الآثار الإيجابية على اللاهوت
إيمان قسطنطين وتحوله إلى المسيحية وارتباط الكنيسة والدولة في القرن الرابع كان له تأثير عميق على اللاهوت المسيحي. بعض هذه التغييرات كانت تطورات إيجابية مثل الوضوح العقائدي، في حين أدخلت تغييرات أخرى توترات أو تشويهات، خصوصاً فيما يتعلق بنقاء العقيدة، وحرية الجدل اللاهوتي، واستخدام السلطة الإمبراطورية لفرض الأرثوذكسية (الإيمان القويم)، الأمر الذي يراه البعض مخالفات لمبادئ حرية الفكر والتعبير [من وجهة النظر المعاصرة بالطبع]. (اقرأ الجزء السابق: (٤) قسطنطين الكبير وصعود المسيحية الامبراطورية)
![]() |
| خبط الحنطة - كاتدرائية قسطنطين في مدينة ترير بألمانية- ٣١٠م |
١. توضيح العقيدة من خلال المجامع
قبل قسطنطين، كانت النقاشات اللاهوتية مشتتة وغير رسمية، واحد يكتب في انطاكية أو أفسس ويرد عليه (أو يستكمل الفكرة) آخر في الأسكندرية، وثالث يكتب في نفس الموضوع في روما أو قرطاج، أما مع دعم الإمبراطورية، تم تنظيم مجامع مسكونية كبرىساهمت في جمع الجهود وبلورة المفاهيم ووضع النقاط على الحروف مع فرز كل ما هو غريب أو شاذ، وكان أول هذه المجامع تحت رعاية قسطنطين وفي حضوره.
ملحوظة: أظن في هذه الحالة يصح استخدام التعبير "إجماع العلماء" لأن هذا إجماع حقيقي كان يتم بعد "اجتماع" مئات منهم ومناقشات تمت وجهاً لوجه.
+ مجمع نيقية وتوضيح العقيدة (٣٢٥ م)
- وضح عقيدة الثالوث بشكل أكثر دقة.
- أكد الألوهية الأزلية الكاملة للابن ضد هرطقة أريوس (لمن لا يعرف، أريوس قال بأن الابن قديم وهو الذي خلق العالم لكنه ليس في مثل أزلية الآب، بل الآب خلقه في لحظة ما من الزمن، وهذا ما رفضه المجتمعون في نيقية).
- كان المجمع بداية مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος – "من نفس الجوهر" أو "مساوٍ للآب في الجوهر") لوصف العلاقة بين الآب والابن.
- وصدر عن مجمع نيقية قانون الإيمان "النيقاوي" الذي مازلنا نردده حتى يومنا هذا:
"بالحقيقة نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى. نؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر (هوموأوسيوس)، الذي به كان كل شيء..... الخ"
* اقرأ في مقال تفصيلي عن الجدل الأريوسي ومجمع نيقية، وأيضا مناقشة دور قسطنطين في المجمع.
٢. الوحدة اللاهوتية:
- ساعدت المجامع المدعومة من الدولة في إنشاء ما يمكن أن نسميه "دليل موحد للمصطلحات اللاهوتية" يمكن استخدامه في جميع أنحاء الإمبراطورية. وقد منحت الكنيسة لغة مشتركة وحدوداً عقائدية رسمية.
- الوحدة حول قانون الإيمان النيقاوي منعت البدع من الانتشار دون رادع.
- حافظت على الألوهية الكاملة للمسيح وأرست ببيان واضح (الذي هو قانون الإيمان) أسس لاهوت الثالوث الأقدس.
٣. دعم التعليم والكتابات المسيحية:
بفضل تأييد ودعم قسطنطين:
- توسعت المدارس المسيحية، وورش النسخ (سكربتوريات)، والمكتبات.
- أصدر أوامره ليوسابيوس القيصري بترميم مخطوطات الكتاب المقدس الموجودة وقتها والعمل على تجهيز ٥٠ نسخة جديدة باستخدام أمهر النساخ وفي أسرع وقت ممكن. (عدد من المخطوطات الكاملة للكتاب المقدس - والتي مازالت موجودة حالياً - تم نسخها في ذلك العصر).
- كما شجع ومول نَسْخ كتب التعليم اللاهوتي لآباء الكنيسة الأوائل (مثل أثناسيوس) وتوزيعها على نطاق أوسع
- حصل أساقفة مثل يوسابيوس وأثناسيوس على تمويل وسلطة لنشر مؤلفاتهم.
٤. مشاركة الدولة بشكل فاعل في مقاومة الهراطقة:
شاركت الدولة بفاعلية - أحياناً بعنف - في مقاومة الهراطقة والمخالفين مثل الدوناتيين والنوفاتيين والأريوسيين، حيث لم يعد المهرطق مجرد شخص يعيش في ضلال فكري، بل تم تصنيفه كمجرم وكعدو للدولة الرومانية المسيحية. وخير مثال لذلك كان القرار الذي اتخذه الامبراطور في مناسبة إدانة آريوس:
- "الإمبراطور قسطنطين أوغسطوس الكبير والمنتصر... إذا تم العثور على أي مؤلَّف من تأليف آريوس، فليُلقَ في النار... وإذا تبيّن أن أحداً يخفي كتاباً من كتبه، فسيُعاقَب بعقوبة الإعدام."
- ايضاً حرمان (Anathemize) أريوس وكل من استمروا على تأييده.
- وحرق كتبه كلها أينما وجدت، مع معاقبة كل من يتستر على أي كتاب بالإعدام.
- وأيضاً تم تحريم الحق في عقد الاجتماعات على كل الهراطقة.
(انقر هنا لتتابعنا)
• ملحوظة هامة:
ليس خافياً أن هذا التوجه كانت له مساوئه أيضاً والتي تفاقمت بشكل أكبر في العصور اللاحقة، وحيث لم يخل الحال - في بعض الأحيان وفي عصر قسطنطين نفسه - من مقاومة لأتباع الايمان الأرثوذكسي (المستقيم أو النيقاوي)، كما حدث مع أثناسيوس بطل نيقية، كما شكّل ذلك التوجه من الدولة بداية التعصّب المسيحي ضد المسيحيين الآخرين وبرعاية الدولة أيضاً كما حصل لاحقاً بعد خلقدونية في القرن الخامس، وما بعد الاصلاح في القرن السادس عشر.
اقرأ: الموثوقية التاريخية للأناجيل (سلسلة من ٣ مقالات)
الآثار السلبية على اللاهوت والكنيسة
باختصار، تغير مهول حدث للكنيسة، فلم يكن لتحوّل الامبراطور الروماني الى المسيحية نتائج إيجابية فقط، لكنّه أيضاً عرض الكنيسة لأخطار جديدة: تدخل الدولة، والفساد، واضطهاد المعارضين. فبينما كان نقطة تحول في تاريخ المسيحية، كان أيضاً لحظة تنازل وتوازنات بين التمتع بالامتيازات التي منحتها الدولة، والإبقاء على الشهادة الأمينة للمسيح.
بعض هذه السلبيات قد تكون بدأت مع قسطنطين، لكن المؤكد أنها تراكمت وتفاقمت في العصور اللاحقة ومع أباطرة تالين.
باختصار، المؤرخ فيليب شاف Philip Schaff يقول عن ذلك التحول الكبير في حال الكنيسة بسبب إيمان قسطنطين الكبير: "هنا ننتقل من مسيحية الرسل والشهداء إلى مسيحية الآباء والأباطرة"، واستكمل فيما يلي ما قاله شاف في مقدمة الجزء الخاص بتاريخ ذلك العصر من كتابه "تاريخ الكنيسة المسيحية"
"إن عهد قسطنطين الكبير يمثّل مرحلة الانتقال بالمسيحية من كونها ديانة مضطهدة من قِبل الدولة إلى الاتحاد معها؛ أي بداية نظام "الكنيسة – الدولة". لقد استسلمت الوثنية اليونانية – الرومانية، التي كانت أرقى وأقوى أشكال العبادة الوثنية التي عرفها التاريخ، بعد صراع دام ثلاثمائة عام، وماتت وهي تعترف بعجزها بصرخة: "لقد غلبتَ أيها الجليلي!". [هذه صرخة أطلقها الامبراطور جوليان الجاحد عندما جرح في المعركة بعد كل ما حاول فعله لرد الإمبراطورية عن المسيح]
لقد وضع حاكم العالم المتمدّن تاجه عند قدمي يسوع الناصري المصلوب. وها هو خليفة نيرون ودوميتيان ودقلديانوس، يظهر مرتدياً الأرجوان الإمبراطوري في مجمع نيقية بصفته حامي الكنيسة، ويجلس على عرشه الذهبي بإشارة من الأساقفة الذين لا تزال أجسادهم تحمل آثار الاضطهاد.
إن تلك الطائفة المحتقرة، التي لم يكن لها موضع تستند إليه مثل مؤسّسها في أيام اتضاعه، قد ارتفعت إلى السيادة في الدولة، ودخلت امتيازات الكهنوت الوثني، وأصبحت غنية وقوية، وبنت كنائس لا تُحصى من حجارة هياكل الأصنام تكريماً للمسيح وشهدائه. كما سخّرت "حكمة" اليونان وروما لتبرير "جهالة الصليب" (١كو ١: ١٨)، وأثّرت بقوة في التشريعات المدنية، وسيطرت على الحياة الوطنية، وقادت مجرى التاريخ العالمي.
لكن في الوقت نفسه، إذ احتضنت الكنيسة جماهير الإمبراطورية كلّها، من القيصر إلى أحقر العبيد، وعاشت في وسط مؤسساتها، فقد دخل في كيانها مقادير هائلة من العناصر الغريبة القادمة من العالم الوثني، مما عرّضها لأخطار جديدة وألقى على عاتقها أعباء جسيمة ومتزايدة. (فيليب شاف – تاريخ الكنيسة المسيحية – مقدمة الجزء الثالث)
تعالوا نتكلم في نقاط سريعة عن هذه الآثار السلبية التي نتجت عن قبول قسطنطين للايمان المسيحي:
الآثار السلبية في اللاهوت
١. تدخل قسطنطين في الكنيسة وفي النزاعات اللاهوتية
تدخل قسطنطين - والأباطرة اللاحقون - في الشؤون اللاهوتية، وغالباً كان التدخل هذا بدون فهم عميق للقضايا اللاهوتية (والحديث هنا عن قسطنطين تحديداً)، صحيح هو ترك التفاصيل اللاهوتية للأساقفة، وصحيح كان دافعه الأساسي في ذلك تحقيق الوحدة السياسية والسلام المجتمعي وضمان عدم وجود أي انقسام داخل الامبراطورية بتقليل فرص الاحتكاك قدر الإمكان، لكن في النهاية كانت هذه سابقة لم تخلُ من التخبط والسلبيات. (اقرأ: دور قسطنطين في نيقية، ما له وما عليه)
ففي الجدل الأريوسي مثلاً:
- قام قسطنطين بنفي وإعادة الأساقفة الأريوسيين، وأيضاً ولأسباب مختلفة نفى وأعاد المناهضين للأريوسية، وذلك حسب معلوماته المتاحة والضغوط السياسية كلٌ في وقته.
- أثناسيوس نفسه بطل نيقية، رغم كونه مدافعاً عن الأرثوذكسية، لم ينجُ من النفي خمس مرات خلال حياته، وإن كان باتهامات غير لاهوتية في غالبيتها. (سنأتي إلى تفصيل هذا الشأن في مناقشتنا لمجمع نيقية)
- المؤرخ سقراط سكولاستيكوس يتكلم عن اهتمام قسطنطين – كرجل سياسة - بتهدئة الاضطرابات في الكنيسة أكثر من اهتمامه بفحص النقاط اللاهوتية المتنازع عليها بعناية:
"عندما علم الإمبراطور بهذه الاضطرابات، شعر بحزن عميق للغاية، واعتبر الأمر مصيبة شخصية. وعلى الفور بذل جهده لإخماد الحريق الذي كان قد اشتعل، فأرسل رسالة إلى ألكسندروس [اسقف الاسكندرية] وآريوس مع رجل موثوق يُدعى هوسيوس، وكان أسقف قرطبة في إسبانيا." (سقراط سكولاستيكوس "تاريخ الكنيسة" ١: ٧)
٢. قمع التنوع اللاهوتي
التحالف بين الكنيسة والإمبراطورية حوَّل النظرة للآراء اللاهوتية المعارضة للخط الأرثوذكسي إلى "اضطهاد" بعدما كان يصنف مجرد "خلاف فكري" أو "مناظرات جدلية" أيام الأباء المدافعين، فقد أصبح اللاهوت بشكل أو آخر مرتبطاً بالولاء للإمبراطورية، حيث لم يعد المهرطق أو المخالف مجرد شخص في ضلال محتاج للرد والهداية، بل أصبح مجرماً... وعدواً للدولة الرومانية المسيحية.
في هذا يقول المؤرخ "فيليب شاف" بمناسبة نفي الأريوسين بعد نيقية:
هذا كان أول مثال على العقوبة المدنية للهرطقة؛ وبداية لسلسلة طويلة من الاضطهادات المدنية لكل انحراف عن الإيمان القويم (واستخدم بكثافة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية أثناء العصور الوسطى). قبل اتحاد الكنيسة والدولة كانت الحرمانات الكنسية هي العقوبة القصوى. أما الآن فقد أضيف إليها النفي، ولاحقًا حتى الموت، لأن جميع الجرائم ضد الكنيسة اعتُبرت في الوقت نفسه جرائم ضد الدولة والمجتمع المدني". (فيليب شاف - تاريخ الكنيسة المسيحية - الفصل 120)
ولم تختلف درجة هذه المعاملة طبقاً لطبيعة الخلاف، بل تم اضطهاد ومطاردة الكل، سواء ما كان يحمل صفة الهرطقات والبدع الخطيرة (مثل الأريوسية والمونتانية)، أو تلك التي كان موضوعها تنظيمياً أكثر منه لاهوتياً (مثل الدوناتية، والنوفاشية).
(انقر هنا لتتابعنا)
٣. فقدان الصوت النبوي وشهادة المهمشين
- كانت الكنيسة الأولى المضطهدة وذات الثقافة المضادة، تملك هوية نبوية واضحة، ارتبطت بالفقراء، وبالشهداء، وبالمسيح المصلوب. أنظر ترتليانوس أثناء مخاطبته للوثني قبل قسطنطين بعقود، فالحق في نظر ترتليانوس يظل حقاً حتى عندما يكون في صفوف الفقراء والمستضعفين المضطهدين:
"إنها معركة بالنسبة إلينا عندما نُستدعى إلى ساحة القضاء، حيث نقاتل من أجل الحق ونحن نُخاطر برؤوسنا. والنصر هو أن نظفر بما قاتلنا لأجله. ومجد هذا النصر هو في إرضاء الله، وغنيمتُه هي الحياة الأبدية. ففي اللحظة عينها التي تقتحم فيها جيوشك مواقعنا، هناك نكون نحن المنتصرين. لأنه عندما نُقتل، حينئذٍ نصبح نحن الفائزين. وحين نُغلب، فذلك بالذات هو وقت نجاتنا." (ترتليانوس – "الدفاع" ٥٠)
4. نشوء "الأرثوذكسية الإمبراطورية"
- أصبحت الأرثوذكسية مرتبطة بتأييد الإمبراطور، وليس فقط بالإجماع المستند إلى جوهر تعليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي.
- هذا ما ظهر واضحاً - بصفة مبدئية - في حالة الأساقفة الأريوسيين وتحديداً بعد نيقية، والذين بدأوا يلجأون للقوة الإمبراطورية لمحاولة إقرار مواقفهم وتحييد مواقف معارضيهم "اللاهوتية" بدلاً مما كان قبلاً من اللجوء للكتاب المقدس وحده ومقارعة الحجة بالحجة.
الآثار السلبية على الكنيسة نفسها
١. تسييس الكنيسة
بدأت القرون الوسطى رسمياً بسقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م. وانتهت بسقوط القسطنطينية عاصمة الامبراطورية الشرقية في عام 1453م. ومع الأسف، الآثار السيئة لا يمكن التغاضي عنها، تلك التي تركتها تلك القرون في أذهان الكتاب والمفكرين وحتى رجل الشارع العادي في العصور الحديثة، وأنا أقصد هنا التفاعل بين الديني والسياسي والتأثير السلبي لكل منهما على الآخر في تلك الحقبة الزمنية (القرون الوسطى)، حيث أصبحت الكنيسة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسلطة الإمبراطورية، لكني أرى كثيراً من التجنِّي في ذلك الذي قام ويقوم به البعض بمد خط القرون الوسطى على استقامته إلى الخلف، وتطبيق انطباعاتها حرفياً على بدايات ذلك التلاحم بين الامبراطورية والكنيسة في القرن الرابع والخامس، أي في عهد قسطنطين ومن تلاه من الأباطرة (محل دراستنا الآن)، لأن التحول إلى هذا التداخل والتدخل بدأ يتسرب تدريجياً وليس بذلك الشكل الراديكالي الذي يتصوره أو يدعيه هؤلاء، وربما احتاج إلى عقود أو قرون لكي ينحدر إلى تلك الصورة العنيفة التي شاهدناه بها ومسجل لدينا بإسم القرون المظلمة.
- من جهة الخلافات اللاهوتية فالثابت أنها ظلت تُحل بواسطة الأساقفة في مجامع يدعو إليها الإمبراطور.
- أيضاً تاريخ تلك الحقبة شهد صدامات بين الدولة واساقفة الكنيسة بما يبين أن الكنيسة - في تلك القرون الأولى على الأقل - لم تكن مستسلمة تماماً للامبراطور (اقرأ عن أمبروز أسقف ميلانو وأستاذ أوغسطينوس والاشتباك الذي حدث بينه وبين الامبراطور ثيودوسيوس الأول). لذلك فالادعاء بأن هذا الوضع الجديد، أي تبني الدولة للكنيسة، قد "فرض ضغطاً على الأساقفة للامتثال لمصالح الدولة للدرجة التي يُخضِعون فيها الوضوح العقائدي للمواءمة السياسية"، هذا الادعاء يفتقد الكثير من الدقة ويحتاج لأدلة قوية لكي يقوم صلباً يعتد به. على الأقل خلال تلك العهود محل بحثنا في عهد قسطنطين ومن تبعوه.
- الثابت أيضاً أن تحالف الأريوسيين مع الأباطرة الذين مالوا للأريوسية والذين جاؤوا بعد قسطنطين قد أدى إلى الكيد لغرمائهم من أتباع الإيمان النيقاوي، الأمر الذي ظل في مراوحة حتى أعلن ثيودوسيوس الأول المسيحية النيقاوية كديانة رسمية للدولة في مرسوم تسالونيكي 380م.
- وصل الأمر إلى أن الأباطرة كانوا أحياناً يختارون الأساقفة أو يؤثرون عليهم.
٢. الفساد والتعلق بالعالم
حصول الكنيسة على مِنَح الإمبراطور والثروات تسببت في مساوئ لا يمكن إنكارها:
- اجتذاب العالم لبعض "رجال الدين" ممن دفعهم طموحهم للسعي إلى النفوذ السياسي.
- ضعف النقاء الذي ساد الكنيسة في عصر الاستشهاد.
- الثروة المادية شوّشت المهمة الروحية لكثير من القادة.
- بعض من لجأوا للخدمة بدءاً بذلك العهد دخلوا مجال الخدمة طمعاً في المنصب والسلطة والثروة.
لاحظ الرسالة التي كتبها القديس جيروم (٣٩٤م) إلى نيبوتيان وكيف يصور فيها الكنيسة ورجالها، كيف كانت فقيرة ومضطهدة، وأصبحت غنية وقوية لكن ربما أقل قداسة وأقل تكريساً. (الرسالة إلى نيبوتيان (٥٢: ١٠، ١١)، حوالي ٣٩٤ م)
٣. فقدان الكنيسة استقلاليتها
- رغم انتهاء الاضطهاد الوثني لكن تورط الأباطرة في النزاعات العقائدية (مثل الجدل الأريوسي الذي استمر لعقود بعد قسطنطين) أدى إلى فرضهم المنفى أو محاولاتهم ترويض أساقفة الكنيسة، مثلما حدث مع أثناسيوس الذي تم نفيه ٥ مرات، ورغم أن السبب المباشر للنفي في تلك المرات لم يكن عقائدياً ولكن المشتكين ضد أثناسيوس كانوا من الاريوسيين، أي أن دافعهم الأساسي كان عقائدياً.
- أصبحت الكنيسة تعتمد على رضا الإمبراطور وخاضعة لتقلبات السياسة الإمبراطورية. وقد ظهر ذلك واضحاً فيما بعد قسطنطين، اذ قد توارث العرش عدة أباطرة أريوسيين (قسطنطيوس – فالينوس)، أو ملحدين (جالينوس الجاحد)، وحاولوا جميعاً سلب ما حازته الكنيسة من فوائد ولكن دون جدوى. المقال التالي (٦) الهرطقات والارثوذكسية
#خبط_الحنطة
لو لم تكن قد بدأت معنا السلسلة من أولها، يمكنك أن تفعل ذلك بنقر هذا الرابط: من الخمسين إلى السابع. رحلة في تاريخ الكنيسة - مقدمة

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..