-->

من الخمسين إلى السابع (٨): مجمع نيقية وتوضيح ألوهية المسيح

اكتشاف التركيب الكيمائي للماء (يد٢أ أو H2O) لم يخلق الماء من جديد ولم يغير من طبيعته شيئاً، رغم أننا عرفنا الماء أطفالاً، وشربناه – تقريباً - منذ لحظاتنا الأولى في الحياة، ولم ولا نستغني عنه لحظة في كل شيء، كما أن أرشميدس عندما وضع قانون الطفو لم يكن يخلق واقعاً جديداً من العدم، لكنه كان يكشف الستار عما كنا نلمسه ونعيشه، فقد سبح قدماء البشر في الماء وصنعوا سفناً ومراكب استخدموها في السفر والنقل فوق سطحه لآلاف السنين قبل أرشميدس، لكن الرجل فقط وضع ما كان ملموساً ومعاشاً لآلاف السنين في إطار يمكن قياسه وحسابه. هذا بالضبط هو ما تم في نيقية، تفكير أعمق ووضع قواعد تفصيلية لما كان ملموساً معاشاً بالفعل طوال الثلاثة قرون الفائتة، تماماً مثل الحال مع الماء ويد٢أ H2O، وقانون ارشميدس للطفو.

رسم كبير لمجمع نيقية مجتمع برئاسة الامبراطور قسطنطين، بينما الأساقفة جالسين يمين ويسار وفي صدارة الصورة ثلاثة اساقفة يديرون الجلسة.
خبط الحنطة - مجمع نيقية في حضور الامبراطور الروماني قسطنطين الكبير.

الجدل الأريوسي في القرن الرابع

سنستعرض فيما يلي الجذور اللاهوتية لما سمي تاريخياً الجدل الأريوسي، وذلك بتوضيح الموقف الفعلي لأريوس بشأن الابن، وهو الأمر الذي يسيء فهمه الكثيرون، وفكرة خاطفة عن المناظرات التي دارت في نيقية، والشخصيات الرئيسية المشاركة، والأهمية الدائمة لقانون الإيمان النيقاوي الذي يقف اليوم شاهداً على التزام الكنيسة الأولى بحفظ الإيمان الرسولي، ودوره الحاسم في وضع حدود التعليم المسيحي الأرثوذكسي (القويم) في مواجهة التفسيرات المنحرفة. فحين واجهت الكنيسة تحدياً جوهرياً يمس طبيعة المسيح استطاعت من خلال النقاش اللاهوتي، والمداولات المجمعية، وتأكيد الكتاب المقدس والتقليد، أن تصوغ بياناً واضحاً للإيمان شكل معتقد المسيحيين عبر القرون. (اقرأ عن المصادر التاريخية الوحيدة الموجودة لذلك العصر)

المشهد اللاهوتي قبل نيقية: التأكيدات القوية على ألوهية المسيح:

قبل الصياغة الرسمية لعقيدة الثالوث والتأكيد على أزلية الابن في نيقية، أكدت الكنيسة الأولى بصورة ساحقة الطبيعة الإلهية ليسوع المسيح، استناداً بعمق إلى شهادات كتابية، ومُعبراً عنها باستمرار في العبادة وكتابات آباء الكنيسة الأوائل. كما شاهدنا في المقال السابق "كتابات آباء الكنيسة قبل نيقية" بعض الأمثلة للتأكيدات القوية السابقة لنيقية على ألوهية المسيح كما آمن بها المسيحيون في القرون الثلاثة الأولى، وقد واجه آباء الكنيسة التحديات الأولى التي طرحتها هرطقات مبكرة مختلفة (كما ورد تفصيله في مقال "الهرطقات والأرثوذكسية – تحديد العقيدة المسيحية")، فقد كانت الهرطقات دائماً هي الحافز الأقوى للاجتهاد والتفكير اللاهوتي الأعمق فيما كان متعارفاً عليه ومالوفاً من "بديهيات الإيمان"، الأمر الذي ترتب عليه صياغة أطر جديدة لما كان معاشاً بالفعل.

صعود الأريوسية والموقف الفعلي لأريوس:

رسم بالأبيض والأسود لأريوس.
خبط الحنطة - أريوس

ها قد وصلنا إلى القرن الرابع ونرى الكنيسة تواجه تلك الأزمة اللاهوتية الجديدة والمثيرة للانقسام، حيث اشتعل الخلاف نتيجة لظهور تعاليم كاهن (قسيس – شيخ -  presbyter) ذي شخصية كاريزمية يُدعى أريوس في الإسكندرية، وتمحور الجدال حول ألوهية المسيح (الابن) وعلاقته بالله الآب.. عندما ظهر أثر فكر أريوس التخريبي في الاسكندرية أدانه وحرمه ألكسندروس أسقف الاسكندرية، وقد تصاعدت حرارة الجدل إلى درجة أقلقت الامبراطور قسطنطين الكبير من جهة سلام الإمبراطورية، الأمر الذي تطلب منه أن يدعو إلى أول مجمع مسكوني في نيقية عام ٣٢٥ م بعد محاولات فاشلة للوساطة لما تصوره يمكن أن يكون "صلحاً بين طرفين متخاصمين"..

++ تعاليم أريوس:

من المهم أن نفهم أن أريوس لم ينظر إلى يسوع باعتباره إنساناً محضاً كما يتوهم البعض خطأً، لكن أريوس جادل بأن الابن كائن مخلوق (Created) أسمى من مجرد بشري عادي لكنه في مرتبة أقل من الآب (Subordinate). ومع ذلك، حتى في مرتبته الأقل هذه، نسب أريوس للابن مكانة فريدة وممجدة، فهو في نظر أريوس:

+ كائن إلهي منذ ما قبل الخليقة: اعتقد أريوس أن الابن وُجد قبل خلق العالم.

+ أداة الخلق: علّم أريوس أن الله خلق الكون من خلال الابن.

+ متجاوز للإنسانية أو متفوق عليها (Transcendent) : الابن عند أريوس لم يكن مجرد إنسان صار إلهاً، بل كائناً إلهياً أقدم من غيره من المخلوقات المعروفة لكنه لم يكن أزلياً، وبالضرورة ليس من نفس جوهر الآب.

+ أريوس (كما فُهم من خلال معارضيه): نادر جداً هو ما تبقى من كتابات أريوس، إلا أننا نتعرف على فكره من ردود ألكسندروس وأثناسيوس وغيرهما عليه، حيث تكشف أن أريوس رأى الابن ككائن إلهي قوي، هو أول وأسمى الخليقة كلها، لكنه ما زال مخلوقاً في النهاية. وقد كان الشعار الذي يردده أريوس وأتباعه: "كان هناك وقت لم يكن فيه وجود للابن"، فقد كان جوهر الخلاف هو ما إذا كان هذا "الكائن الإلهي" مخلوقاً أم يشارك جوهر الله الآب نفسه، أي في الخلود والازلية واللانهائية، والقدرة،... الخ. 

+ اقرأ ملخص هرطقة أريوس كما يقدمها سوزومنوس:

"تورط في عظات سخيفة، حتى تجرأ على أن يبشر في الكنيسة بما لم يخطر على بال أحد قبله على الإطلاق؛ وهو أن ابن الله خُلق من العدم حيث لم يكن له وجود سابق، وأن هناك فترة من الوقت لم يكن الابن فيها موجوداً؛ وأنه، بما أنه يملك إرادة حرة، كان قادراً على ارتكاب الرذيلة والفضيلة، وأنه خُلق وصُنع [مثل بقية المخلوقات]: إلى هذه أُضيفت عبارات أخرى كثيرة مشابهة [وقع فيها] كلما تورط في الحجج وتفاصيل البحث." (سوزومنوس – تاريخ الكنيسة ١: ١٥)

ملحوظة: تقدر تقرأ عقيدة أريوس بأكثر تفصيل مع تفنيدها من رسالة الكسندروس السكندري إلى أساقفة الكنائس. وجزئية التفنيد واردة في مقالنا التالي عن دور قسطنطين.

++ رد فعل الكنيسة في الأسكندرية

اتخذ ألكسندروس أسقف الأسكندرية موقفاً حازماً من أريوس ومن كل من شجعه أو سار خلفه، وعقد مجمعاً محلياً في الأسكندرية، وأصدر المجمع قراراً بحرم أريوس ومنعه من الاجتماع بالناس، كما أرسل ألكسندروس الرسالة المشار إليها بعاليه إلى كل أساقفة الكنائس في مناطق العالم المختلفة يشرح لهم فيها تفصيلاً بماذا ينادي أريوس، ويفند خطأ هرطقته هذه.

++ رد فعل الناس في الأسكندرية

هنا نلجأ لما قاله سوزومنوس المؤرخ:

"انحاز كثير من الشعب إليهم [يقصد الأريوسيين]: (اقرأ مقالنا: حذاري من خداع المشاعر)

١. بعضهم لأنهم تخيلوا أن عقائدهم من الله.

٢. وآخرون، كما يحدث غالباً في حالات مشابهة، اعتقدوا أنهم عُوملوا بظلم وتم حرمهم بغير حق." (سوزومنوس – تاريخ الكنيسة ١: ١٥)

مجمع نيقية (٣٢٥ م): التصدي للهرطقة

استدعى قسطنطين الأساقفة من كل ربوع الامبراطورية، وتحمل تكلفة سفرهم ومرافقيهم - كلٌ من مقره إلى نيقية - وأيضاً استضافهم طوال فترة المجمع. (الرقم المشهور لعدد الحضور طبقاً لما ذكره القديس أثناسيوس الرسولي والمؤرخ "فيليب شاف" هو ٣١٨ أسقفاً)، على أن يحضر كل أسقف منهم معه اثنين من الكهنة (الشيوخ - Presbyters) وثلاثة من الخدام (Servants)، أي أننا نتحدث هنا عن حوالي 2000 شخص. كلهم استضافهم الامبراطور على نفقة الامبراطورية. كان غالبيتهم العظمى من الكنائس الشرقية، وفقط جاء ٧ ممثلين للكنائس الغربية (اللاتينية).

 (انقر هنا لتتابعنا)

++ الشخصيات الرئيسية المشاركة:

جمع المجمع قادة بارزين في الكنيسة حمل كثيرٌ منهم في أجسادهم آثار الاضطهادات التي لاقوها خلال الاضطهاد الأخير الذي كان على يد دقلديانوس قبل حوالي عقدين فقط من تاريخ المجمع على أكثر تقدير:

+ ألكسندروس السكندري:

الأسقف الذي أدان أريوس في البداية. والذي وصفه الأساقفة المشاركون في المجمع بأنه "شريك الخدمة والأخ،.... الذي كان له مشاركة فعالة في أعمالنا" (رسالة المجمع إلى كنيسة الأسكندرية)

+ أثناسيوس السكندري:

شماس شاب وسكرتير ألكسندروس، الذي رغم أنه لم يكن له حق التصويت والتوقيع وقتها لأن التصويت كان فقط للأساقفة، لكن التاريخ يشهد أن أثناسيوس "يبدو كان له المساهمة الأكبر في المجمع فيما يخص هذه الأمور" (سوزومينوس - تاريخ الكنيسة ١: ١٧). وقد أصبح أثناسيوس الخصم اللاهوتي الأبرز للأريوسية والمهندس الرئيسي لقانون الإيمان النيقاوي. وله كتاباته حاسمة في هذا الشأن، مثل "تجسد الكلمة"، و"ضد الأريوسيين" وغيرها.

+ يوسابيوس القيصري:

مؤرخ ولاهوتي بارز، كتب "تاريخ الكنيسة" (حتى ٣٢٤م.) كما كتب "حياة قسطنطين" والذي فيه ذكر أحداث مجمع نيقية، والدارس للتاريخ كما كتبه يوسابيوس يخرج بانطباع أن الرجل لم يخفِ اعجابه بقسطنطين، كما يبدو أنه كان من مدرسة البحث عن سلام الكنيسة بأقل قدر من المواجهة، فلم يتخذ – وغيره كثيرون – موقفاً حاداً في مواجهة الأريوسيين مثلما فعل ألكسندروس وأثناسيوس وغيرهما، وهذا ترك انطباعاً خاطئاً أنه تعاطف مع الأريوسيين، لكنه في الحقيقة أعلن إيمانه بلاهوت وأزلية الإبن في نيقية بحسب الصيغة التي تم إقرارها في المجمع، وقد وقع على قانون الإيمان بعد تمام استجلاء الأمور خلال المناقشات. (اقرأ اقتباسات من كتاباته في هذا الشأن في مقالنا السابق "كتابات آباء الكنيسة قبل نيقية")

+ هوسيوس القرطبي (اثناسيوس يلقبه دائماً "العظيم"):

كان ممثلاً لأسقف روما مع اثنين آخرين من القسوس (ڤيتو - ڤيسنتيوس) نظراً لكبر سن الرجل وعدم استطاعته الحضور. هوسيوس هذا هو من أرسله قسطنطين قبل نيقية إلى الاسكندرية في رحلة تقصي حقائق ومحاولة الوساطة، وقد كان هوسيوس ذا حظوة عند الامبراطور بالشراكة مع يوسابيوس القيصري، وفي الغالب تبادلا رئاسة جلسات المداولات بالمشاركة مع أساقفة الاسكندرية وأنطاكية. [أنظر "تاريخ الكنيسة لمؤلف مجهول" الجزء الثاني (2.38.1)]

+ يوستاثيوس الأنطاكي:

وله كتابات في التأريخ لاحداث مجمع نيقية.

+ مكاريوس الأورشليمي.

+ بفنوتيوس من طيبة العليا.

+ بوتامون من هيراكليا.

+ بولس من نيو-قيصرية

+ أريوس:

صاحب التعاليم المثيرة للجدل، حضر باستدعاء من قسطنطين للدفاع عن آرائه كلما طلب منه ذلك. وطبعاً لم يكن له حق التصويت لأن التصويت كان للأساقفة.

+ يوسابيوس النيقوميدي:

كانت تربطه صلة قرابة بقسطنطين، وهو احد قادة الفكر الاريوسي للدرجة التي ينسب اليه الفكر الاريوسي في أحيان كثيرة بدلاً من أريوس. تراجع عن مساندة أريوس ووقع على اقرار الإيمان النيقاوي، لكن أحداث التاريخ اللاحقة تخبرنا أن تراجعه كان مظهرياً فقط.

++ دور قسطنطين:

بسبب الجدل الذي يثار حول الرجل وحول دوره، نفرد له بالتفصيل مقالاً مستقلاً، فقط أنقر هذا العنوان=>: قسطنطين في نيقية. ما له وما عليه 

صورة بالذكاء الاصطناعي تصور أثناسيوس الشاب 27 عاماً وهو واقف في وسط شيوخ الاساقفة في نيقية يجادل دفاعاً  عن لاهوت الابن.
خبط الحنطة - أثناسيوس الشاب (٢٧ سنة) يجادل في وسط مجمع نيقية.

++ ملخص أحداث المناقشات اللاهوتية في نيقية:

شهد المجمع نقاشات لاهوتية مكثفة وتفسيرات كتابية. جادل أثناسيوس وآخرون بقوة من أجل ألوهية الابن الكاملة وأزليته مع الآب، مستشهدين بآيات مثل يوحنا ١: ١ "وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ."، وكولوسي ١: ١٥-١٧ "الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ". أما أريوس وأنصاره فقد عرضوا حججهم عن طبيعة الابن كما يرونه مخلوقاً وأقل مرتبة من الآب.

انحصرت النقطة المركزية للخلاف في تبني "مصطلح" يعبر عن حقيقة الابن هذه، وكل طرف حاول اقتراح مصطلح بحيث يتم التوافق عليه بما يعبر عما يؤمن به من جوهر هذا الابن، وهنا ظهر مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος) الذي يعني "من جوهر واحد" أو "مساوٍ في الجوهر"، لوصف العلاقة بين الآب والابن، وأكد أن الابن ليس مجرد كائن "مشابه" للآب، بل يشارك الجوهر الإلهي نفسه، وتبنى أثناسيوس والفريق المحافظ هذا المصطلح حيث رآه يفند ويهدم بشكل مباشر عقيدة أريوس الأساسية.

في نفس الوقت كان الحزب الأريوسي - في سعيه إلى الإبقاء على كل من "اختلاف الابن" عن الآب و"مرتبته الأقل" - يقترح مصطلحات بديلة، كان أبرزها هومويأوسيوس (ὁμοιούσιος)، الذي يعني "مشابه في الجوهر". هذا الاختلاف الطفيف بزيادة حرف يوناني واحد (إيتا) حمل ثِقلاً لاهوتياً هائلاً، فقد جادل الأريوسيون بأن المسيح "مشابه" في الجوهر للآب، وهو ما عني أن لاهوته لاهوت مشتق أو منفصل وقابل للتغير. غير أن آباء نيقية أدركوا أن هومويأوسيوس لا يعبّر بدقة عن ألوهية الابن الحقيقية ومساواته للآب، لأنه يترك مجالاً لرؤية الابن كمخلوق، حتى وإن كان ممجداً للغاية. وأصروا على هوموأوسيوس باعتباره المصطلح الوحيد الذي يؤكد بشكل لا لبس فيه ألوهية الابن الكاملة والأزلية، ومشاركته الجوهر الإلهي للآب.

+ حجة الأريوسيين لرفض التعبير "من جوهر الآب هوموأوسيوس":

"لأنه، بما أن ما هو "المساوي في الجوهر" هو ما يخرج من آخر إما بالتقسيم، أو بالاشتقاق، أو بالإنبات. أما بالإنبات، فهو كالفرع من الجذور، والاشتقاق، كالأولاد من والديهم، والتقسيم، مثل وعائين أو ثلاثة أوعية من الذهب من كتلة ذهبية [أكبر]، وبما أن الابن من الآب ليس بأي من هذه الطرق: لذلك أعلنوا أنفسهم غير قادرين على الموافقة على هذا القانون." (سقراط - تاريخ الكنيسة ١: ٨)

 (انقر هنا لتتابعنا)

+ ملخص اتجاهات المشاركين في المجمع برواية سوزومينوس

"نشأت من النقاش أسئلة مختلفة كثيرة.

تحدث بعض الأساقفة ضد السماح باستحداث ما يخالف ذلك الإيمان الذي سُلم إليهم من الأول.

وهناك الذين تمسكوا بشكل خاص ببساطة العقيدة فجادلوا بأن إيمان الله يجب أن يُقبل ببساطة.

وآخرون، مع ذلك، نازعوا بأن الآراء القديمة لا ينبغي أن تُتبع دون فحص." (سوزومنوس – تاريخ الكنيسة ١: ١٧)

+ مناقشات المجمع برواية فيليب شاف

يلخص المؤرخ فيليب شاف، نقلاً عن يوسابيوس القيصري وآخرين، أحداث المناقشات اللاهوتية التي حدثت في نيقية كما يلي:

"فيما يخص المسألة اللاهوتية، انقسم المجمع في البداية إلى ثلاثة أحزاب."

"الحزب الأرثوذكسي، الذي تمسّك بإصرار بألوهية المسيح، كان في البداية أقلية، لكنه من حيث الكفاءة والنفوذ كان الأثقل وزناً. وكان على رأسه الأسقف (أو "البابا") ألكسندروس السكندري، يوستاثيوس الأنطاكي، مكاريوس الأورشليمي، مارسيلوس الأنقيري، روزينوس القرطبي (أسقف البلاط)، وفوق الجميع الشماس السكندري أثناسيوس، الذي، رغم صغر سنه وقامته، ورغم أنه بحسب الممارسة اللاحقة لم يكن مؤهلاً بعد لصوت أو مقعد في المجمع، لكنه أظهر غيرة وبصيرة تفوق الجميع، وبدا بالفعل واعداً بأن يكون الرأس المستقبلي للحزب الأرثوذكسي."

"كان الأريوسيون أو اليوسابيون نحو عشرين أسقفاً، تحت قيادة الأسقف النافذ يوسابيوس النيقوميدي (الذي صار فيما بعد أسقف القسطنطينية)، والمتحالف مع العائلة الإمبراطورية، ومع القس أريوس الذي حضر بأمر الإمبراطور، وكان يُستدعى مراراً لعرض آرائه. وانضم إليهم أيضاً ثيوجنيس أسقف نيقية، وماريس أسقف خلقدونية، ومينوفانتوس أسقف أفسس؛ جامعِين بهذا الشكل اللافت أساقفة مقاعد المجامع المسكونية الأرثوذكسية."

"أما الأغلبية، وكان لسان حالهم المؤرخ الشهير يوسابيوس القيصري، فاتخذوا موقفاً وسطاً بين اليمين واليسار، لكنهم مالوا أكثر إلى اليمين، وانضموا في النهاية إلى ذلك الجانب بعد المناقشات والتوضيح. كان لدى كثيرين منهم حدس أرثوذكسي لكن قليل من التمييز (أو القدرة على الحكم discernment)، وكان آخرون تلاميذ لأوريجانوس، أو يفضلون استخدام التعبيرات الكتابية البسيطة على المصطلحات البحثية (أو اللاهوتية العميقة)؛ بينما لم يكن لدى البعض الآخر قناعات راسخة، بل آراء متذبذبة، ولذلك كانوا سهل الانقياد نحو الحزب صاحب الحجة الأقوى أو بالاعتبارات الخارجية وحدها."

"طرح الأريوسيون أولاً قانون إيمان من طرفهم، لكنه رُفض باستياء عارم وتم تمزيقه، ونتيجة لذلك تخلّى عن قضية أريوس جميع الثمانية عشر أسقفاً الموقّعين عليه، باستثناء ثيوناس وسكوندوس، وكلاهما من مصر."

"ثم اقترح المؤرخ الكنسي يوسابيوس، باسم الحزب الوسطي، اعترافاً (قانون إيمان) فلسطينياً قديماً، شبيه إلى حد كبير بقانون نيقية، ويقر بالطبيعة الإلهية للمسيح لكن بعبارات كتابية عامة، بينما يتجنّب المصطلح موضع الخلاف [هوموأوسييوس]، ὁμοούσιος consubstantialis، أي "من ذات الجوهر" أو "مساوي للآب في الجوهر". وكان الإمبراطور قد اطلع على اعتراف يوسابيوس هذا وأقرّه، بل إن الأقلية الأريوسية كانت مستعدة أيضاً لقبوله."

"غير أن هذه النقطة الأخيرة بالذات أثارت شكاً عميقاً لدى الحزب اليميني المتشدد. فقد أرادوا قانون إيمان لا يستطيع أي أريوسي أن يوافق ويوقع عليه بأريحية، ولذلك أصروا خصيصاً على إدخال تعبير هوموأوسيوس، الذي كان الأريوسيون يمقتونه ويعلنون أنه غير كتابي، وسابيلي (نسبة إلى سابيليوس)، ومادي النزعة. وقد رأى الإمبراطور بوضوح أن صيغة يوسابيوس لن تمر؛ وإذ كان في قلبه، من أجل السلام، أن يتبنى القرار الأكثر إجماعاً، أعطى صوته للكلمة المختلف عليها [هوموأوسيوس]." (فيليب شاف – تاريخ الكنيسة ٣)

(انقر هنا لو تريد تعرف أكثر لماذا خبط الحنطة)

+ مناقشات المجمع برواية يوستاثيوس الأنطاكي

يوستاثيوس الأنطاكي أيضاً يروي علينا مسار المناقشات مصوراً لنا الاستنكار الجماعي الذي واجهه أريوس وجماعته من الآباء المجتمعين، والتراجع التكتيكي الذي أضطروا اليه نتيجة لذلك:

"عندما بدأوا [يقصد الأساقفة المجتمعين] البحث في طبيعة الإيمان، تم تقديم صيغة يوسابيوس [أريوس]، التي احتوت على دليل واضح على تجديفه. أدت قراءتها أمام الجميع إلى حزن كبير لدى الجمهور بسبب انحرافها عن الإيمان، بينما ألحقت عاراً لا يُمحى بكاتبها. بعد أن تم إدانة عصابة يوسابيوس بوضوح، وتمزيق الكتابة المنكرة أمام الجميع، تآمر بعضهم فيما بينهم، وبحجة الحفاظ على السلام، على إسكات جميع خطبائهم الأكثر قدرة [عن مواصلة الكلام]. لقد خشي "مخابيل أريوس" أن يُطردوا من الكنيسة من قبل مجلس أساقفة بهذا العدد، فاندفعوا إلى لعن وإدانة التعاليم المدانة، ووقعوا بالإجماع على اعتراف الإيمان. وهكذا احتفظوا بمقاعدهم الأسقفية من خلال الخداع الأكثر خزياً، على الرغم من أنهم كان يجب أن تُخفض رتبتهم، وهكذا استمروا، أحياناً سراً وأحياناً علانية، في رعاية التعاليم المدانة، ويتآمرون ضد الحق بأسانيد متنوعة." (ثيودوريت – تاريخ الكنيسة ١: ٧)

+ تقرير يوسابيوس إلى شعب أسقفيته

القارئ لهذا التاريخ يستشف بسهولة أن يوسابيوس القيصري كان يتسم بعدة صفات:

١. كان يعطي أولوية قصوى لسلام الكنيسة، لذلك فضل ألا يكون حازماً مع أريوس إلا مضطراً، بل إنه في وقت سابق ومع اثنين آخرين من أساقفة فلسطين، "أمر أريوس بالخضوع لألكسندروس وأن يسعى بلا انقطاع ليُرد إلى السلام والشركة معه."

٢. نتيجة لذلك اتُّهِم علناً بأنه يميل للأريوسية وتم حرمه بناءً على ذلك على سبيل الاحتياط، من قبل مجمع محلي في أنطاكية قبل سنة من مجمع نيقية. (نقول "على سبيل الاحتياط" لأننا رأيناه في نيقية بعدها بسنة واحدة كواحد من كبار المشاركين).

٣. حسب تصنيف سوزومينوس للمشاركين في المجمع (مذكور بعاليه)، يعتبر يوسابيوس من "الذين تمسكوا بشكل خاص ببساطة العقيدة فجادلوا بأن إيمان الله يجب أن يُقبل ببساطة"، وحسب تصنيف فيليب شاف المنقول من يوسابيوس نفسه، كان الرجل من الأغلبية الذين "اتخذوا موقفاً وسطاً بين اليمين واليسار، لكنهم مالوا أكثر إلى اليمين"، الفريق الحريص المحافظ جداً، الذي يتعامل مع المألوف فقط، ويقابل كل ما يستجد من مسائل بكثير من الحذر والفحص، لذلك قبل قانون الإيمان النيقاوي بعد تفكير وفحص وتروي شديدين، و"انضموا في النهاية إلى ذلك الجانب بعد المناقشات والتوضيح"وسنرى في تقريره أدناه مقدار الحرص على الفحص والبحث والتمحيص ليس من المجتمعين كلهم فقط، بل تحديداً منه هو شخصياً.

لذلك يصبح من الأهمية بمكان أن نفهم مسار تفكير يوسابيوس وتقريره بنفسه عن كيفية فحص وقبول العقيدة التي كانت قيد المناقشة في المجمع، لأنه يمثل نسبة لا بأس بها من المجتمعين. والرجل مشكوراً لم يتركنا لحيرتنا بل تبرع مشكوراً بإرسال تقريره عن المجمع في رسالة من نيقية إلى رعيته في قيصرية "مع شرح لكلمة هوموأوسيوس حتى لا يطعن أحد في دوافعه بسبب تردده السابق" طبقاً لوصف سقراط  سكولاستكوس.

ها هي فقرات مهمة من كلام يوسابيوس كما نقله سقراط سكولاستكوس (سقراط - تاريخ الكنيسة ١: ٨):

"الآن، بعد أن قُدِّم هذا الإعلان عن الإيمان من قِبلهم [يقصد قانون الايمان النيقاوي في صورته الأخيرة]، لم نهمل التحقيق في المعنى المتميز لتعبيرات "جوهر الآب"، و"مساوي للآب في الجوهر". فتم طرح أسئلة وإجابات، وتم تعريف معنى هذه المصطلحات بوضوح:

 حينما تم الاعتراف عموماً بأن "أوسياس" (من الجوهر أو الذات) يعني ببساطة أن الابن من الآب بالفعل، لكنه ليس جزءاً من الآب. لهذا التفسير للعقيدة المقدسة التي تعلن أن الابن من الآب، لكنه ليس جزءاً من جوهره، بدا لنا أنه من الصواب الموافقة. لذلك وافقنا نحن أنفسنا على هذا التفسير؛ ولا نعترض على كلمة "هوموأوسيوس" مراعاة للسلام، وخوفاً من فقدان الفهم الصحيح للموضوع.

وعلى نفس الأسس قبلنا أيضاً التعبير "مولود غير مخلوق": فإن "مخلوق"، كما قالوا، هو مصطلح ينطبق بشكل مشترك على جميع المخلوقات التي خُلقت بواسطة الابن، والتي لا يشبهها الابن. وبالتالي فهو ليس مخلوقاً مثل تلك التي خُلقت بواسطته، بل هو من جوهر يفوق بكثير أي مخلوق، وهذا الجوهر تعلّمه الأقوال الإلهية أنه وُلد من الآب بطريقة تكوين لا يمكن تفسيرها ولا حتى تصورها من قِبل أي مخلوق.

وهكذا أيضاً الإعلان بأن الابن مساوي للآب في الجوهر، تم مناقشته وتم الاتفاق على أنه لا يجب فهمه بمعنى جسدي [أو مادي]، أو بأي طريقة مشابهة للمخلوقات الفانية، بما أن ذلك ليس بانقسام الجوهر، ولا باقتطاع [جزء من الجوهر]، ولا بأي تغيير في جوهر الآب وقدرته، إذ إن طبيعة الآب غير المولود ولا مخلوق (ἀγέννητος agénnitos) لا تتوافق مع كل هذه الأمور. أن يكون مساوي للآب في الجوهر إذن يعني ببساطة أن ابن الله لا يشبه الأشياء المخلوقة، بل هو، على كل وجه، مشابه فقط للآب الذي ولده؛ وأنه ليس من جوهر أو ذات أخرى سوى الآب.

لهذه العقيدة، إذ تم تفسيرها بهذه الطريقة، بدا أنه من الصواب الموافقة، خاصة وأننا نعلم أن بعض الأساقفة البارزين والكتّاب المتعلمين من بين القدماء قد استخدموا مصطلح "هوموأوسيوس" في خطاباتهم اللاهوتية المتعلقة بطبيعة الآب والابن.

هذا ما لديّ لأقوله لكم فيما يتعلق ببنود الإيمان التي تم الإعلان عنها؛ والتي وافقنا عليها جميعاً، ليس دون فحص دقيق، بل وفقاً للمعاني المحددة، التي تم التحقيق فيها بحضور إمبراطورنا الأكرم، وللأسباب المذكورة تمت الموافقة عليها.

كما اعتبرنا الحرم الذي أعلنوه بعد إعلان الإيمان غير مسيء؛ لأنه يحظر استخدام المصطلحات غير الشرعية، التي نشأ منها تقريباً كل الاضطراب والقلق في الكنائس. وبناءً على ذلك، بما أنه لا يوجد نص موحى به يحتوي على التعبيرات "من أشياء غير موجودة"، و"كان هناك وقت لم يكن فيه"، وغيرها من العبارات المُلحقة بها [هذه التعبيرات التي كررها كثيراً الأريوسيون للتعبير عما يعتقدونه]، بدا أنه غير مبرر نطقها وتعليمها: وعلاوة على ذلك، تلقى هذا القرار موافقتنا لأننا لم نعتَدْ من قبل على استخدام هذه المصطلحات.

أيها الأحباء، رأينا من واجبنا أن نُطلعكم على الحذر الذي ميّز فحصنا وموافقتنا على هذه الأمور:

أننا قاومنا، لأسباب مشروعة، حتى اللحظة الأخيرة إدخال عبارات معينة مرفوضة طالما بقيت غير مقبولة،

وقبلنا دون نزاع — عندما تبيّن لنا، بعد تأمل ناضج وفحص لمعنى الكلمات — تلك العبارات التي تتطابق مع ما كنا قد اقترحناه أصلاً كاعتراف صحيح بالإيمان." (سقراط - تاريخ الكنيسة ١: ٨)

نتائج مجمع نيقية - تحديد الأرثوذكسية وإدانة ما عداها

++ النتائج المباشرة:

+ قانون الإيمان:

كانت ألوهية يسوع المسيح الكاملة هي واحد من أكثر ما أكد عليه قانون الإيمان النيقاوي نصاً وبكل وضوح:

" إلهٍ من إلهٍ، نورٍ من نورٍ، إلهٍ حقٍّ من إلهٍ حقٍّ، مولودٍ غيرِ مخلوقٍ، مساوٍ للآبِ في الجوهَرِ...".

+ إدانة الأريوسية:

تضمن القانون لعنات (إدانات رسمية Anathemas) ضد تعاليم أريوس المعلنة، محدداً بوضوح حدود الإيمان الأرثوذكسي في هذه القضية الجوهرية.

+ حرم أريوس مع كل من بقي من اتباعه

كان هذا قرار المجمع، حيث كان الحرم هو الحكم الوحيد الذي يملك الأساقفة المجتمعين إصداره، فتم حرم أريوس مع الأسقفين الآخرين الوحيدين الذين رفضا التوقيع على قانون الإيمان وبقيا على مساندة أريوس، يوسابيوس النيقوميدي وثيوجنيس أسقف نيس.

ملحوظة: اعتذر يوسابيوس النيقوميدي وثيوجنيس وأقرا بصحة قانون الإيمان في زمن لاحق، لكننا نفهم من كتابات لأثناسيوس لاحقة على أحداث المجمع ومن كتابات غيره أن هذين الأسقفين الأريوسيين وآخرين اخفوا هرطقتهم في باطنهم وظلوا يدبرون المكائد لأصحاب الإيمان المستقيم طوال ما بقي من حياة قسطنطين.

+ الاتفاق على موعد عيد القيامة:

بعد إقرار الإيمان كان أهم قرار من ٢٠ قانوناً اتخذها المجتمعون يخص تحديد موعد لعيد القيامة يكون موحداً في الغرب والشرق، وحيث تم الاتفاق على قاعدة يتم تبعاً لها تحديد موعد عيد القيامة.

+ رسالة المجمع للكنائس

تم ارسال رسالة للكنائس (ما كان ممثلاً منها في المجمع وما لم يكن ممثلاً)،  خصوصاً الكنائس في مصر وليبيا حيث بدأت حركة أريوس، حملت الرسالة كافة القرارات التي تم اتخاذها مع تفاصيل المناقشات التي أدت إلى تلك القرارات. (سقراط - تاريخ الكنيسة ١: ٩)

+ رسائل قسطنطين للكنائس

حرصاً من الامبراطور على استتباب الأمن والسلام المجتمعي، ولضمان إنهاء الفوضى، قام قسطنطين بنفسه بإرسال رسائل إلى الكنائس (بعضها كتبها بخط يده حسب معلوماتي المتواضعة) كتقرير عن أعمال المجمع وقراراته، مؤكداً على أن "جميع النقاط التي كانت تعطي ذريعة للشقاق بسبب الغموض، قد نُوقشت وفُحصت بدقة." وجدير بالذكر أن بعض هذه الرسائل شكل مصدراً هاماً وثرياً للمعلومات التاريخية التي أفاد منها مؤرخو تلك الحقبة المهمة.

+ نفي أريوس ومن أيدوه

كان هذا هو القرار السياسي الذي هو اختصاص الامبراطور، فأصدر قراراً بنفي أريوس وكل من أيدوه بعيداً عن كنائسهم، ومنع أريوس من دخول الأسكندرية، كما منع تداول أي كتابات لأريوس، وأمر بإحراق كل ما يوجد منها، بل والتهديد بإعدام كل من يوجد لديه أي من هذه الكتابات.

++ العواقب الممتدة والأهمية الدائمة:

+ أساس للعقيدة المستقبلية:

أصبح قانون الإيمان النيقاوي وثيقة أساسية للنقاشات اللاهوتية اللاحقة وتطور عقيدة الثالوث. وقد أرست سابقة للمجامع المسكونية في معالجة الخلافات اللاهوتية وتحديد الإيمان الأرثوذكسي للكنيسة الجامعة.

+ الرفض الأولي من بعضهم:

بينما وقع الأغلبية العظمى من الأساقفة الحاضرين على القانون، لم تنتهِ الجدالات الأريوسية فوراً. حيث أن بعض الأساقفة، خصوصاً في الشرق، ظلوا على تحفظهم على مصطلح هوموأوسيوس، وتعاملوا معه بشيء من الحساسية بحجة أنه غير كتابي، لكن التخوف الأكبر كان سببه اعتقاد البعض منهم بأن مصدره هو الهرطقة السابيلية.

+ الانحرافات الإمبراطورية:

اختلف الموقف الإمبراطوري من أرثوذكسية نيقية بعد وفاة قسطنطين. فقد فضّل بعض الأباطرة الآراء الأريوسية أو شبه الأريوسية، مما أدى إلى نفي قادة أرثوذكس مثل أثناسيوس على يد قسطنطيوس (ابن قسطنطين) وعودة النفوذ الأريوسي.

+ الصراع مستمر وظهور هرطقات أخرى:

رغم أن نيقية أدانت الأريوسية، إلا أن الهرطقة استمرت لعقود وظلت تتحدى وحدة الكنيسة. كما أن تعريف نيقية لم يضع حداً للجدل اللاهوتي. ففي العقود والقرون التالية، ظهرت هرطقات وبدع كريستولوجية (تخص المسيح) أخرى مثل النسطورية والأوطاخية، الأمر الذي استدعى مجامع لاحقة لتوضيح شخص المسيح وطبيعته بشكل أعمق. وقد تميز القرن الرابع بصراع لاهوتي وسياسي مستمر بين أرثوذكسية نيقية وأشكال مختلفة من الأريوسية. لعبت فيها شخصيات بارزة مثل أثناسيوس، وآباء كبادوكية (باسيليوس الكبير، غريغوريوس النزينزي، غريغوريوس النيسي)، وأمبروسيوس أسقف ميلان دوراً حاسماً في الدفاع عن إيمان نيقية وتوضيحه بشكل أكبر.

++ الانتصار النهائي للإيمان القويم (إيمان نيقية):

الانتصار النهائي لأرثوذكسية نيقية، الذي ترسخ في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م، أبرز الأثر الدائم لنيقية كلحظة محورية في سعي الكنيسة المستمر لشرح والدفاع عن حقائق الإيمان المسيحي الجوهرية ضد التفسيرات المنحرفة. 

في المقال التالي نقرأ عن قسطنطين في نيقية، ما له وما عليه.

 #خبط_الحنطة

أنقر هنا لو تحب تقرأ السلسلة من الاول.

سلسلة: من الخمسين إلى السابع - رحلة في تاريخ الكنيسة (٨) مجمع نيقية وتوضيح ألوهية المسيح
تعليقات