-->

من أجل الجدل الدائر بسبب الامطار

خلونا نتفق على شيء، أنه من حيث المبدأ لم تكن بلادنا معتادة على مثل هذه النوعية من الأمطار من قبل، لذلك لم يتم عمل حساب لتفادي هذا الكم الهائل من المياه في تصميم المدن القديمة كلها (ما عدا الساحلية منها)، لذلك لم نكن نسمع عن مشاكل كبيرة ومتكررة تسببت فيها أمطار غزيرة وكوارث.

منظر كورنيش تعصف الرياح بالنخيل عليه وواضح ان هناك امطار ايضاً.
خبط الحنطة - الجدل الدائر بسبب الأمطار

لكن هذا الوضع القديم جد عليه الكثير من التغيرات بسبب تغير المناخ في المنطقة العربية:

اولاً:

أن ما حصل ويحصل خلال العشر سنوات الأخيرة بيقول أنه حتى لو كانت بلادنا جافة فيما مضى لكنها لم تعد كذلك الان ويكفي مرة أو اثنتان من هذه "الزخات" في الشتوية الواحدة بما تسببه من خسائر فادحة بشرية ومادية لنلتفت إلى الوضع باكثر جدية عما قبل، يعني خلاص أصبح من الواجب النظر في عمل شبكات صرف أمطار لتفادي هذه الخسائر. والموضوع كان واجب الالتفات إليه من سنوات عديدة مضت.

ثانياً:

هناك حقيقة يعرفها المختصون كما ثبتت بالتجربة عشرات بل مئات المرات، أن القدرات التصميمية لشبكات الصرف الصحي لأي مدينة لا يمكن ان تكون كافية لاستيعاب ولو حتى ساعة فقط من الأمطار على نفس المدينة، لكن هناك حقيقة استجدت لا تقل أهمية، هي:

احتياجنا لكل نقطة "مياه عذبة" من مصادر غير نهر النيل الأمر الذي أصبح يفرض علينا تجميع مياه الأمطار بشكل يليق باستخدامها لأغراض الري والشرب وخلافه وبأقل قدر من المعالجات

 وهذا ما يستدعي الإسراع بخطط تنفيذ شبكات لصرف مياه الأمطار تكون مستقلة عن الصرف الصحي كما هو متبع في كل دول العالم.

ومنا من يتذكر ذلك الخطأ بل الخطيئة التي ارتكبها القائمون على الأمر في عاصمتنا الساحلية الجميلة الأسكندرية عندما قاموا بربط شبكة الصرف الصحي بشبكة صرف الأمطار للاستفادة من خطوطها ومحطاتها بحجة الاستفادة منها بدلاً من عملها لشهرين او ثلاثة فقط في السنة، الأمر الذي نشأ عنه أن الأسكندرية التي لم تكن تعرف تكدسات المياة ومشاكل الأمطار أصبح مشهد تانكات الصرف الصحي المحمولة ومضخات النزح مألوفاً لأهل الأسكندرية كما لأهالي المحافظات الأخرى أيضاً.

 (انقر هنا لتتابعنا)

ثالثاً:

صحيح المدن القديمة انشئت من زمان وهذا ممكن يفسر آثار كميات الأمطار الغزيرة عليها والتي لم تكن معتادة عندما نشأت تلك المدن، لكن خلال ال٣٠ أو ٤٠ سنة الماضية تم إنشاء مدن وتجمعات سكانية هائلة وكثيرة في كل مكان في مصر تقريباً، ومع الأسف لم يضع أحد اي اعتبار لتنفيذ شبكات امطار لهذه التجمعات والمدن "الجديدة".

رابعاً:

حتى بدون شبكات مكلفة بمحطات رفع ومواسير ضخمة وبلاعات و"مانهولات" (هذا تعبير هندسي متداول عن البالوعات العميقة التي في وسط الشوارع)، هناك حاجات بسيطة كل مهندس في هذا المجال أو قريب منه يعرف انها يجب أن تراعى في تصميم الشوارع لصرف امطارها، أهمها أن يتم تنفيذ ميول الشوارع صعوداً وهبوطاً بحيث يتم التحكم في الاتجاه الذي ستسري فيه المياه التي ستسقط عليه متجهة إلى النقاط التي تمثل نقاط تجميع تصل إليها المياه وعندها تتم أعمال هندسية أخرى. هذا ألف باء تصميم الطرق للوقاية من الأمطار. وكما ترى هو موضوع سهل: فقط "حدد الاتجاه الذي يميل الشارع اليه"، لكن حتى هذا لم يلتفت إليه أحد بل الشوارع هي من اختار كيف تسري المياه عليها وأين تذهب بها، وصرنا نحن البشر مفعول بنا نتصرف بطريقة رد الفعل، أي: اجرِ شمال ويمين بمضخات النزح والتانكات الكبيرة حسبما حتمت الأمطار وظروف الشوارع. (اقرأ أيضاً: من اليمين للشمال)

ولعل المثال الصادم لهذا الواقع الأليم يتمثل في القاهرة الجديدة مثلاً وما يحدث فيها من فيضانات الشتاء مع دخول موسم الأمطار، والغريب أنها مدينة فتية لم تجاوز 25 عاماً من العمر وكان المفروض ان يطبق عليها أحدث القواعد الهندسية، لكن المفارقة المحزنة أن تم تصميمها وتنفيذها في مخر طبيعي من مخرات السيول على خلاف كل القواعد الهندسية، يعني ابشر بالخير، كلما حصلت أمطار غزيرة شويتين في تلك المنطقة ولو حتى نصف ساعة تحدث كوارث، القاهرة الجديدة هاتغرق هاتغرق، مافيش كلام. دي كمان هاتستقبل سيول هاطلة عليها من الصحراء المجاورة، ماهي في مخر السيول بقى! لذلك وجب علينا الاستعداد للسيول ليس في خارج المدينة فقط بل في داخلها أيضاً.

خامساً:

الأغرب والأغرب ان حتى الطرق الصحراوية (اكرر.. الصحراوية) تشكو من فيضانات الشتاء، فهي تشهد تجمعات للمياه فوق الطريق ولا يمكن صرفها للدرجة التي تنقطع فيها الحركة على الطريق رغم أن على الجانبين صحراء من اليمين ومن اليسار، الصحراء ممكن تشرب اي ميه تنزل عليها، بس انت صمم صح أن الميه تروح ناحيتها وتسيب الطريق..

اقرأ أيضاً: (أخلاقيات البيع وانتهاكات الخصوصية)

سادساً:

من افدح الأخطاء الملحوظة لمن ينظر حوله ويعمل تفكيره هو أن أكثر أماكن تجمع المياه هي عند مطالع ومنازل الكباري، ورغم أن هذا أمر بديهي لأن كل المياة الساقطة فوق الكوبري ستنحدر بسرعة إلى اسفله، لكن الغير مفهوم هو كيف لا تجد هذه المياه مكان تنصرف إليه بعد وصولها إلى هذه النقطة الحيوية لكن تقف مكانها وتتسبب في اغلاق مطلع و/أو منزل الكوبري؟! خير مثال لهذا كوبريان يمران بمدينة العاشر من رمضان على طريق القاهرة الإسماعيلية الصحراوي، كما أن كثير من الكباري التي تم تنفيذها للدوران للخلف على كل الطرق الصحراوية بدون استثناء يحدث عندها نفس المشكلة.

جميل ان ننفق المليارات على مشروعات قومية ضخمة، لكن مراعاة الفكر الهندسي والتصميم الصحيح يوجه هذا الانفاق بشكل صحيح. ده اسمه الرؤية والتخطيط الصحيح الذي يراعي كل الاحتمالات يا سادة.

٢٥ أكتوبر ٢٠١٩ - تاريخ النشر في فيسبوك 

اقرأ أيضاً:

وأنا أيضاً MeToo

الطريق إلى نوبل.  مشكلتك لها حل - الوصفة الإلهية للأزمة الاقتصادية

خدوا بالكم من عيالكم

 لمحة عن التطور او الانتقاء الطبيعي.

تعليقات