ونحن نتحدث عن كتابة و"تسليم" الكتاب المقدس (والعهد الجديد تحديداً) نتعامل مع نوعين من التصورات التي ينتج عنها اتهامات او أي نوع من التشكيك.
![]() |
| خبط الحنطة - العهد الجديد بين الكتابة والتسليم. |
التصور الأول - حول جدال قانونية الأسفار:
وهذا التصور يستغل تلك الشائعات المتواترة التي لا دليل عليها أن الجدال حول القانونية "تبلور" بشكل واضح وتم وضعه في قالب قانوني في القرن الرابع وتحديداً في مجمع نيقية عام ٣٢٥م، وهذا ما يلهب خيال البعض كأن الكنيسة كانت نائمة ٣ قرون وصحت فجأة تبحث عن كتبها المقدسة، والحقيقة، أنا أقول "شائعات" لأنها فعلاً لا تمت للحقيقة بأي صلة، وفقط يتمسك بترديدها كل من في قلبه هوى وغرض فيتشبث بما يريح قلبه ويلهب هواه فيربط مجمع نيقية والأناجيل بدون أي أساس تاريخي حقيقي، ويمكنك عزيزي القارئ أن ترجع لمقالاتنا عن الجدل الأريوسي ومجمع نيقية، وأيضاً مقالنا عن الامبراطور قسطنطين المفترى عليه وعلاقته بالجدل الأريوسي ومجمع نيقية، وأيضاً كافة المقالات ذات الصلة، كل هذا لتكتشف أن مجمع نيقية لم يكن على جدول أعماله أي ما يمت بصلة لتقرير قانونية أو عدم قانونية الأسفار المقدسة، لكن المجمع انعقد لسببين أساسيين، الأول كان لبحث ومعالجة الجدل الأريوسي، والثاني كان مسألة توحيد موعد عيد القيامة بين الشرق (الكنائس التي استخدمت اللغة اليونانية) والغرب (الكنائس التي استخدمت اللغة اللاتينية)، بالإضافة إلى بحث موضوعات أخرى تنظيمية تختص بالشؤون الداخلية للكنيسة. والقارئ العزيز يمكنه أن يبحث ويجد قرارات المجمع العشرين ويبحث بنفسه إن كان يوجد فيها أي شيء يخص أسفار العهد الجديد أو حتى العهد القديم..
تاريخ كتابة العهد الجديد
بكل أسف ألاحظ أن البعض ينهمكون (أو يُبتَلَعون) في هذا الجدال المبني على تلك "الشائعة" التافهة دون الانتباه إلى التنبير المستمر إلى أن "جذور" الاعتراف بأصالة أسفار العهد الجديد، وأن كتابة الغالبية العظمى لهذه الأسفار تمت خلال حوالي ربع قرن بعد أحداث العهد الجديد وقيامة الرب يسوع من الأموات (يمكنك أن تقرأ مقالنا عن تاريخ كتابة الأناجيل وقربها من زمن الأحداث)، ويمكن العثور على هذه الجذور بسهولة في كتابات الآباء الرسوليين من اواخر القرن الاول والنصف الأول من القرن الثاني، وقد تم "تسليم الأسفار المقدسة" والاعتراف بها وتداولها بين آباء الكنيسة - جغرافياً من مكان لآخر وتاريخياً من جيل لجيل - بدءاً برسل المسيح ووصولاً إلى ما قبل القرن الرابع بكثير، فالوثيقة الموراتورية، على سبيل المثال، ترجع للعام ١٧٠م، وتشمل قائمة بالغالبية العظمى من اسفار العهد الجديد التي تحوي كل ما يخص العقائد الأساسية للإيمان المسيحي. وأنا في الحقيقة أتفهم السبب في تفادي "البعض" لكلمات مفتاحية وضرورية في هذا الشأن، مثل "تقليد" و"تسليم"، حيث أنها تعبيرات ينظر إليها البعض "بشوية حساسية" كما تعلمون، خصوصاً في وسط الكنائس المصلحة. (اقرأ: الأناجيل هي سجل شهادات عيان)
![]() |
| خبط الحنطة - مخطوطة لفقرة من متى ١ من القرن ٣ من متحف بنسلفانيا |
التصور الثاني ومنبعه تأثير الثقافة المحيطة:
حيث أننا نتحرك في وسط ثقافة تبجل بل واعتمدت على "التواتر الشفوي" دون أي أثر لمادة مكتوبة لمدد طويلة امتدت لقرون، لذلك فالكلام عن "التسليم" في هذا الجو قد يوحي للبعض بأن "التسليم" الذي نتحدث عنه للعهد الجديد هو أيضاً "تواتر شفوي" مماثل، ورغم أن التواتر الشفوي لعب دوراً لا يستهان به ولا يمكن إنكاره في البدايات الأولى، لنَقُلْ في أول عقدين أو ثلاثة عقود، لكن التسليم الذي يعول عليه بالأكثر كان في واقع الأمر ما تلا ذلك، ألا وهو تسليم "مادة مكتوبة" ومنذ البدايات المبكرة، وما لدينا من المخطوطات المبكرة جداً التي وصلتنا مع كتابات الآباء من القرون الثلاثة الأولى ما يمثل خير شاهد على هذه الحقيقة.
لذلك وبسبب هذه التصورات الخاطئة يلزم أنه - في كل مرة - ومع الاهتمام بالتنبير على "التسليم" يلزم التأكيد على أن هذا التسليم كان لمادة مكتوبة وليس لأقوال محفوظة شفاهة، خصوصاً بعد الانتهاء من تدوين العهد الجديد مع نهايات القرن الأول الميلادي، فقد ثبت بالبحث والدراسة أنه يمكن جمع كل آيات العهد الجديد - ماعدا ١١ عدداً فقط - من اقتباسات آباء الكنيسة الأُوَل والتي وصلت إلينا مسجلة كلها كتابةً. (اقرأ أيضاً: انتخاب وانتخاب)
#خبط_الحنطة


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..