-->

من الخمسين إلى السابع (٩): قسطنطين في نيقية - ما له وما عليه

قسطنطين في مجمع نيقية - الهدف السهل لرمى السهام

لابد ان نقر بأنه في أوقات معينة من التاريخ – العصور الوسطى كمثال - ترك تداخل السياسي مع الديني نتائج شنيعة وغير محمودة، لكن هذه الخبرات لا يصح أن نسقطها تعميماً على كل أحداث التاريخ، لأن الموضوعية تحتم ألا نصم كل تدخل للملوك بانه تعويج للحق ولي للحقائق واستغلال سيئ للدين في السياسة. لكن هذا ما يفعله – مع الأسف – أصدقاؤنا الليبرال والملحدون، إذ ان كل ما يخالف ما أصبح "متعارف عليه" في فكرهم تكون نتيجته مرفوضة، وبناءً عليه، طالما وصموا أحداثاً أو أشخاصاً، عندها يقرأون كل ما يخص الموصوم بهذه العدسة، حتى وإن لم يكن لديهم أدلة مادية قوية تثبت ذلك، إذ أن الشك في عرفهم يفسر ضد المتهم، و"قراءتهم" لما بين السطور، أو بالحري "استنطاقهم" للسطور، ينظر لها على أنها "أدلة لا شك فيها". هذه المقاربة لا يصح ان يتم اعتمادها هنا بشكل عام، ورغم اننا - في قراءتنا الإيمانية - نجد أن الله في سلطانه سخر ويسخر ملوكاً لفرض إرادته وإجراء كلمته متى شاء وكيفما شاء، بل وحتى إن سمحنا لأنفسنا بقراءة ما بين السطور بعدسة الإيمان، لكن مع ذلك ستظل قراءتنا حتى للسطور نفسها تدعم دعوانا، وهذا هو أولويتنا اليوم، وهو ما سنثبته في السطور القادمة بمعونة الله من خلال تقييم "موضوعي" لقسطنطين بقدر الإمكان، لنقرر ما اذا كان الرجل راعياً أميناً أم متسلطاً سياسياً.

هدف ملون لاطلاق السهام عليه، وفيه 3 سهام اصابت مركزه تماماً.
خبط الحنطة: قسطنطين مستهدف عمداً من سهام النقاد.

++ قسطنطين والجدل الأريوسي

ذكرنا في مقال سابق (قسطنطين الكبير وصعود المسيحية الامبراطورية)، أن هدف قسطنطين الأساسي في نيقية كان تحقيق الإجماع ووحدة الكنيسة التي بدورها تساهم في وحدة الإمبراطورية، ومن المرجح أن قسطنطين ترأس بعض الجلسات دون ان يديرها، وشجع على الحوار، وحث على اتخاذ قرارات حاسمة يتمكن من خلالها من تعريف الخط الفاصل بين ما هو قانوني وما هو مثير للاضطرابات،  وفي النهاية استخدم سلطته الإمبراطورية لفرض القرار الذي استقر عليه المجتمعون. ومع ذلك، فإن الحجج والمناقشات اللاهوتية وصياغة قانون الإيمان كانت من عمل الأساقفة المجتمعين، مستندين إلى الكتاب المقدس والتقليد المُستلم من الكنيسة، وهذا ما سنثبته فيما يلي نظراً لأهمية دور قسطنطين في هذا الشأن ولكثرة ما تم من أقاويل حوله إذ نفرد مناقشة مفصلة عن الرجل ودوره في المراحل المختلفة من الجدل الأريوسي.

++ مصدر الاتهام ضد قسطنطين

لا أرغب في الخوض في أي تفاصيل كثيرة من هذه الجهة، لكن هل ستعجب إن عرفت أن هذا الاتهام السخيف لقسطنطين بأنه تحكم في قرارات نيقية لم يظهر للعلن إلا منذ حوالي قرن واحد من الآن أو أكثر قليلاً؟ وتعجب عندما تقرأ أحدهم يقول نصاً:

"على مدى القرن الماضي، اكتشف العلماء أن الرواية التقليدية لتلك الجدلية [يقصد الجدلية الأريوسية]، حول كيف ولماذا قبلت الكنيسة عقيدة الثالوث، هي تاريخ كتبه المنتصر وتشويه كامل."

عندها نجد أنفسنا نتساءل السؤال المنطقي: كيف "اكتشف العلماء" هذا الاكتشاف الرهيب؟ هل اكتشفوا مؤرخين آخرين أرَّخوا لقسطنطين والكنيسة في تلك الفترة غير هؤلاء الذين نعرفهم؟ أم أنها فقط محاولات لقراءة ما بين السطور لنفس الكتابات التي لا يوجد لدينا غيرها؟ طيب، وفي هذه الحالة الأخيرة، بناءً على أي معايير يعتبرون قراءتهم هي الأصح لنفس المصادر التي نقرأها والتي قرأها كل سابقينا طوال ١٧ قرناً؟!!

(ارجع للمصادر التاريخية لتلك الحقبة عن الجدل الأريوسي)

++ شخصية قسطنطين:

١. من يقرأ بتمعن سيرة قسطنطين كما سطرها يوسابيوس او حتى كما أشار اليها كل من كتب بخصوص هذا الموضوع يلاحظ تميز غير قليل في الرجل عن مجرد امبراطور ذي حكم مطلق وقائد عسكري منتصر كغيره من الأباطرة والقادة، هذا ما سوف نلخصه هنا، ثم نلاحظه في التفاصيل لاحقاً:

٢. الرجل كان صاحب قدرات عقلية متميزة جعلته يستمع بانصات إيجابي لمناقشات أساقفة ولاهوتيين كبار ومخضرمين في موضوع يتطلب قدر عالي من الوعي اللاهوتي الذي – بصراحة – افتقده بعض الحاضرين المجمع. يصفه يوسابيوس القيصري بإعجاب شديد بعد أن وصف هيئته الجسمانية:

"وأمّا من جهة عقله، فكان واضحًا أنّه متميّز بالتقوى ومخافة الله. وقد دلّت على ذلك عيناه المطأطئتان، واحمرار وجهه، ومشيته. أمّا سائر صفاته الشخصية، فقد فاق الحاضرين جميعًا طولَ قامةٍ وجمالَ هيئةٍ، إضافةً إلى جلال الوقار، وقوّةٍ لا تُقهَر ونشاطٍ عظيم. وكل هذه النعم، مع لطف أسلوبه، وهدوءٍ يليق بمقامه الإمبراطوري، كانت تُظهر أنّ سموّ صفاته العقلية يفوق كلّ مدح". (يوسابيوس – حياة قسطنطين ٣: ١٠)

٣. لاحظ أنه عندما ثار الجدل الأريوسي لم يكن قسطنطين حديث الإيمان كما يدَّعي عليه المدعون، بل كان وقتها قد مر عليه أكثر من ١٢ سنة في الإيمان منذ حادثة الرؤية الشهيرة، ومن سيرة الرجل حتى خلال تلك السنوات السابقة، دون أدنى شك نرى أن إيمان قسطنطين كان إيماناً عميقاً وأصيلاً، والقارئ المنصف لسيرة الرجل لابد له من أن يقر بهذا حيث أثمر في قلب قسطنطين ثمار مسيحية حقيقية، هذه الثمار ظهرت في تصرفاته وقراراته فيما يخص الدولة (ارجع لمقالنا السابق عنه لتعرف بعض هذه القرارات) وتفاعلاته مع الشخصيات والأحداث التي مرت به سواء قبل أو خلال هذا الجدال الأريوسي، بل وخلال غيره الكثير من المشاكل. فهو، فيما يخص الكنيسة، لم يتصرف كرجل دولة يملك سلطة فرض رأيه فيما احتدم من مشاكل سوى بعد ان اتخذت الكنيسة ما تراه الأصوب من اجراءات، مثلما سنرى لاحقاً من نفي أريوس وكل من دعَّمَه، مع حرق كتاباته، هذه الأمور لم يقم به إلا بعد ان أصدر مجمع الكنيسة الحكم بحرم اريوس وخطأ تعاليمه، كل هذا بينما هو - بصراحة - لم يكن مضطراً لها كامبراطور وحاكم مطلق.

٤. كان عند الرجل رؤية وقناعة عميقة بأن الرب قد اختاره لمهمة سامية وأن إخلاصه لإيمانه بشكل عملي هو ما يؤول إلى رخاء المملكة (ثيودوريت - تاريخ الكنيسة ١: ٩)، وفي كثير من الأحيان تصرف بناءً على هذه القناعة. (أليس هذا ما تتحدث عنه منابر الكنائس ويملأ صفحات الكتب، أن تجعل إيمانك معاشاً وتظهر نتائجه في كل ما تعمل؟!) قسطنطين فعل هذا في كثير من قرارات حكمه وفي المواقف التي لاقته، وهذا ما سنلمسه في تفاصيل تالية، بل إن الرجل كان ايضاً يدرك جيداً مفهوم عمل الروح القدس كما عبر هو بنفسه شخصياً عن ذلك. (ملحوظة: كرأي شخصي، اظن أن الله، في عصرنا هذا وفي كل العصور، يبارك مثل هذه التوجهات في أيٍ من كان من الناس ويجعل لعملهم ثمراً).

٥. ما يبدو أنه من عيوب قسطنطين السياسية أنه، كغيره من البشر، تسرع في الحكم على بعض الأمور بل وعلى بعض الناس، دون دراسة متمهلة كافية، أو بعد الاستماع لوجهة نظر واحدة، لكن كان عنده الجرأة لتغيير مواقفه متى تبين خطأ معلوماته. هذا حدث في موقفه من الجدال الأريوسي في بداية الأمر، كما حدث في موقفه من أثناسيوس بل وحتى مع أريوس في مواقف تالية.

٦. هناك خطأ شائع وقع فيه البعض، ألا وهو القول بأن قسطنطين لم يكن مسيحياً بل وثنياً ادعى المسيحية، فقط لمجرد أنه لم يعتمد إلا وهو في فراش الموت، وبالتالي يتخذون من هذا المنظور تكئة يحكمون منها على الرجل، ماهو وثني بقى!! والحقيقة إن هذا المنظور – رغم أنه يتوافق مع بعض المعتقدات التي تعلم بها "طوائف مسيحية" - لكنه منظور سطحي جداً وينم عن جهل عميق بالمفاهيم اللاهوتية والمبادئ المسيحية الأساسية، فالإيمان يكون في القلب أولاً وقبل كل شيء، والمعمودية تكمل الشهادة لهذا الإيمان، وعندنا في اللص اليمين أشهر مثال "من الكتاب المقدس" عمن آمن ولم يعتمد لكنه ذهب إلى الفردوس بقرار إلهي من فم الرب يسوع المسيح نفسه «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ». (لوقا ٢٣: ٤٣). والحقيقة أن تأجيل المعمودية كان خطأ شائعاً في تلك الحقبة، والحجة المذكورة هي الخوف مما كان يسمى "خطيئة ما بعد المعمودية" أو Post-baptismal sin وما كان يترتب عليها من التزامات (وقسطنطين لم يكن متفرداً في هذا الأمر بل كثيرون غيره أجَّلوا معموديتهم).

٧. مفهوم خطأ آخر تحجج به البعض، بأن قسطنطين كان أريوسياً لأن من عمَّده في أواخر أيامه كان أحد أكبر زعماء الحركة الأريوسية (يوسابيوس النيقوميدي). والحقيقة أن هذا رأي يثير الضحك أكثر من أي شيء آخر:

أولاً: لأن يوسابيوس النيقوميدي وقع على إقرار الإيمان النيقاوي، وأقر علناً بصحة قانون الايمان، لذلك فهو في عيني قسطنطين صاحب إيمان أرثوذكسي (مستقيم)، صحيح أنه وقع متأخراً بعد رفض مبدئي تسبب له في الحرم والنفي والعزل من أسقفيته، وصحيح أن يوسابيوس هذا ظل مؤيداً للفكر الأريوسي سراً - كما بدا من أحداث تالية – لكن قسطنطين لم يقرأ نوايا الرجل وإلا كان قد ظل على إدانته مع من تمت إدانتهم.

ثانياً: لأن القائلين بتهمة أريوسية قسطنطين هذه يَخلُصون –  في اغلبهم – إلى اتهام قسطنطين بأنه هو من "اخترع" الثالوث الأقدس ولاهوت المسيح في نيقية، وهم بهذا يناقضون أنفسهم، إذ كيف لقسطنطين (الأريوسي كما يدعون) أن يؤيد (بلاش "يخترع") لاهوت المسيح حسبما تبلور بقوة في نيقية، وليس مجرد تأييد نظري فقط بل مع اتخاذه تلك الإجراءات الصارمة التي اتخذها قسطنطين "كرجل دولة" ضد أريوس ومن بقي على تأييده؟!!

عموماً، دعونا نفند بشيء من الروية هذه التهمة

أولاً: رد الكنيسة على اريوس كان موجوداً من قبل انعقاد المجمع:

كان إيمان الكنيسة المسيحية بلاهوت المسيح معاشاً وواقعاً في ذهن وممارسات الجميع منذ عصر المسيح كما رأينا في مقالنا المجمَّع لكتابات آباء الكنيسة في لاهوت المسيح، لكن أيضاً لم تكن الكنيسة منتظرة انعقاد المجمع ولا تدخل قسطنطين ولا أي رأي لاهوتي او ابتكار جديد منه للرد على أريوس وهرطقته، بل انبرى رجالها للرد كما هو مسجل في التاريخ، وها هو واحد من هذه الردود المسجلة، تلك الرسالة التي أرسلها ألكسندروس، أسقف الأسكندرية (التي خرجت منها بدعة أريوس) إلى اخوته أساقفة الكنائس في كل العالم المعروف في ذلك الوقت، حيث شرح فيها تفاصيل هرطقة أريوس ثم فندها. وكان هذا قبل نيقية وقبل تدخل قسطنطين.

ألكسندروس السكندري يفند هرطقة أريوس (قبل نيقية)

سنكتفي فيما يلي بذكر جزئية التفنيد (والتي تشمل فحوى البدعة في تفاصيلها)، ويمكن للقارئ العزيز الرجوع لنص الرسالة كلها في المرجع المذكور:

- من يسمع يوحنا يقول: "في البدء كان الكلمة"، ألا يدين أولئك الذين يقولون: "كان هناك وقت لم يكن فيه الكلمة [موجوداً]

- أو من يسمع في الإنجيل عن "الابن الوحيد المولود" [يوحنا ١: ١٨]، وأن "كل شيء به كان" [يوحنا ١: ٣]، ألا يمقت أولئك الذين ينطقون بأن الابن واحد من تلك الأشياء المصنوعة؟ كيف يمكن أن يكون واحداً من الأشياء التي صنعها هو بنفسه؟ أو كيف يمكن أن يكون الوحيد المولود، إذا حُسب بين الأشياء المخلوقة؟

- وكيف كان يمكن أن يكون وجوده من العدم، بما أن الآب قال: "فاض قلبي بكلام صالح"، و"من الرحم قبل كوكب الصبح أنا ولدتك" [الترجمة السبعينية]؟

- أو كيف يكون غير مشابه لجوهر الآب، بينما هو "صورة الله" كولوسي ١: ١٥، و"بهاء مجده" عبرانيين ١: ٣، وهو يقول: "من رآني فقد رأى الآب"؟

- ثم إذا كان الابن هو كلمة الله وحكمته، كيف كان هناك فترة لم يكن فيها موجوداً؟ فإن ذلك يعادل قولهم إن الله كان مرة خالياً من الكلمة والحكمة معاً.

- كيف يمكن أن يكون قابلاً للتغيير ومُعرَّضاً للتبدل، هو الذي يقول عن نفسه: "أنا في الآب والآب فيّ" يوحنا ١٤: ١٠ و"أنا والآب واحد" يوحنا ١٠: ٣٠، ومرة أخرى بالنبي ملاخي ٣: ٦ "لأني أنا الرب لا أتغير"؟ لكن إذا أمكن تطبيق التعبير على الآب نفسه، فإنه الآن سيكون أكثر ملاءمة أن يُقال عن الكلمة، لأنه لم يتغير بأن صار إنساناً، بل كما يقول الرسول "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" عبرانيين ١٣: ٨.

- لكن ما الذي أدخل في عقولهم أن يقولوا إنه صُنع من أجلنا، بينما أعلنها بولس صراحةً أن "من أجله الكل وبه الكل" عبرانيين ٢: ١٠؟

- لا يحتاج المرء إلى التعجب بالفعل من قولهم التجديفي إن الابن لا يعرف الآب معرفة كاملة، لأنهم بعد أن قرروا مرة محاربة المسيح، يرفضون حتى كلمات الرب نفسه، عندما يقول "كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب" يوحنا ١٠: ١٥. فإذا كان الآب يعرف الابن جزئياً فقط، فمن الواضح أن الابن أيضاً يعرف الآب جزئياً فقط. لكن إذا كان من غير اللائق تأكيد هذا، ويُقبل أن الآب يعرف الابن معرفة كاملة، فمن الجلي أنه كما يعرف الآب كلمته الخاصة، كذلك يعرف الكلمة أباه الخاص، الذي هو كلمته." (سقراط – تاريخ الكنيسة ١: ٦)

ثانياً: دافع قسطنطين للتدخل:

١. القلق من الانقسام اللاهوتي المتصاعد ومن إمكانية توسعه ليكون سبباً في اضطرابات مدنية، كان هذا هو الهاجس الأساسي الذي كان يحرك قسطنطين ليتخذ خطوات في سبيل محاولة رأب الصدع ومعالجة المشكلة، وهذا لا يعيب أي رجل دولة أن يبحث عن حل للمشاكل.

٢.     زد على ذلك أن قناعة قسطنطين كانت هكذا: أن الله بارك كل خطواته السياسية وأن الازدهار الذي تشهده المملكة سببه النعمة التي يهبها الله بسبب الايمان الذي أتيحت له فرصة الازدهار من خلال الكنيسة المسيحية الواحدة، لذلك ستظل الكنيسة – التي هي أداة الله - هي أداة لُحمة وتوحيد الإمبراطورية وازدهارها، فكيف يمكن إذن أن تكون الكنيسة نفسها هي مصدر الانقسام والانشقاق؟! أنظر ما يقوله في رسالته إلى أساقفة الكنائس كتقرير عن أعمال مجمع نيقية:

"بما أنني أرى الازدهار العام الذي يتمتع به الجميع في هذه اللحظة كنتيجة للقوة العظيمة للنعمة الإلهية، فإنني أرغب فوق كل شيء أن تُحفظ الأعضاء المباركة للكنيسة الجامعة في إيمان واحد، وحب صادق، وشكل واحد للإيمان، نحو الله القدير." (ثيودوريت – تاريخ الكنيسة ١: ٩)

ثالثاً: قسطنطين لم يكن مدركاً لخطورة الموضوع:

١.     يبدو جلياً أن قسطنطين لم يكن مستوعباً لخطورة موضوع الجدل الأريوسي نفسه، فبالنسبة له، كانت هذه مجرد خلافات فلسفية ومصطلحات لاهوتية، فكيف تستحق كل هذا التصاعد في الجدالات والمناقشات؟!!

ملحوظة: لم يكن قسطنطين وحده على هذه الحالة، بل يبدو أن عدداً لا بأس به من المسيحيين أنفسهم لم يكونوا على وعي وعمق معرفي كافي يجعلهم يدرون بخطورة الجدلية وموضوعها، ورغم ترديدهم لهذه الحقائق الايمانية، لكن صياغتها في صورة تفصيلية جلية لم تكن بذلك الوضوح وتلك النصاعة التي أوجدتها تجربة الجدل الأريوسي بما فرضته من بحث ووعي وعمق معرفة.

٢. الملفت للنظر في استهانة قسطنطين بالجدل الأريوسي في بدايته تبدو جلية في اختياره مخاطبة كل من ألكسندروس وأريوس على قدم المساواة في رسالة مشتركة، مع أن أحدهما "أسقف" الأسكندرية وهو الشاكي والذي قضى بحرم الثاني الذي هو "كاهن" في الأسقفية (في مجمع محلي للأساقفة عقد في الأسكندرية). تأمل من فضلك لغة الخطاب وكأن الامبراطور يحاول الصلح بين أخوين تنازعا على الميراث:

"لم يكن من الحكمة إثارة موضوع كهذا بادئ ذي بدء [يقصد موضوع الجدل المثار]، ولا الرد على سؤال كهذا عندما يُطرح: حيث لا يوجد أي قانون يستدعي التحقيق في مثل هذه المواضيع، بل إن الحديث الفارغ غير المفيد في أوقات الفراغ هو الذي يُثيرها...... بينما تُصِرُّون هكذا بعنادٍ على التنازع فيما بينكم حول أمورٍ صغيرة أو بالكاد ذات أهمية تذكر، فإنه لا يليق بكم أن تتولوا رعاية هذا العدد الكبير من شعب الله، لأنكم منقسمون في الرأي: وهذا ليس فقط غير لائق، بل أعتقده أيضاً محظور تماماً.............. هل من الصواب، بسبب منازعات تافهة وباطلة بينكم حول كلمات، أن يُوضَع الإخوة في مواجهة ضد الإخوة؟ وأن تُشتَّت الشركة المقدسة بانشقاق غير مقدس، من خلال مواجهة بعضنا البعض بشأن أمور غير مهمة هكذا، وغير أساسية بأي حال؟........... أقول هذا، ليس إجباراً لكم جميعاً على تبني نفس الرؤية سوياً لهذا الموضوع التافه جداً للجدل مهما كان، حيث يمكن الحفاظ على كرامة الشركة دون تأثير عليها، والاحتفاظ بالشركة نفسها مع الجميع، حتى لو وُجد بينكم بعض التباين في الرأي بشأن أمور غير مهمة..............." (سقراط – تاريخ الكنيسة – ١: ٧)

٣. نظراً لاعتقاده أن الموضوع مجرد خلاف فلسفي ولاهوتي بسيط، لذلك تصور انه يمكن الحل من خلال الوساطة، وطبعاً الوساطة المرشحة في هذه الحالة يفضل أن تكون أسقفاً وشريكاً في الخدمة ليوفق بين شركاء الخدمة المتنازعين (حسب تصوره)، فأرسل هوسيوس أسقف قرطبة إلى الإسكندرية: أولاً: لتقصي الحقائق ومعرفة تفاصيل المشكلة، ثم ثانياً: محاولة رأب الصدع بالوساطة بين ألكسندروس وأريوس.

ملحوظة: يبدو أن هوسيوس كان مقرباً من أسقف روما أيضاً لأنه حضر المجمع ليس فقط كأسقف قرطبة، لكن كممثل لأسقف روما.

 (انقر هنا لتتابعنا)

٤. ومع هذا التصور لتفاهة المسألة، تخيل الرجل أن الحل يكمن فقط في التوبيخ والوعظ للطرفين المتنازعين (في الرسالة التي نقلها هوسيوس)، وأن مجرد نصحهما بأن يحلا أي خلاف - إن وجد - بعيدا عن العلن سيكون كافياً للحل، وبذلك يتوبا ويرتدعا عن خلافهما (حسب تصوره). أنظر ماذا يقول سوزومِنوسوس عن هذا الأمر:

"اتَّهم الإمبراطور أريوس وألكسندروس علانيةً بأنهما أحدثا هذا الاضطراب، وكتب يوبِّخهما لأنهما تسببا في جدل علني بينما كان في مقدورهما إخفاؤه، ولأنهما أثارا بحدَّة موضوعاً لم يكن من الواجب إثارته أصلاً، أو على الأقل كان يجب أن يُعبِّرا عن رأيهما فيه بهدوء. قال لهما إنهما ما كان يجب أن ينفصلا عن الآخرين بسبب اختلاف في الرأي بشأن نقاط معيَّنة من العقيدة." (سوزومن – تاريخ الكنيسة ١: ١٦)

٥. لما عاد هوسيوس إليه بتقريره، يبدو جلياً أن قسطنطين أدرك أن لا سبيل لصلح كما تصور في الأول، وأدرك أن الخلاف لاهوتي عميق، وأن صعوبة المسألة تستحق اهتماماً أكبر من مجرد رسالة توبيخ أو محاولات توفيق بين طرفين متنازعين، وهذا الوعي – حتى لو كان متأخراً - عبر عنه الامبراطور في خطبته الافتتاحية لاجتماعات المجمع:

"في رأيي، الصراع داخل كنيسة الله أكثر شراً وخطراً من أي نوع من الحرب أو النزاع، وتبدو لي هذه الخلافات أكثر إيلاماً من أي مشكلة خارجية. وفقاً لذلك، عندما انتصرت على أعدائي بإرادة الله وبمساعدته، ظننت أنه لم يبقَ شيء آخر سوى أن أقدم الشكر له وأن أشارك في فرح الذين أعادهم إلى الحرية بواسطتي [يقصد المسيحيين بسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له سابقاً]، لكن ما أن سمعت تلك الأخبار التي ما كنت أتوقع سماعها، أعني خبر انشقاقكم، حتى حكمت أنها ليست أمراً ثانوياً، وبرغبة جادة في أن يُوجد علاج لهذا الشر أيضاً بواسطتي، أرسلت فوراً لأطلب حضوركم." (يوسابيوس – حياة قسطنطين ٣: ١٢)

٦. وهكذا نرى أن الامبراطور تعلم الدرس سريعاً ثم رأى أن يرفع مستوى المناقشة لتكون عالمية مسكونية، بالدعوة إلى مجمع للأساقفة من مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية في نيقية، وبذلك تكون المناقشات على مستوى كل الأساقفة (أو "علماء اللاهوت")، مما يسمح بالوصول إلى الصياغة الإيمانية التي توافق الايمان الجمعي ويرضى به جميع الأطراف (إن أمكن). ويُعد هذا المجمع الأول من نوعه كمجمع مسكوني (أي مُمثَّل فيه كل مؤمني العالم)، وهو مثالٌ بارزٌ على جهد الكنيسة لتعريف العقيدة الأرثوذكسية في مواجهة هرطقة خطيرة، وبدون أدنى شك، لم يكن مجمع كهذا ليجتمع لولا سلطة إمبراطور وامكانيات دولة.

رابعاً: هل تدخل قسطنطين في المناقشات اللاهوتية؟

١. كأي سياسي محنك، كان هم قسطنطين تكوين فكرة عن المشكلة كما يتصورها المجتمعون، وأيضاً كأي سياسي كان يهمه أن يحصل على نتيجة حاسمة (أي نتيجة) لهذه المناقشات، بحيث تكون ممثلة لإجماع الآراء (أو - على الأقل – أن يسمع بماذا تعتقد الأغلبية) بما يسمح له بإصدار ما يكفي من قرارات تكون ملزمة وتضمن - نتيجة لذلك - إنضباط الحياة المدنية ومنع من ثبت أنهم مخالفون للاتجاه العام من إثارة المشاكل، وهذا أمر نشاهده في ديموقراطيات اليوم ونقابله بكل تقدير، هذا ما عبر عنه في رسالته إلى الكنائس بعد المجمع:

"وبما أن هذا الهدف لا يمكن تأمينه بفاعلية ويقين، إلا إذا اجتمع الجميع، أو على الأقل الأغلبية من الأساقفة، وتم نقاش لكل التفاصيل المتعلقة بديانتنا المقدسة جداً، فلهذا السبب تم عقد أكبر تجمع ممكن." (يوسابيوس – حياة قسطنطين ٣: ١٧)

٢. هناك مؤشرات تقول إن قسطنطين كان يبطن احتراماً فائقاً للأساقفة:

أ. ففي سياق الحديث عن السلطة القضائية للأساقفة، نجد "أوغسطينوس أسقف هيبّو" (٣٥٤-٤٣٠م) يصرّح، في سياق الحديث عن الجدل الدوناتي، أن الإمبراطور المذكور (قسطنطين):

"لم يجرؤ على التدخل في مسألة أسقفية، وفوّض السلطة إلى الأساقفة لكي يناقشوها ويقوموا بحلّها."

The emperor “did not dare to interfere in an Episcopal matter and delegated power to the bishops so that they may discuss and resolve it.”

(Codex Theodosianus 16.2.12, page 3 كودكس ثيودوسيانوس 16.2.12 – صفحة ٣)

وهذا التصريح مدعوم أيضاً من قبل يوسابيوس القيصري.

ب. أيضاً أنظر كيف يصف يوسابيوس القيصري دخول قسطنطين إلى قاعة اجتماع مجمع نيقية وكيف أن الرجل رغم الهيلمان والمهابة الامبرطورية التي كانت تحيط به ويتسم بها، إلا أنه "انتظر واقفاً إلى ان أشار إليه الأساقفة ليجلس، وبعده جلست الجماعة كلها كذلك". (يوسابيوس – حياة قسطنطين ٣: ١٠ – سقراط – تاريخ الكنيسة – ١: ٨)

ج. أنظر أيضاً ماذا يقول قسطنطين نفسه في تقريره الذي ارسله مكتوباً لأساقفة الكنائس بخصوص ما جرى في المجمع، وهو يصف نفسه كعبد مساوٍ لمستقبلي رسالته، في مشابهة واضحة مع وصف الرسل لأنفسهم ومثلما وصف بولس ابفراس (كولوسي ٤: ١٢):

"ولكن، بما أنه لم يكن من الممكن اتخاذ أي إجراء أكثر صلابة أو فعالية لتأمين هذا الهدف [وحدة الإيمان]، من تقديم كل ما يتعلق بديانتنا المقدسة جداً لفحص جميع (أو معظم) الأساقفة على الأقل، فقد جمعت أكبر عدد ممكن منهم، وجلست بينهم كواحد منكم، لأنني لن أنكر تلك الحقيقة التي هي مصدر أعظم فرح لي، وهي أنني عبد معكم (συνδούλος – syndoulos)." (ثيودوريت – تاريخ الكنيسة ١: ٩)

ملحوظة: أي ذرة منطق تقول أن أي امبراطور روماني - كحاكم مطلق - لم يكن في احتياج لاستخدام هذا الأسلوب في الخطاب لو أنه لم يكن يعنيه فعلاً، خصوصاً لجماعة مسالمة خارجة من قرون من الإضطهاد الدموي، وما أسهل العودة إلى قمعها ثانية إذا لزم الأمر.

٣. على ذكر الجدل الدوناتي، نجد بيتر لايتهارت Peter Leithart (خادم مسيحي ولاهوتي معاصر) في كتابه "الدفاع عن قسطنطين"، يشير أيضاً إلى نفس الجدل، حيث يقول بأن قسطنطين تعلم من الجدل الدوناتي ألا يضطهد الأريوسيين. ويقول إن قسطنطين "يتوسل" إلى الأساقفة ليتوافقوا ويجدوا طريقة لتوحيد الأريوسيين مع معارضيهم من مؤيدي إيمان نيقية. بهذه الطريقة، يرى المرء قسطنطين الذي سعى إلى السماح للأساقفة بممارسة سلطتهم الكنسية وإيجاد الحلول بأنفسهم. علاوة على ذلك، هناك أمثلة لأساقفة، مثل أثناسيوس، تحدَّوا قسطنطين وخليفته علانية. كذلك، كتب هيلاري من بواتييه رسائل لتصحيح ابن قسطنطين، قسطنطيوس. مثل هذه المعارك تظهر أن السلطة لم تكن على جانب واحد فقط أو على الأقل لم يكن هناك أي اعتراف بأن السلطة على جانب واحد فقط. لم تستسلم الكنيسة ببساطة لقسطنطين والسلطة الإمبراطورية.

٤. هذه الحجة الأخيرة – أي تعامل قسطنطين مع الدوناتيين - تستخدم أيضاً للرد على الشبهة التي تثيرها بعض الكتابات المعاصرة بأن الأساقفة في مجمع نيقية كانوا تحت التهديد من قبل الامبراطور لتبني رأي لاهوتي معين دون الآخر، والرد عليهم – ببساطة - أنه عند اجتماع الأساقفة في مجمع نيقية للمناقشة (325م) لم يكن أمام عيونهم أي "سابقة" لقسطنطين فرض فيها رأياً على الكنيسة تحت التهديد، سواء تهديد بالنفي أو بالإعدام أو بالمصادرة أو بغيره. كما لا يمكن أن تستغل الخبرات السلبية للعصور الوسطى (وهي لاحقة) باسقاطها على عصر قسطنطين (الأقدم)، حيث كانت أحداث القرن الرابع مجرد بدايات جديدة لخبرات جديدة في التفاعل بين الكنيسة والدولة (ومع غياب أي شهادات واضحة مسجلة تقول بأي نوع من أنواع التدخل السلبي).

٥. زد على ذلك، ان أغلب خدام الله الحاضرين المجمع كانوا خارجين من فترة إضطهاد دقلديانوس، ومعظمهم عانى منها، بل وبعضهم خرج بإعاقات بدنية، أو عاصروا استشهاد إخوة لهم أمام أعينهم، ولا أظن أن هذه النوعية من المؤمنين يمكن أن تخضع لتهديد أو ابتزاز من أي نوع، فقد شهدوا الأسوأ ولم ينكسروا.

 (انقر هنا لتتابعنا)

٦. حادثة أخرى يمكن إضافتها للشواهد التي تبين كيف رأى قسطنطين نفسه أقل من أن يتدخل في شأن كنسي، هذا حين جاء إليه كهنة وأساقفة - قبل جلسات المجمع – بشكاوى مكتوبة، كل من لديه شكوى على آخر من اخوته الكهنة والأساقفة جاء بشكواه مكتوبة، فلم يلتفت قسطنطين لأي من هذه الشكاوى، بل جمعهم وكلمهم قائلاً:

"سوف تُقدَّم كل هذه الاتهامات في وقتها في اليوم العظيم للدينونة، وسيُحكم فيها هناك من قبل القاضي العظيم لجميع الناس، أما أنا فمجرد إنسان، ومن الشرّ فيّ أن أتولى النظر في مثل هذه الأمور، إذ إن المُشتكي والمشكو في حقه كلاهما كهنة، ويجب على الكهنة أن يتصرفوا بحيث لا يصبحوا أبداً خاضعين لحكم الآخرين....." (سوزومِنوسوس – تاريخ الكنيسة – ١: ١٧)

٧. يبدو أن قسطنطين لم يكن يهتم فعلياً بموضوع الجدل الدائر (على الاقل في البداية)، فوجهتا النظر المتصارعتان - بالنسبة له - تبدوان مسائل لاهوتية لا تشكل له أهمية تعادل الحصول على السلام والاستقرار السياسي في الإمبراطورية، لذلك كان يراقب سير المناقشات عن كثب، ويرى إلى أي اتجاه تسير الأغلبية، وأخيراً، اتخذ الجانب الذي رآه الأكثر إقناعاً والذي سارت معه أغلبية الحاضرين. وقد ظهرت حيادية قسطنطين في هذا الأمر تحديداً فيما تلى ذلك من عمره بعد نيقية.

خامساً: أسلوب قسطنطين في إدارة الجلسات:

الحقيقة إن مجريات الأحداث حسب الروايات التاريخية وشهادة المؤرخين تقول إن قسطنطين رغم أنه ترأس جلسات المجمع، إلا أنه ترك المناقشات للأساقفة واكتفى بالاستماع النشط. أنظر كيف وصف المؤرخون مشاركة الرجل:

١. أسلوب خطاب الامبراطور الافتتاحي للأساقفة الذي أشرنا إليه سابقاً، والذي سجله يوسابيوس بعد موت قسطنطين (٣٣٧م)، كان يناشدهم فيه بروح سمحة وبدون أي لهجة أمر أو ترفع أو تسلط متوقع من إمبراطور روماني:

"كان أعظم رغباتي في الماضي، أيها الأصدقاء الأعزاء، أن أستمتع بمشهد حضوركم متحدين، والآن بعد أن تحققت هذه الرغبة، أشعر نفسي ملزماً بتقديم الشكر لله ملك الدهور،.... لأنه منحني بركة السماح لي برؤيتكم ليس فقط مجتمعين معاً، بل متحدين في توافق تام في الرأي. أصلي إذن ألا يتدخل أي خصم خبيث فيما بعد ليُفسد سعادتنا هذه" (يوسابيوس – حياة قسطنطين ٣: ١٢)

"والآن أفرح برؤية اجتماعكم، لكنني أشعر أن رغباتي ستتحقق بشكل أكمل عندما أراكم جميعاً متحدين في حكم واحد، وذلك الروح المشترك للسلام والوفاق سائداً بينكم جميعاً، ...... لا تتأخروا إذن، أيها الأصدقاء الأعزاء: لا تتأخروا يا خدام الله الأمناء له الذي هو ربنا ومخلصنا المشترك: ابدأوا من هذه اللحظة في التخلص من أسباب ذلك الانقسام الذي كان موجوداً بينكم، وأزيلوا تعقيدات الجدل باحتضان مبادئ السلام. لأن بهذا السلوك ستكونون في الوقت نفسه تتصرفون بطريقة أكثر إرضاءً لله الأعلى، وستمنحونني، أنا الخادم معكم، معروفاً عظيماً." (يوسابيوس – حياة قسطنطين  ٣: ١٢)

٢. ثم ها هو سقراط سكولاستكوس (٣٠٥–٤٣٩م) يصف مساهمات الرجل في الحوار (الذي دام شهرين بالمناسبة):

"بعد أن قدم كل طرف مجموعة متنوعة من المواضيع، وأثير جدل كبير منذ البداية نفسها، استمع الإمبراطور إلى الجميع بانتباه صبور، متأملاً بعناية وبدون تحيز كل ما تم تقديمه. دعم، من جهة، البيانات التي قدمت من كلا الجانبين، وخفف تدريجياً حدة أولئك الذين كانوا يعارضون بعضهم بعضاً بحدة، موافقاً كل واحد بلطفه وودّه. وبما أنه خاطبهم باللغة اليونانية، إذ كان ملمّاً بها، كان في مرات مشوقاً ومقنعاً مخاطباً عقول البعض، ومع البعض الآخر بالاستعطاف، وأشاد بمن تحدث جيداً. ومع تحريض الجميع على الوحدة، نجح أخيراً في جعلهم يتفقون في الحكم، ويتوافقون في الرأي على كل النقاط المتنازع عليها: بحيث لم يكن هناك وحدة فقط في اعتراف الإيمان، بل أيضاً اتفاق عام بشأن الوقت للاحتفال بعيد الخلاص [عيد القيامة]." (سقراط – تاريخ الكنيسة  ١: ٨)

٣. ثم ها هو ما سجله سوزومِينوس في الفصل العشرين من الجزء الأول من تاريخه

"الفصل ٢٠. بعد أن استمع الإمبراطور إلى الطرفين، أدان أتباع أريوس ونفاهم.

تحول النقاش التالي بين الكهنة إلى العقيدة. أعطى الإمبراطور انتباهاً صبوراً لخطب الطرفين، فمدح من تحدث جيداً، ووبخ من أظهر ميلاً للخصام، ووفقاً لفهمه لما سمعه، إذ كان متمرساً في اللغة اليونانية، خاطب كل واحد بلطف. أخيراً اتفق جميع الكهنة مع بعضهم البعض واعترفوا بأن الابن متساوي الجوهر مع الآب. في بداية المؤتمر كان هناك سبعة عشر فقط يمدحون رأي أريوس، لكن في النهاية أعطى أغلبية هؤلاء موافقتهم على الرأي العام. إلى هذا الحكم مال الإمبراطور أيضاً، لأنه اعتبر إجماع المؤتمر موافقة إلهية، وأمر بأن يُرسل فوراً إلى النفي أي شخص يتمرد عليه كمذنب في محاولة قلب التعريفات الإلهية." (سوزومينوس – تاريخ الكنيسة ١: ٢٠ – أيضاً أنظر ما اوردناه في نفس السياق في مقالتنا الماضية عن مجمع نيقية)

٤. وبذلك يختم يوسابيوس الرواية بالحديث عن نتيجة مناقشات المجمع:

"كانت النتيجة أنهم لم يتوحدوا فقط بشأن الإيمان، بل إن الوقت للاحتفال بعيد الفصح [القيامة] اتُفق عليه من الجميع." (يوسابيوس – حياة قسطنطين ٣: ١٤)

٥. مشهد آخر من مشاهد تعامل قسطنطين مع الأطراف المتنازعة نراه في معالجته لموضوع صراع كنيسة الأسكندرية مع انصار ميليتوس، أنظر بعض ما يقوله يوسابيوس عن الموضوع:

"فإنه بالفعل عامل الطرفين المتنازعين بكل احترام، كآباء، بل كأنبياء الله، ودعاهم مرة أخرى إلى حضرته، وتصرف مرة أخرى بصبر كوسيط بينهم، وكرّمهم بالهدايا، وأبلغهم أيضاً نتيجة تحكيمه برسالة. أكد وصادق على قرارات المجمع، ودعاهم إلى السعي بجد للوفاق، وعدم تشتيت الكنيسة وتمزيقها، بل أن يضعوا أمامهم فكرة دينونة الله." (يوسابيوس – حياة قسطنطين ٣: ٢٣)

٦. قسطنطين كان عنده وعي كافي بمفهوم عمل الروح القدس، وأقر بنفسه – في خطابه إلى الكنائس بعد المجمع – أن ما تم هو نتيجة عمل ٣٠٠ أسقف المجتمعين وبقيادة الروح لهم:

" فإن ما أقرّه حكم ثلاثمائة أسقف لا يمكن أن يكون إلا تعليم الله، إذ إن الروح القدس الساكن في عقول هذا العدد الكبير من الشخصيات الموقرة قد أنارَهم بفعالية بشأن الإرادة الإلهية." (سقراط – تاريخ الكنيسة ١: ٩)

صورة زيتية للامبراطور قسطنطين يشرف على احراق كتب الأريوسيين بينما يحيط به اساقفة وبعض من رجال
خبط الحنطة - قسطنطين يحرق كتب الأريوسيين

 (انقر هنا لتتابعنا)

سادساً: أثناسيوس لا يشير لأي مشاركة لقسطنطين:

أثناسيوس هو واحد من أهم الشخصيات التي حضرت المجمع، ويستحق أن نفرد له زاوية وحده، حيث كان له نصيب ملحوظ في الجدال الذي حدث (ربما منذ بداية الأحداث في الأسكندرية)، رغم أنه كان لم يزل مجرد شماس ولم يكن له الحق في التصويت حينها، (لاحظ أن أثناسيوس يُعتَبَر أحد المصادر التاريخية الأصيلة Primary source التي لابد لأي مؤرخ من العودة إليها في التأريخ للمجمع).

في واحدة من الرسائل التي أرسلها أثناسيوس لأساقفة افريقيا بعد المجمع بسنوات، يحكى أثناسيوس عن نيقية وما جرى فيها من مناقشات وقرارات. وبشيء من الفحص الدقيق لرسالته نجد أثناسيوس يكرر الكلمات التالية:

"الأساقفة" The Bishops: تتكرر ٨ مرات بحصر اللفظ.

(بالمناسبة أثناسيوس هو واحد من المصادر التي ذكرت عدد المشاركين ٣١٨ أسقفاً بحصر العدد واللفظ، بينما يوسابيوس مثلاً ذكر ان عددهم ٢٥٠ أسقفاً.)

"الآباء" The Fathers: تتكرر  ٩ مرات بحصر اللفظ.

ومع هذا، أثناسيوس لم يأتِ على ذكر الإمبراطور إطلاقاً في روايته هذه لا من قريب ولا من بعيد، وهو أمر يستحق الانتباه، فلو كان أثناسيوس قد رأى لقسطنطين حصة حقيقية فعالة ومؤثرة في حوارات المجمع لذكرها في مراسلاته، لأنه إن كان المبدأ البراجماتي حاضراً، وهو الاستفادة من سلطان الملوك لفرض العقيدة كما يدعي البعض،  لا شك كان أثناسيوس سيؤكد هذا السلطان في رسالته لتدعيم رأيه، بل ربما كان قد حظي أثناسيوس ببعض الرضا الامبراطوري عليه نتيجة لذلك بدلاً من المعاناة الشديدة التي لا قاها طوال مدة خدمته فيما بعد نيقية. لكن هذا لم يحدث. (رسالة أثناسيوس إلى أساقفة أفريقيا)

لأجل كل ما تقدم، أجده أمراً مثيراً للريبة والتساؤل بل والدهشة: هذا التوجه الذي لم يظهر في الأفق إلا خلال آخر قرن فقط،  هؤلاء الذين يدَّعون سيطرة قسطنطين على قرارات مجمع نيقية وتسييرها كيفما يشاء، من أي مصدر أتوا بفريتهم؟!!

باختصار: دور قسطنطين في مجمع نيقية

لخص أحدهم دور قسطنطين في مجمع نيقية قائلاً..

هي المرة الأولى التي يلعب فيها إمبراطور روماني دوراً [في حياة الكنيسة والإيمان المسيحي]، وكل يجوز أن نسميه "انجازات قسطنطين في نيقية" كانت مساهمته بالآتي:

١.  دعوة الأساقفة ليجتمعوا سوياً تحت رعايته.

٢. استخدام قوة الدولة في وضع قرارات المجمع موضع التنفيذ.

وسأسمح لنفسي أن أضيف هنا

٣. أن بعض شواهد لا تُنكَر تقول إنه ربما شارك كمستمع نشط (Active Listener) يعرف حدوده، فيستحسن فكرة جيدة، أو يلطِّف من حدة المناقشة، ويستقرئ إلى أي اتجاه تسير الأغلبية، لكن ما أكَّده الجميع هو إنه، عند الجد، قسطنطين لم يشارك في التصويت على القرارات، كما أنه، من أول يوم، توسل للمجتمعين أن يستقروا على رأي ويسلموه قرارات حاسمة يستطيع، كرجل دولة، أن يتصرف في ضوئها.

ما بعد نيقية

يعوزنا الوقت لتفصيل الحديث عن قسطنطين ما بعد نيقية، ولكن يمكن تلخيص "الإطار العام" لأسلوب قسطنطين في التعامل تحت هذا العنوان: أن قسطنطين "فضل التعامل مع ما هو ظاهر دون قراءة النوايا":

- فمن صمموا على مساندة أريوس وتبني الفكر الأريوسي في نهاية المجمع، نفاهم بعد أن أصدر المجمع حرماً في حقهم. ومن تراجع منهم علانية عن موقفه بعدها ووقع على إقرار الإيمان، تم قبول عودته إلى مكان خدمته، وكأن أمراً لم يكن. (سقراط – تاريخ الكنيسة ١: ١٤).

- لما رفع قسطنطين من مكانة نيقوميديا وسماها القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية، ظل يوسابيوس النيقوميدي الأسقف الأريوسي التائب (حسب إعلانه العلني) أسقفاً لعاصمة الإمبراطورية، بل وقام بتعميد الامبراطور على فراش الموت.

- دبر الأريوسيون المُقنَّعون مؤامرات كثيرة ضد أصحاب الايمان المستقيم، يعني على سبيل المثال، اعترض يوسابيوس النيقوميدي على تعيين أثناسيوس أسقفاً للأسكندرية بحجة عدم الكفاءة، لأنه لم ينسَ له وقفته الصلبة ضد الهرطقة الأريوسية أثناء المجمع وما بعده.. في كل هذا وغيره الكثير تعامل الامبراطور بشكل براجماتي عملي مع ما هو ظاهر، ولم ينسق وراء قراءة أفكار والحكم على النوايا. وحتى إن حدث وأخطأ باتخاذ أي قرار بناءً على معلومة غير سليمة، لم يكن عنده مانع من التراجع عن قراره متى أثبت التحقيق عدم صواب القرار.

خلاصة القول هي أنه حتى موت قسطنطين، ورغم قرار المجمع وإجراءات الامبراطور، ظل الحراك الأريوسي يراوح مكانه، بين شد وجذب بين طرفي الصراع، رغم كل ما تم من إجراءات ضد الأريوسيين، بل إن الأمر اتخذ منحاً أكثر حدة بتولي اباطرة مالوا للفريق الأريوسي بعد قسطنطين، ولم ينتهي هذا الجدال بشكل حاسم إلا بعد أن أعلنت المسيحية النيقية ديانة الدولة في الإمبراطورية الرومانية بشكل رسمي على يد ثيودوسيوس بمرسوم تسالونيكي في عام ٣٨٠.

#خبط_الحنطة

سلسلة: من الخمسين إلى السابع - رحلة في تاريخ الكنيسة (٩) قسطنطين في نيقية - ما له وما عليه
تعليقات