير مبنيين على دولارات او دنانير او ريالات او جنيهات أو دراهم، ولا على عقارات او ذهب أو حتى على أولاد وأحفاد، لكنه مبني على ذاك “اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" (رومية ٨: ٣٢). 

لم يعد الخوف على المستقبل يتحكم في افكارنا وتصرفاتنا، ولا يصح ان يكون، فهو لا يخزي المستندين عليه.

اقرأ في المقال التالي عن صاحب العلية، أو يمكنك القراءة عن الشخصيات كلها مجمعة.

#خبط_الحنطة

٦ ابريل ٢٠١٨ - تاريخ النشر في فيسبوك.

اقرأ أيضاً:

سلسلة مُجهَد.. مُجتَهِد.. أو مُنتَدِب

سلسلة: في الطريق للصليب - من مرقس ١٤ طيب مريم - المال والآمال
تعليقات