-->

الله والزمن: یسوع على الصلیب "الآن"

 كلنا یعرف معنى كلمة "الزمن" الذي یظھر بوضوح عند تعاقب الأیام والليالي ویقاس بوحدات القیاس المعروفة مثل الیوم والساعة والثانیة والفیمتوثانیة، وهناك من يبحث عن الحكمة من وراء الزمن فيسأل عن احسن ما قيل في الزمن، ولكن السؤال الذي یستحق التأمل والتفكير ھو ھذا: ھل اﷲ یعیش في "زمن" مثلما ھو عندنا؟ وھل اﷲ یتأثر بـ"الزمن" تأثرنا نحن البشر به؟ وھل ھو یرى ویراقب الأحداث من خلال "الزمن" كما نفعل نحن؟ أظننا نحتاج لمراجعة مفهوم الزمن عند الله (إن كان هذا التعبير جائزاً أصلاً) ..

صورة المجرات والنجوم في الفضاء الكوني مع الخلفية الزرقاء والألوان المختلفة
خبط الحنطة - الزمن واللا-زمن

دعونا أولا نراجع الفارق بیننا نحن البشر وبین اﷲ من جھة الزمن.

++ البشر والزمن: 

+ نحن البشر يحتوينا الزمن

نحن -  المخلوقات البشریة -  یحتوینا الزمن ویشكل جزءًا فاعلا من المحیط الذي نعیشه، بالضبط كما تحتوینا أبعاد المادة التي خلقنا منھا (الطول والعرض والارتفاع)، فنحن نشعر بالزمن وله تأثیر علینا. وطبقا لمعرفتي المتواضعة، اینشتاین اعتبر "الزمن" ھو البعد الرابع للعالم المادي مع الأبعاد الثلاثة للكتلة الملموسة (الطول والعرض والارتفاع)، لذلك لا یكتمل وجود أي كائن مادي مكون من جزیئات وذرات بدون وجود "زمن".... 

+ نحن البشر نري الأشیاء والأحداث من خلال الزمن، فلدینا: 

- الماضي: الذي انتھى وعبر وأصبح في أذھاننا مجرد ذكریات لا نملك إعادتھا ولا تصحیحھا ولا أن نعیشھا مرة أخرى إن كانت أعجبتنا، وهي التي في الغالب نبحث عن أحسن ما قيل في الزمن لاستردادها.

- الحاضر (دعونا نسميه "الآن"): ونحن نعيشه ونيطر على بعض القرارات والاختيارات فيه، ولكننا - حتى في هذا محدودو القدرة على التحكم به بسبب تدخل عوامل كثيرة خارجة عنا، ولكن على الأقل نحن نرى ما يجري معنا وما يدور حولنا في هذا الحاضر (أو "الآن").

- المستقبل: الذي يبدأ بعد لحظة من "الآن"، وعملياً، نحن لا ندري عن هذا المستقبل شيئاً، ولا نملك السيطرة عليه.

+ من المؤكد أن ماضي وحاضر ومستقبل كل مخلوق فینا ھو ملكیة شخصیة وفردیة:

فكل واحد من الملیارات من البشر الذین مروا بالعالم (أو سیمرون به) له الماضي والحاضر والمستقبل الخاص به (كل في وقته أو زمنه) ولا ولم ولن یشاركه فیه غیره، فلا یوجد إنسان یشارك الآخر "كل" افكاره وأحلام نومه ونبضات قلبه وترددات رئتیه أثناء التنفس وثواني نومه ویقظته ولحظة میلاده ولحظة وفاته، ورغم أن أزمنة حیاة البعض تتقاطع في بعض اللحظات، لكن -  رغم ھذا التقاطع - لا یوجد إثنان یتشاركان في "كل ماضیھما" ومن المستحیل أن یتشاركا في "كل مستقبلھما".

وخلال القرون القلیلة الماضیة، والروائیون – وتلاھم السینمائیون – یحلمون بالسفر عبر ھذا "الزمن"، أي بالتنقل بین الماضي والحاضر والمستقبل وحلمھم في ذلك قد یشمل أن یؤثروا على الحاضر من خلال تغییر الماضي، أو مشاھدة واستقراء ما سیحدث في المستقبل، أو حتى مجرد المراقبة لأحداث الماضي والحاضر والمستقبل دون القدرة على التدخل فیھا.

++ اﷲ و"اللا – زمن":

هل  الله خارج الزمن؟ تعالوا نفكر شوية - ان استطعنا - في اﷲ السرمدي (أي الأبدي- الأزلي) الذي لیس له بدایة ولا نھایة، ویجوز لنا أن نقول إن اﷲ یعیش في حالة من "اللا-زمن"، فاﷲ لیس عنده ماضي ولا مستقبل، لیس عنده أمس ولا غد، بل الكل عنده "حاضر" فقط، ولعل أبسط تعبیر عن الله واللا-زمن في الكتاب المقدس هو ما قاله موسى "لأن ألف سنة في عینیك مثل یوم أمس بعد ما عبر وكھزیع من اللیل" مز ٩٠: ٤، فھذه المعادلة المدھشة اكتشفھا موسى منذ أربع آلاف عام:

١٠٠٠ سنة = ١ یوم 

یعني:٣٦٥٠٠٠ یوم = ١ یوم

 ھذه المعادلة لا تستقیم إلا إذا انعدم الزمن تماما، فحیث ینعدم الزمن تنعدم السنین والأیام والساعات والثواني لأنھا وحدات لقیاس "الزمن" ولا حاجة لھا حیث ال"لا – زمن"، ونلاحظ أن موسى اكتشف ما اكتشفه في معرض تأمله في "الزمن" وتأثیره في حیاتنا كبشر "أیام سنینا ھي سبعون سنة وإن كانت مع القوة فثمانون سنة" مز ٩٠: ١٠.  

تطبیق معادلة موسى یوصلنا لبعض النتائج، منھا: 

١. إن اﷲ ھو الثابت الوحید في ھذه المعادلة وأن كل الأحداث التي مرت وتمر وستمر علینا – وعلى غیرنا – أیا كان طولھا بمقیاس "الزمن"، ھذه الأحداث لا قیاس لھا عند اﷲ في "اللا - زمن". بالرغم من ذلك، یبقى لھذه الأحداث قیمة، لكن لا یوجد ما یجعل أیا منھا الأقل أو الأكثر (لأن -  كما نرى – الیوم كالألف سنة والألف سنة كالیوم). 

٢. أیضاً حیث لا یوجد "زمن"، لا یوجد تتابع، لأن تتابع الأحداث (ماضي ß حاضر ß مستقبل) یتطلب وجود زمن یحدد أیھا یبدأ أولا وأیھا یتأخر، وحیث "لا-زمن" یكون الكل "حاضر" فقط، مما یعني أن كل الأحداث تحدث "الآن"، أي أنه رغم إحساسنا – في زمننا البشري - بتتابع الأحداث وتوالیھا، منھا الماضي ومنھا الحاضر وأيضاً المستقبل، لكنھا عند اﷲ وأمام عینیه "متوازیة" في "اللا-زمن"، أي أن كلھا یحدث في وقت واحد الذي هو "الآن" الذي لا يوجد غيره. 

من ھذا المنطلق یجوز لنا أن نقول إنه حتى استخدام التعبیرات اللغویة البشرية التي تعبر سواء عن "الماضي" أو عن "المستقبل" لا تتناسب مع ھذه الطبیعة في اﷲ، الطبيعة التي هي خارج الزمن، وإنما ھي فقط تعبيرات من باب تقریب المعاني لأذھاننا البشریة المحدودة حتى نستطیع استیعابھا (بالضبط كما یحدث في حالة الترجمة بین اللغات)، حیث أننا لا نستطیع – عملیا – لا أن نعبر بألسنتنا ولا حتى أن نفھم ونستوعب بعقولنا ما ھو خارج نطاق "الزمن".

على سبيل المثال، نحن یمكننا أن نستوعب الآیة التالیة كما ھي: "حزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه" تك ٦: ٦ (لاحظ أن الأفعال كلھا "فعل ماضي")، لأن التعبیر عن "الحزن" و"العمل" و"الأسف" بالفعل الماضي یدخل ضمن نطاق خبراتنا الشعوریة التي یمكننا أن نستوعبھا، ولأن ھذه "الحادثة" بالنسبة لنا "تاریخ" في نطاق "الزمن" البشري وكل ما جرى في ھذا "التاریخ" مضى وانتھى فأصبح التعبیر عما جرى فیه ھو تحصیل حاصل، یعني یصلح فیه التعبیر بالفعل الماضي، لكن لو تصورنا أنفسنا انتقلنا إلى نطاق "اللا-زمن" الذي یحیا فیه اﷲ، تكون ھذه الأحداث كلھا أمام اﷲ "حاضراً" یجري أمام عینیه كل لحظة (أي الأحداث التي یصفھا سفر التكوین ھنا "الحزن" و"عمل الإنسان" و"الأسف")........... 

(انقر هنا لتتابعنا)

تعالوا نستعین بأمثلة:  

- یوم خلق آدم بالنسبة لنا "ماضي" بعییییییییید جدا، ولكنھ بالنسبة لله حاضر "الآن".

- یوم أن أعطى اﷲ الناموس لموسى بالنسبة لنا ھي قصة حدثت منذ آلاف السنین نحكیھا لأولادنا ویظنھا البعض – من فرط قدمھا - أسطورة، ولكنھا بالنسبة لله "حاضر" یحدث في نفس "الآن" الذي خلق فیھ آدم. 

- یوم أن أخطأ داود خطیته القاتلة ھو بالنسبة لنا "تاریخ سحیق" نحكیه وقد أصبح أبطاله ترابا من تراب الأرض، وھو أیضا تالي لناموس موسى في تاریخ "زمننا" البشري، ولكنه أیضا "حاضر" أو "الآن" أمام عیني اﷲ في "اللا-زمن".

- الأبدیة السعیدة التي بالنسبة لنا نحن البشر "مستقبل" لا نعلم عنه شیئا بل نترقبه بكل أحداثه، ونتساءل: أین سیكون مكانه؟ ومن ھم أبطاله؟ فھو مازال مجھولاً بالنسبة لنا، لكن اﷲ في "اللا-زمن" یعیش ھذه الأبدیة في "الحاضر" أو "الآن"، ونحن نترقب - في رجاء - الیوم الذي فیه سنتمكن نحن البشر من مشاركة اﷲ ھذه الأبدیة بكل ثباتھا و"لا-زمنھا"، ولكن ھذا لا یحدث إلا للأرواح بعد أن تتحرر من الأجساد.

نطاقان

نقدر نقول اننا نخلص مما سبق إلى أننا نتحدث عن نطاقین او مجالين:

- نطاق كبیر لا متناھي یعیش فیه اﷲ وھو "اللا-زمن" 

- ونطاق آخر – "الزمن" - محدود جدا بدأ في وقت ما في تاریخ عالمنا الحاضر، وسینتھي یوما ما حین "تزول السماوات بضجیج، وتنحل العناصر محترقة، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فیھا" (٢ بط ٣: ١٠).

علامة اللانهاية مرسومة بالضوء الكوني
خبط الحنطة - الأبد الذي يحتوي الزمن

وینبغي أن نفھم جیدا أن اﷲ الغیر محدود وهو في اللا-زمن "یحتوي الزمن"، واﷲ لیس فقط كما يتصور البعض یراقب أو یتابع - من بعید -  الأحداث التي في "الزمن"، بل ھو فاعل (Active) فیھا ومتفاعل (Interactive) معھا ومع أبطالھا، وھو یؤثر في الحدث (أي حدث) لیس فقط بتدخله "المباشر" فیه بل أیضا بتدخل "غیر مباشر" من خلال التأثیر على تفاصیل الحدث وعلى شخصیات أخرى في نفس زمان الحدث أو في أزمنة أخرى سابقة أو لاحقة للحدث.

+ ماذا يعني هذا الكلام؟

خلينا نقول مثال:

في ھروب یونان إلى ترشیش، نرى اﷲ "یتدخل" بالأسلوبین ("المباشر" و"الغیر مباشر")، لكن دعونا أولاً نلاحظ أننا هنا أمام حدثین مختلفین یتقاطعان في لحظة

الحدث الأول: ھروب یونان وھیاج البحر ثم إلقاء یونان في البحر. 

الحدث الثاني: مرور الحوت تحت السفینة والتقاط یونان.  

فنحن نرى تأثیر اﷲ "المباشر" في الحدث الأول حال حدوثه لیغیر من مسار القصة واتجاه حركة یونان إذ "أرسل ریحا شدیدة إلى البحر، فحدث نوء عظیم في البحر حتى كادت السفینة تنكسر" (یونان ١: ٤)  ثم نرى اﷲ أیضا "یتدخل" بطریقة "غیر مباشرة" بتجھیز الحدث الثاني، لأنه "أعد حوتا عظیماً" ع ١٧، لأن الحوت رغم أنه كان موجودا تحت السفینة "في وقت" الحدث لیلتقط یونان، لكن لا شك أن "إعداد" ھذا الحوت تم قبل سنوات (یعني وقت آخر من "الزمن") وربما في مكان آخر غیر موقع إلقاء یونان في البحر، ثم أرسل الحوت إلى مكان یونان "وقت" أو"أثناء" سقوطه في البحر فقط....  (اقرأ: معلومة أو خيال - الأطفال الكبار ومعجزة يونان)

بالنسبة لنا نحن البشر، نرى ونروي ما حدث كتحصیل حاصل أي أننا نعلم النتیجة النھائیة، لكن كیف "یتم" (فعل مضارع) ھذا؟ ومتى؟ وكیف "یتقاطع" (فعل مضارع) الحدثان عند ھذه النقطة من الزمن؟ فھذا ما لا یمكننا تصوره إلا إن تمكنا من السفر والتنقل بین النطاقین "الزمن" و"اللا-زمن"...

مش تحب برضه تفهم لماذا "خبط الحنطة؟ أنقر هنا

+ السفر إلى "اللا–زمن" واستخدام الفعل المضارع:

ما نعنیه ھنا ھو أنه كما حلم ویحلم الروائیون بالسفر في داخل نطاق "الزمن" بین ماض وحاضر ومستقبل، نھدف نحن للانتقال ذھابا وعودة بین نطاق "الزمن" الذي یحددنا ویحكم تصوراتنا ونطاق "اللا-زمن" الذي یعمل فیه اﷲ، وخلال ھذا السفر نشاھد ونتابع الأحداث -  التي قرأناھا مئات المرات -  من وجھتي نظر مختلفتین تماما، نظرتنا نحن البشریة (في نطاق "الزمن")، وفي الجھة الأخرى نحاول تَلَمُّس نظرة اﷲ وتفاعله مع الحدث (في نطاق "اللا-زمن"). والفارق الجوھري ھنا ھو أننا في نطاق "الزمن" نرى الأشیاء على أنھا "ماضي" أو "تاریخ" حدث وانتھى، أما في نطاق "اللا-زمن" فلا نرى حدثاً یسبق الآخر بل كل الأحداث تسیر متوازیة وفي الحاضر أي "الآن"، أي أن الكل (كل الأحداث) یحدث "الآن"......... وبناءًا علیه سنستخدم الفعل المضارع فقط عندما نكون مسافرین إلى "اللا–زمن".  أتعشم تكون متشوق تعيش هذه التجربة! أنقر هنـــــا وتعال نسافر إلى اللازمن مع  حادثة الصليب وهي أهم ما يلمس حياة البشرية.

#خبط_الحنطة #تعالوا_نفهم

كتبت في مناسبة القيامة - ابريل ٢٠٠٩.

اقرأ أيضاً:

البحث عن  الله --- الله والزمن --- الفصح وعشاء الرب

تعليقات