منذ بداية الزمان كانت الرغبة في المعرفة والبحث عن أسباب كل ما هو غامض ومبهم هي قمة شهوة الإنسان والحافز وراء كل مساعيه في كل اتجاه، حتى أن أول "أحداث" يرويها لنا الوحي المقدس عن تاريخ البشرية كانت مرتبطة أيضاً بالرغبة في المعرفة ("معرفة" الخير والشر)، والمعرفة قوة في نظر الكثيرين وهي فعلاً امكانية لا يستهان بها، والسبب الذي دفع الإنسان إلى عصيان أول "نهي" إلهي مباشر (لاَ تَأْكُلْ) كان هو الطموح إلى المعرفة في اقصى مدى لها: "تَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك 3: 5). فالوصول للمعرفة عادلت في نظر الإنسان الوصول لمستوى الألوهية.
![]() |
| خبط الحنطة - المعرفة بين الأماني والواقع |
شهوة المعرفة كالماء المالح لا يروي:
ولقد كان الفضول البشري والبحث عن كل أنواع المعارف هو السبب الأول والأهم من أسباب كل ما تم من تقدم في حياة الجنس البشري على هذا الكوكب وما وصل اليه الإنسان من إنجازات، ورغم كل ما تم من هذه الإنجازات لكن يظل امام الإنسان كمٌّ هائل وغير محدود من المجهول الذي ينتظر من يبحث لاكتشافه والتعرف عليه، لذلك نرى كل من خاض مجال البحث عن المعرفة لا يشبع، فشهوة المعرفة والعلم - مثلها مثل كل شهوات العالم - هي ماء مالح لا يرتوي ابداً كل من يشرب منه، ومع هذا، نحن نثني على هؤلاء الذين يقرِّون بأن ما وصلوا اليه هو "لا شيء" وأنهم مازالوا يتطلعون إلى الكثير من البحث للوصول للمزيد من المعرفة والعلم، وهذا صحيح ويستحق الإطراء من وجهة نظر الحكمة الإنسانية البحتة.
المعرفة الانسانية من منظور أبدي:
يحدثنا الرسول بطرس (٢بط ٣: ١٠) عن يومٍ "سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ" فيه يفقد تعبير المعرفة قوة أي قيمة على كل المستويات، لأن كل هذه "المعارف" مرتبطة ب"سماوات" الفلك وبأرضنا التي نعيش عليها، واليوم الذي يتكلم عنه بطرس فيه "تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا."، وعندها لن يبقى إلا أرواحنا نحن البشر لتذهب إلى "مصيرها الأبدي"، يومئذٍ ستصبح الحياة السابقة بطولها كله (حتى لو كانت ١٢٠ سنة) نقطة غبار أو نفثة بخار بجوار طول الأبدية، وعندها تصبح كل معارفنا السابقة جهالة لو قارناها بكمال المعرفة التي ستتضح في الأبدية، لذلك يبقى السؤال الأهم في هذه الحالة: اين ستقضي هذه الأبدية؟
![]() |
| خبط الحنطة - المعرفة بين الأماني والواقع |
جميل أن تعرف وتدرس وتفهم وتملأ ذهنك بكل ما هو مفيد ونافع، وجميل ان تضع ولو حجراً صغيراً في بناء مساهمات البشر في تقدم الحضارة البشرية من خلال المعرفة والعلم، لكن صدقني لو أنك بعد كل هذا الجهد انتهى امرك في جهنم إلى الأبد أو في العدم الأبدي (أو سَمِّها ما شئت)، فالحسبة – منطقياً – خاسرة جداً.
العبرة بالنتيجة وليس بمتعة البحث
خليني اقولها بتمثيل بسيط، لو أنك في متاهة وتحل الغاز تقودك في الطريق للحل، فالعبرة بالنتيجة: ان تصل الى النهاية وتخرج من المتاهة، لكن أن تعتبر البحث متعة بينما لا يوصلك هذا البحث إلى مخرج، فهكذا أنت تضيع عمرك، وتخاطر بمصيرك الأبدي.
لكن عاوز أقول لك خبر طيب: مسرة الرب هي حياتك إلى الأبد، لهذا يقول الرسول بطرس في العدد السابق مباشرة: "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ." (٢بط ٣: ٩)
#خبط_الحنطة
٢ سبتمبر ٢٠١٨ – تاريخ النشر في الفيسبوك


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..