نمو الكنيسة الأولى في العصر الرسولي
هذا الجزء نركز على يوم الخمسين ثم الكنيسة الأولى، حيث لم تنشأ الكنيسة المسيحية مكتملة التكوين دفعة واحدة. بل تجذرت أصولها تدريجياً بدئاً من الأحداث الدرامية التي سجلها العهد الجديد، وخصوصاً سفر أعمال الرسل والرسائل اللاحقة. تُعرف فترة ميلاد الكنيسة هذه باسم "العصر الرسولي" (تقريباً من ٣٠ إلى ١٠٠ ميلادية)، ولا يجب النظر إليها كمجرد سلسلة من الأحداث التاريخية المتلاحقة، بل كانت فترة من النمو الديناميكي، والحوارات اللاهوتية المكثفة، والتحولات الاجتماعية العميقة، الأمر الذي استمر - وربما بأكثر كثافة - في العصور التالية.
![]() |
| خبط الحنطة - العصر الرسولي |
كان العصر الرسولي أساسياً للكنيسة المسيحية. الأحداث المسجلة في العهد الجديد والتركيز على التعليم والممارسة الأمينين، والتطور الأولي لقيادة الكنيسة كلها ساهمت في استمرارية الرسالة المسيحية وانتقالها لعصور لاحقة، فقد شهد العصر الرسولي تحوُّل تلاميذ المسيح من مجرد طائفة يهودية صغيرة التفَّت حول تعاليمه، إلى حركة متعددة الأعراق ستتسبب – في نهاية المطاف – في إعادة تشكيل الإمبراطورية. وقد كان جوهر هذا النمو هو نقل (أو تناقل) التعاليم التي تركها يسوع وتأسيس الممارسات الأساسية التي استمرت في القرون التالية. وتعكس هذه العملية مفهوم الاستمرارية (continuity)، أي أن الدرس الأساسي هو استمرارية الإيمان الرسولي عبر الأجيال، وهي عملية متعددة الأوجه شملت صيغاً شفوية ومكتوبة بجوار الممارسات العملية، وشكلت حجر الأساس لمستقبل الكنيسة.
الأحداث والتطورات الرئيسية:
١. يوم الخمسين وتشكيل الجماعة الأولى (أعمال الرسل ٢):
يصف سفر أعمال الرسل حلول الروح القدس على الرسل، حيث تمكنوا من التبشير بالإنجيل بلغات متعددة. "وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا" (أعمال ٢: ٤).
وكما نعلم فقد كان حلول الروح القدس في يوم الخمسين هو بداية انطلاق الخدمة العلنية للكنيسة، حيث قدم بطرس عظته الشهيرة التي شدد فيها على أن يسوع المصلوب المقام هو المسيح [أو المسيا] المنتظر (أعمال ٢: ١٤-٣٦)، وهذا هو أساس الإيمان المسيحي منذ بدايته الأولى. (اقرأ ايضاً: الحياة في الروح القدس)
لم يفت الوحي المقدس أن يلفت النظر إلى أن حدث يوم الخمسين قد شكل أيضاً بداية النمو السريع للجماعة المسيحية الأولى، وهذه الجماعة الوليدة تميزت بنمط حياة جماعية ذات طابع خاص كان يحمل في ذاته دليلاً على الالتزام الجذري بالإيمان الجديد وتقاليد الجماعة الوليدة. سفر الأعمال يوضح الممارسات التي تشارك فيها كل الجماعة: "٤٢وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ(١)، وَالشَّرِكَةِ(٢)، وَكَسْرِ الْخُبْزِ(٣)، وَالصَّلَوَاتِ(٤).٤٣وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ.٤٤وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا.٤٥وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ.٤٦وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ،٤٧مُسَبِّحِينَ اللهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ". (أعمال ٢: ٤٢–٤٧)
![]() |
| خبط الحنطة - عظة بطرس يوم الخمسين |
٢. شهادة الرسل وتعليمهم:
لعب الرسل، دورًا حاسمًا في إرساء أساس الكنيسة، وهم شهود العيان لحياة يسوع وموته وقيامته، وقد كان هذا تبعاً لأمر الرب نفسه: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". (أعمال ١: ٨)، وقد سجلت شهادتهم هذه لاحقاً في الأناجيل، كما شكلت مواضيع عظاتهم وتعاليمهم، المُسجلة سواء في سفر أعمال الرسل أو الرسائل، جوهر الإيمان المسيحي المبكر.
٣. الامتداد إلى الأمم والكنيسة في أنطاكية:
من ناحية الترتيب الزمني للأحداث، تأسست كنيسة أنطاكية على يد يهود هلّينيين مؤمنين بالمسيح بعد استشهاد استفانوس (أعمال ١١: ١٩-٢١)، وهذ حدث قبل ايمان كرنيليوس (أعمال ١٠، ١١: ١-١٨)، وقد تطور نشاط كنيسة أنطاكية حتى أصبحت مركزًا محوريًا للتبشير بين الأمم (أعمال ١١ وما بعده).
"وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً." (أعمال ١١: ٢٦)، مما يدل على أن الهوية المتميزة لهذه الجماعة الجديدة هو مما لفت انظار المجتمع إليها.
ولا شك أن دعوة الروح القدس لإرسال برنابا وشاول من أنطاكية (أعمال ١٣: ٢-٣) يدل على أن كنيسة أنطاكية أصبحت بالفعل كنيسة ناضجة وراسخة. كما أظهر ذلك القدرة المبكرة "للكنيسة عموماً" على التكيّف مع كل الظروف المحيطة.
ليس خافياً أن الرحلات التبشيرية الثلاثة التي قام بها بولس انطلقت من أنطاكية (أعمال ١٣-٢٠)، وقد كانت ذات تأثير فعال جداً في نشر الإنجيل للأمم (غير اليهود) في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. وقد شكّلت هذه الرحلات نقطة تحول كبيرة.
يشير الرسول بولس إلى قدر كبير من المحبة والنضج والتفاهم الواضح في توزيع الأدوار: "فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ، وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ." (غلاطية ٢: ٩).
ومع ذلك، فإن هذا التوسع أوجد تحديات جديدة تتعلق بمطالبة البعض بوضع ضوابط لانضمام غير اليهود وبضرورة التزامهم بالشريعة اليهودية، وهي القضايا التي تمت مناقشتها بنفس المستوى من النضج والتفاهم في مجمع أورشليم (أعمال ١٥).
٤. مجمع أورشليم واحتواء الأمم:
الجدال حول قبول غير اليهود سلط الضوء على تطور لاهوتي حاسم، كما بين بدايات الطريقة التي تتعامل بها الكنيسة منذ نشأتها المبكرة مع هكذا تطورات. المشهدان الوحيدان اللذان يذكرهما سفر الأعمال بالتفصيل في شأن المجمع هما الخطاب الذي ألقاه بطرس لأهمية محتواه، وقرار المجمع، الذي عبّر عنه يعقوب بحصافة شديدة والذي أكد فيه على مبدأ الخلاص بالإيمان دون الالتزام الصارم بالشريعة اليهودية لغير اليهود (أعمال ١٥: ١٩-٢٠).
كان قرار المجمع بقبول الأمم دون الزامهم بالختان لحظة فارقة تمثل انتقال الكنيسة الوليدة من مجرد طائفة يهودية إلى إيمان عالمي. وقد أبرز هذا الحدث عالمية رسالة الإنجيل كما وضع سابقة للتعامل مع الاختلافات اللاهوتية والثقافية داخل الكنيسة الآخذة في الامتداد والتوسع.
مع ذلك، تُظهر المواجهة الواردة في رسالة غلاطية ٢: ١١-١٤ كيف أن قضايا مثل هذه قد لا تنتهي بمجرد قرار مجمع بل ربما يستمر الجدال فيها وحولها لآجال أطول.
![]() |
| خبط الحنطة - مجمع أورشليم |
تنظيم الكنيسة الأولى وسلطان الرسل:
لم يكن تطور الهيكل التنظيمي للكنيسة (الرسل، الشيوخ، الشمامسة، الأساقفة) مجرد تجاوب مع احتياج عملي، بل ربما عكس أيضاً الحاجة إلى الحفاظ على نظام واستمرارية يواكبان النمو المتسارع للكنيسة.
+ "الرسل" (ἀπόστολος apostolos):
طبعاً يذكرهم سفر الأعمال ابتداءً بالأصحاح الأول، كما يرد ذكر الرسل بمواضع كثيرة لاحقة منها (أعمال ٤: ٣٧، ٦: ٦، ٨: ١٤، ١٨، ١٥: ٦، ..... رومية ١١: ١٣، ١٦: ٧، ١كورنثوس ٤: ٩، ٩: ٢، ٥، ١٢: ٢٩، غلاطية ١: ١، ١٧، أفسس ٢: ٢٠، ٢بطرس ٣: ٢، يهوذا ١: ١٧)، وطبعاً انتهى دورهم بانتقالهم بالاستشهاد أو بموت طبيعي.
كانت سلطة الرسل، المتجذرة في شهادتهم المباشرة عن يسوع وتفويضهم منه، حجر الزاوية في هذه السنوات الأولى، كما تُظهر رسائل بولس كيف استخدم سلطته الرسولية لحل النزاعات وتعليم العقيدة.
+ الشمامسة (διάκονος diakonos):
وأول ذكر لهم جاء في أعمال ٦، ثم ورد في (فيلبي ١: ١، ١تيموثاوس ٣: ٨، ١٢)، كما أن نفس الكلمة اليونانية تترجم "خادم/خادمة" (رومية ١٦: ١، أفسس ٦: ٢١، كولوسي ١: ٧، ٤: ٧). ورغم أن الخدمة التي تم تعيين شمامسة لها كانت خدمات تدبيرية (خدمة "موائد" حسب تعبير الرسل أنفسهم)، إلا أن اختيارهم كان من شروطه أن يكونوا "مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ" (أعمال ٦: ٣)، وقد رأينا أن هؤلاء الشمامسة الأُوَل في العهد الجديد كان منهم فيلبس الذي بشر السامرة والخصي الحبشي، ومنهم استفانوس الذي شهد عنه الوحي أنه "كَانَ مَمْلُوًّا إِيمَانًا وَقُوَّةً، كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ." (أعمال ٦: ٨).
+ الشيوخ أو المشايخ (πρεσβύτερος presbuteros):
جاء ذكرهم في مواضع كثيرة من أعمال الرسل والرسائل، على سبيل المثال في (أعمال ١١: ٣٠، ١٥: ٢، ٤، ٦، ٢٢، ٢٣، ١٦: ٤، ٢١: ١٨، ١تيموثاوس ٥: ١٧، تيطس ١: ٥، يعقوب ٥: ١٤، ١بطرس ٥: ١، ٥)، كما ترجمت نفس الكلمة اليونانية إلى "قسوس" في (أعمال ١٤: ٢٣، ٢٠: ١٧).
+ الأساقفة أو النظار (ἐπίσκοπος, episkopos):
وقد وردت في (أعمال ٢٠: ٢٨، فيلبي ١: ١، ١تيموثاوس ٣: ١، ٢، تيطس ١: ٧، ١بطرس ٥: ٢)، وفي معظم المواضع ترجمت الكلمة "أساقفة" ["نظار" في ١بطرس ٥: ٢]، مع ملاحظة أن الكلمة اليونانية المعتاد ترجمتها "شيوخ" ترجمت "قسوساً" في (أعمال ٢٠: ١٧) وهؤلاء أنفسهم في نفس النص تم مخاطبتهم "أساقفة" (أعمال ٢٠: ٢٨).
مفهوم الاستمرارية والتعليم الرسولي:
كانت الكنيسة الأولى تثمِّن بشدة النقل الأمين لتعاليم وممارسات الرب يسوع والرسل جغرافياً بين الجماعات وبعضها وتاريخياً بين الأجيال المتلاحقة. وقد ضمنت الكنيسة هذه الاستمرارية وتم تسهيلها من خلال عدة وسائل رئيسية:
+ تعليم الرسل:
التعليم المباشر وتفسير حياة يسوع وتعاليمه من قبل الرسل شكّل المعتقدات الأساسية للجماعة المسيحية الأولى، وقد كانت سلطتهم ذات أهمية قصوى في توجيه الكنيسة الناشئة، وقد كان تعليم الرسل أول الممارسات التي واظبت عليها الكنيسة الأولى كما أشرنا عاليه، وقد حرصت الكنيسة على استمرارية تعليم الرسل فاحتفظت به مدونا في الأسفار التي تسمى لدينا الآن العهد الجديد.
+ التقليد الشفوي:
- فترة ما قبل الأناجيل:
قبل أن تُكتب الأناجيل، نُقِلت تعاليم يسوع والسرد لتفاصيل حياته شفوياً.
لاحظ أن هذا التقليد الشفوي لم يكن مجرد نقل عرضي، بل شمل حفظاً دقيقاً وتلاوة (استظهار عن ظهر قلب) لضمان دقة الروايات.
وهذا لم يكن غريباً على الثقافة اليهودية في ذلك الوقت، حيث كانت ثقافة تعتمد على التقاليد الشفوية والاستظهار. (اقرأ أيضاً: فترة ما بين العهدين)
- شهادة بابياس اسقف هيرابوليس:
بابياس من شخصيات عصر الآباء الرسوليين (٨٠م – ١٦٠م)، يقال إنه كان صديقاً لبوليكاربوس وتتلمذا كلاهما على الرسول يوحنا، واهتم بابياس بتسجيل كل ما وصل إليه من تقليد شفوي يخص حياة الرب يسوع ومعجزاته وتعاليمه، ومع الأسف لم يتبقى من كتاباته إلا شظايا قليلة اقتبسها منه كتَّاب لاحقون مثل ايرينايوس ويوسابيوس القيصري (٢٦٠ – ٣٣٩م) الذي نقل عنه الشذرة التالية التي أكّدت على أهمية الشهادات المباشرة لمن عاصروا الأحداث وشهدوها، و"الصوت الحي" - بحسب تعبيره - الذي نقله أولئك الذين كانوا مع الرسل:
"لكنني لن أتردد أيضاً في تدوين ما تعلمته بعناية في الماضي من الشيوخ، وحفظته عن ظهر قلب، ضامناً صدقه. لأني لم أكن - كالكثيرين - أستمتع بمن يتكلمون كثيراً، بل بمن يعلِّمون الحق؛ ولم أُسرّ بمن يروون وصايا غريبة، بل بمن يسجلون الوصايا التي أعطاها الرب للإيمان، والتي تنبع من الحق نفسه. لذلك، إذا تصادف أن التقيت بأي شخص كان من أتباع الشيوخ، كنت أستفسر منه بخصوص كلمات الشيوخ — ماذا قال أندراوس أو بطرس، أو فيلبس، أو توما أو يعقوب، أو يوحنا أو متى، أو أي من تلاميذ الرب الآخرين، وماذا يقول أريستيون والشيخ يوحنا، تلميذا الرب. لأني لم أكن أعتقد أن ما يمكن الحصول عليه من الكتب سيفيدني بقدر ما يأتي من الصوت الحي والثابت." (يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
ويظهر تفضيل بابياس للتقليد الشفوي مدى القيمة المعتبرة لشهادة العيان في الكنيسة الأولى، والتي كانت تؤكد له - في وقتها - ما كان مدوناً بالفعل، لأن بابياس - لقربه من عصر الرسل - كان لديه هذه الفرصة للوصول الى المصادر الأولية Primary sources التي هي في هذه الحالة "شهود العيان أو من نقل عنهم مباشرة"، ولذلك فالتركيز على "الصوت الحي والثابت" الذي بحث عنه بابياس كان تركيزاً على النقل الشخصي وأهميته عنده، وهو لا يقل أهمية عنه عندنا نحن الذين تلقينا الوحي مدوناً فقط مما يجعلنا نتشارك مع كاتب العبرانيين ونقول "تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا" (عبرانيين ٢: ٣). (اقرأ أيضاً: الأناجيل هي سجل شهادات عيان)
+ الكتاب المقدس:
التدوين اللاحق للتقليد الشفوي وجمع العهد الجديد قدَّم سجلاً مهماً وموثوقاً للشهادة الرسولية، وعمل كمرساة ملموسة للإيمان والحياة المسيحية عبر الزمان والمكان.
تأمين الاستمرارية من خلال التعليم الرسولي ووضع الأيدي:
أمانة نقل تعليم الرسل
يكشف لنا العهد الجديد عن اهتمام الكنيسة بالنقل الأمين لتعليم الرسل، وهذا يتضح لنا بالتأمل في هذه الوصية من بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس بخصوص تناقل التعليم بين الأجيال المتلاحقة: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا." (٢تيموثاوس ٢: ٢)، لاحظ ان هذه الآية تحتوي فيها ٤ أجيال يتم نقل التعليم بينها ابتداءً بجيل الرسل الممثل في بولس، الذي نقل التعليم إلى جيل الآباء الرسوليين الذي نفترض أن تيموثاوس ممثل له، والذي بدوره "يودع" التعليم للجيل اللاحق، الذين بالتبعية "يكونون أكفاء" لنقل التعليم "لآخرين أيضاً" الذين يمثلون الجيل الرابع.
![]() |
| خبط الحنطة - الرسول بولس في السجن. رامبرانت |
وضع الأيدي في العهد الجديد
لكن العهد الجديد أيضاً يكشف لنا اهتمام الكنيسة بتواصل القيادة من خلال وضع الأيدي، فنشاهد ذلك في وصية بولس لتيموثاوس بشأن العطية الروحية التي تلقاها بوضع الأيدي (١تيطس ٤: ١٤)، وتوجيهاته إلى تيطس وتيموثاوس أيضاً بشأن تعيين الشيوخ أو الأساقفة (١تيموثاوس ٥: ٢٢، تيطس ١: ٥).
لذلك، بالنسبة لأولئك الذين يعطون الأولوية للكتاب المقدس، فإن ارتباطهم المتين والدائم مع الكنيسة الأولى يكون بناءً على هذا النقل الموثوق لجوهر رسالة الإنجيل التي وصلتهم، كما يتم تقييم أي سلطة لقادة الكنيسة في أي عصر من خلال تمسكهم بأمانة بهذا الحق الكتابي، مما يعكس التزام الكنيسة الأولى بنقل رسالة المسيح التي حملها الرسل بكل دقة.
اذهب إلى الحلقة التالية: (٢) الإمبراطورية الرومانية: بوتقة ومحفز للمسيحية المبكرة
#خبط_الحنطة (انقر هنا لتعرف لماذا خبط الحنطة؟)




احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..