-->

العبادة في العاصفة (مترجم*)

"٤٥وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوا إِلَى الْعَبْرِ، إِلَى بَيْتِ صَيْدَا، حَتَّى يَكُونَ قَدْ صَرَفَ الْجَمْعَ.٤٦وَبَعْدَمَا وَدَّعَهُمْ مَضَى إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ.٤٧وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ كَانَتِ السَّفِينَةُ فِي وَسْطِ الْبَحْرِ، وَهُوَ عَلَى الْبَرِّ وَحْدَهُ.٤٨وَرَآهُمْ مُعَذَّبِينَ فِي الْجَذْفِ، لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ ضِدَّهُمْ. وَنَحْوَ الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ أَتَاهُمْ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَجَاوَزَهُمْ." (مرقس ٦: ٤٥–٤٨).

الرب يسوع والتلاميذ ساجدين أمامه
خبط الحنطة - العبادة في العاصفة.

مرقس محدد في ترتيب الأحداث. فقد أرسل يسوع التلاميذ إلى السفينة وجعلهم يسبقونه إلى الشاطئ الآخر. ثم صرف الجمع وصعد إلى الجبل. كان الوقت مساءً، ربما نحو الساعة السادسة مساءً. وضربت العاصفة على الفور. وما كادت الشمس تغرب حتى بدأت رياح هادرة، أشبه برياح الأعاصير، تعصف بقوة.

لاحظ أن يسوع أرسل التلاميذ إلى العاصفة وحدهم. وبينما كان يصعد جانب الجبل، كان يشعر بقوة الريح العاصفة ويسمع هديرها. لم يكن يسوع جاهلًا بالعاصفة. كان يعلم أن سيلًا جارفاً قادمٌ وسيقصف سطح البحر، ومع ذلك لم يستدر إلى الوراء. لقد تُرك التلاميذ ليواجهوا العاصفة... وحدهم.

تخيّل مقدار الإرهاق الهائل الناتج عن التقلّب من موجة إلى أخرى في قارب صيد صغير. ساعة واحدة كفيلة بأن تُتعبك، وساعتان كفيلتان بأن تُنهكاك تماماً.

"لا بد أن يسوع سيساعدنا"، هكذا ظنّوا. فقد سبق لهم أن رأوه يهدّئ عواصف مشابهة. فعلى هذا البحر نفسه أيقظوه أثناء عاصفة، فأمر السماء أن تصمت (انظر مرقس ٤: ٣٥–٤١). لقد رأوه يُسكت الريح ويهدّئ الأمواج.

لا بد أنه سينزل من الجبل.

لكنه لم يفعل. بدأت أذرعهم تؤلمهم من التجديف. وما زال لا أثر ليسوع. ثلاث ساعات. أربع ساعات. الرياح تعصف بجنون، والقارب تتقاذفه الأمواج، وما زال يسوع غائباً. يحلّ منتصف الليل، وتبحث عيونهم عن الله... لكن عبثاً.

وبحلول هذا الوقت، يكون التلاميذ قد أمضوا ما يصل إلى ست ساعات في البحر. طوال هذه المدة كانوا يصارعون العاصفة ويبحثون عن المعلّم. وحتى الآن، تبدو العاصفة منتصرة والمعلّم لا أثر له.

لقد رأى بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا عواصف كهذه من قبل. فهم صيادون والبحر هو حياتهم. هم يعرفون ما يمكن أن تسببه الرياح العاتية من دمار. لقد رأوا حطام القوارب تطفو إلى الشاطئ. وحضروا الجنازات. وهم يعلمون، أكثر من أي شخص آخر، أن هذه الليلة قد تكون الأخيرة في حياتهم. «لماذا لا يأتي؟» تمتموا بصوت متقطّع. (اقرأ: الانتظار)

وأخيراً، جاء.

«وَنَحْوَ الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ [من الساعة الثالثة إلى السادسة صباحاً] أَتَاهُمْ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ.» (مرقس ٦: ٤٨)

«شبح!» هكذا صرخ واحد ممن في القارب. لقد طغى رعبٌ من نوع جديد على خوفهم من البحر. وتسارعت الأفكار في أذهانهم بينما كان ذلك الطيف يقترب. أكان مجرد وهم من خيالهم؟ أكانت رؤيا؟ وأضاءت ومضة برق السماء، ولثانية واحدة استطاع التلاميذ أن يروا وجهه... وجهه هو. وكانت تلك الثانية الواحدة كافية. لقد كان المعلّم! ثم تكلّم:

«ثِقُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا» (مرقس ٦: ٥٠)

وقبل أن يستوعبوا ما حدث، كان يسوع معهم في القارب. وسكن البحر كأنه حرير. وخمدت الرياح. وانفتحت طاقة في السحب، فانسكب منها ضوء القمر الهادئ على صفحة الماء. وتحول الأمر من الفوضى إلى السكون. ومن الذعر إلى السلام.

نظر التلاميذ إلى الماء، ثم إلى بعضهم بعضًا، وبعدها إلى يسوع. ثم فعلوا الشيء الوحيد الذي كان بإمكانهم أن يفعلوه. ومع النجوم شموعاً لهم، والقارب الساكن كمذبح، خرّوا عند قدميه وسجدوا له. وكما يكتب متّى في روايته للقصة:

"وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!»". (متّى ١٤: ٣٣)

بعد العاصفة، عبدوه.

لم يسبق لهم قط أن فعلوا ذلك من قبل كمجموعة، إطلاقاً! راجعها بنفسك إن شئت، افتح كتابك المقدس وابحث عن مرة عظَّم فيها التلاميذ الرب مجتمعين، ولن تجد ولا مرة واحدة.

لن تجدهم يسجدون له عندما شفى الأبرص، أو عندما غفر للمرأة الزانية، أو وعظ الجموع. كانوا مستعدين لاتباعه، ومستعدين لترك عائلاتهم، ومستعدين لإخراج الشياطين. لكنهم لم يعبدوه إلا بعد حادثة البحر.

لماذا؟ الأمر بسيط. هذه المرة كانوا هم الذين خلصوا. هذه المرة أُزيلت الحبال عن أعناقهم. وهذه المرة انتُشلت أجسادهم من الأعماق. ففي لحظة كانوا معلّقين فوق حافة الهاوية، يحدّقون في جوفها السحيق المفتوح، وفي اللحظة التالية وجدوا أنفسهم جالسين مذهولين على سطح قارب هادئ فوق بحر ساكن. لذلك عبدوه. لقد فعلوا ما سيفعله أي إنسان إذا أُُوقِفَ حُكمُ موته في اللحظة الأخيرة: نظروا إلى الحاكم الأبدي الذي منحهم العفو وشكروه.

عندما تدرك أن الله هو الخالق، ستعجب به. وعندما تدرك حكمته، ستتعلّم منه. وعندما تكتشف قوته، ستتّكل عليه. لكن فقط عندما يخلّصك سوف تعبده.

إنها قصة «قبل وبعد». فقبل إنقاذك كان يمكنك بسهولة أن تُبقي الله بعيداً، أو أن تصرفه بأريحية. وأن تصنفه ضمن مجموعة من أولويات اهتماماتك. نعم، كان مهماً، لكن عملك كان مهماً أيضاً، ومكانتك، وراتبك. كان الله في مكانة عالية ضمن قائمة أولوياتك، لكن أموراً أخرى كانت تشاركه تلك المكانة. ثم جاءت العاصفة... وجاء الصراع... والمراسي المقطوعة... والليل المظلم منعدم النجوم. وهبط اليأس كضباب كثيف ضاعت معه معالم الطريق. وفي أعماق قلبك كنت تعلم أنه لا يوجد مخرج.

هل تلجأ إلى عملك بحثاً عن العون؟ فقط إذا أردت الاختباء من العاصفة لا الهرب منها.

هل تتكئ على مكانتك طلباً للقوة؟ العاصفة لا تنبهر بألقابك.

أتعتمد على راتبك للنجاة؟ كثيرون جربوا ذلك... وكثيرون فشلوا.

فجأة لم يبقَ أمامك سوى خيار واحد: الله. وعندما تطلب منه العون - طلب صادق وحقيقي - فإنه سيأتي. ومن تلك اللحظة وصاعداً لن يعود مجرد إله تُعجب به، أو معلّم تراقبه، أو سيّد تطيعه.

إنه المخلّص. المخلّص الذي يُعبَد.

أعتقد أن التلاميذ كانوا سيصعدون إلى ذلك القارب مرة أخرى، أنا متأكد من ذلك. كانوا سيحتملون العاصفة ليلة أخرى، أو ألف ليلة أخرى، إن كان هذا هو الثمن. لماذا؟ لأنهم من خلال العاصفة رأوا المخلّص.

حتى عندما يبدو الله بعيدًا، فهو يعرف ظروفك وسيأتي إليك.

إن الاستجابة اللائقة لخلاص الله هي العبادة والشكر.

ففي العواصف تختبر قوة الله وسلامه وحضوره. والعواصف تقرّبك إلى الله وتغيّر نظرتك إليه.

آية للحفظ

📌 (رومية ١٢: ١) "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ."

خصّص بضع دقائق لمراجعة هذه الآية، ثم اكتبها من الذاكرة.

حسب قلب الله

لقد تبع التلاميذ يسوع، ووضعوا إيمانهم فيه، وشاركوه الخدمة. لكنهم لم يعبدوه عبادة حقيقية إلا بعد أن أنقذهم. لأن في هذه المرة كانوا هم من خلص، لذلك خرّوا عند قدمي يسوع في ذلك القارب وعبدوه.

عواصف الحياة لها طريقة خاصة في تجريدنا من الاعتماد على أنفسنا. فعندما نجد أنفسنا وحدنا في مواجهة البحر - وتبدو احتمالات النجاة ضئيلة - لا يبقى أمامنا سوى خيار واحد: الله. وعندما نشهد بعد ذلك تدخّل الرب وإنقاذه لنا من ذلك الموقف العصيب، فإنه يتحوّل فجأة من إله نُعجَب به إلى مخلّص يُعبَد.

فلتكن صلاتك اليوم أن تنمّي قلباً عابداً يرى يد الله القديرة ليس فقط في النجاة العظيمة والدرامية، بل أيضاً في اللحظات الهادئة من الحياة اليومية. ولتنبع عبادتك من قلب يعترف به مخلّصاً. واختر أن تعبده في سيادته في كل فصول الحياة، سواء كانت هدوءًا أم عاصفة. (اقرأ: واجه رياح الحياة - السجين القائد)

(*) ماكس لوكادو

#خبط_الحنطة

تعليقات