(متى ١١: ٧ – ١١) "٧وَبَيْنَمَا ذَهَبَ هذَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟٨لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ.٩لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ.١٠فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ.١١اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ." (بمكن أن تقرأ كل ما فات ابتداءً من 👈هنا)
![]() |
| خبط الحنطة - رأس يوحنا المعمدان |
صفات في خادم سيئ
بعد ذهاب رسولي يوحنا (أقرا المقالات السابقة)، نجد الرب يمدح المعمدان، واستخدم في توصيفه ليوحنا المعمدان أسلوب السؤال الاستنكاري مع "وصف الشيء بما ليس فيه"، وهو أسلوب نذكر فيه الصفات التي لا تجدها فيمن تصف. والرب هنا يصدمنا من جديد بتقديم صفات لخادم سيئ في الكتاب المقدس، صفات لا يصح ان تكون في المؤمنين عموماً وفي الخدام على وجه الخصوص، وهو هنا ينفيها عن يوحنا:
١. لم يكن المعمدان:المتلون المنقاد بكل ريح تعليم
"مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟" (متى ١١: ٧)
الريح تضرب بشدة مرة من اليمين فتذهب القصبة يساراً ومرة من اليسار فتذهب القصبة يميناً، ومرات من الخلف وغيرها من الأمام فتتحرك القصبة مع الريح للأمام وللخلف، القصبة ليس لها حيلة ولا قرار في أي اتجاه تذهب لأن الريح هي التي تدفعها، والريح هنا هي "الأفكار والتعاليم"، والرسول بولس يحذرنا كمؤمنين "كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ." (أفسس ٤: ١٤).
يوحنا رجل الثبات في الخدمة على العكس من تلك القصبة المتمايلة، فبشهادة الرب وشهادة الكلمة المقدسة لم يكن قصبة تحركها الريح، ريح الآراء والأهواء، ريح التعاليم التي تتغير على مدار الساعة والمبادئ المطاطة. لكن يوحنا كان رجل مبادئ:
- يوحنا وقف أمام هيرودس الطاغية ولم يخش العاقبة في قضية لا تحتمل المناقشة وقال له رأياً واحداً: «لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ» (مرقس ٦: ١٨)، وتمسك برأيه إلى النهاية الدموية المحتومة ولم يتراجع. (أنظر الصورة)
![]() |
| خبط الحنطة - يوحنا يواجه هيرودس |
- يوحنا المعمدان "لَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ،" لم يخش سطوتهم وأيديهم "الطايلة"، ولم يحابِ لوجوههم كما فعل الكثيرون، خصوصاً وأن من بينهم كهنة ووجوه المجتمع، ما نعرفه عن يوحنا أنه "قَالَ لَهُمْ: «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟٨فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ.٩وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ.١٠وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ." (متى ٣: ٧ – ١٠).
بعض الخدام - بكل أسف – يتصورون أنهم لكي يكونوا مؤثرين في المجتمع عليهم أن يتلونوا بألوان المجتمع اياً كانت حالته وهم يبحثون عن "الموجة الرايجة" ويركبوها، ظناً منهم أنهم هكذا يقنعون مستمعيهم بما يقدمون، ولكيلا يكونوا مثل "الشريك المخالف" أو "ضد التيار" (هكذا يتصورون).
- فنحن نرى بعض من تصدوا لخدمة الرب وقد تصوروا أنهم يطوعون تعاليم ربنا يسوع المسيح لتيارات العلم الحديث والاجتماع والفلسفة والنظريات العلمية المرتبطة بالأنثروبولوجيا ونظرية "الانتقاء الطبيعي" التي عليها الكثير من علامات الاستفهام والتعجب لا لشيء إلا ليكونوا مقبولين من مستمعيهم، أولئك الذين يحترمون "مرجعية" هذه العلوم ويعتبرونها فوق مرجعية كلمة الله.
- أيضاً رغم معرفتنا بأن الله طويل الروح وكثير الرحمة لكننا نعرف أيضاً أنه "أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ" (أعمال ١٧: ٣١)، وهذا جزء من رسالتنا المسيحية ويجب أن يعرفه الجميع، لكننا نرى خداماً يخجلون من فكرة الدينونة هذه ويتبنون فكرة أن الله الرحيم المحب لا يمكن أن يُهلك الناس، مدغدغين بهذه الفكرة الضمائر الخاطئة فتظل في خطاياها ولا تتوب عن شر طريقها.
هؤلاء (الخدام) وهم يقدمون تنازلات عن مبادئهم ورسالتهم التي يُفترض بهم حملها، هم يتصورون انهم لو فعلوا هذا سيكون لهم تأثير أكبر وسيستطيعون اكتساب أراضي أكبر من لو أنهم تمسكوا بكلام الله ورسالته للبشر. و"الحكمة البشرية" قد تعتقد هذا، لكن يسوع يصدمنا إذ يقول لنا جميعاً إن مثل هذا الخادم - الذي يقدم تنازلات من مبادئه ورسالته - هو "قصبة تحركها الريح". بل نراه يقول لملاك كنيسة فيلادلفيا: "هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ، لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي." (رؤيا ٣: ٨).
والرسول بولس سار على درب سيده فنراه يحذر تلميذه "الخادم" تيموثاوس من الغرق في مستنقع المجاملة والتلون في محاولة لإرضاء الناس، بل يوصيه أن يكون - كالمعمدان - شديداً في الحق: "٢وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ. ٣لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، ٤فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ." (٢تيموثاوس ٤: ٢)
مع الأسف، نحن نرى "قصبات" كثيرة تحركها الريح هذه الأيام:
٢. لم يكن المعمدان: من أصحاب المراكز الرفيعة والشهادات العالية
![]() |
| خبط الحنطة - لباس يوحنا المعمدان. |
يواصل الرب صدماته بمخالفة توقعات الحكماء من البشر إذ يضيف صفة أخرى لا يصح أن تكون في الخادم:
(متى ١١: ٨) "لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ."
الثياب الناعمة هنا دليل على المظهر اللامع البراق، دليل على المكانة الاجتماعية - والعلمية - لصاحبها، ولقد كانت مظاهر "المجد والبهاء" أحد مستلزمات رجل الدين، التي انتقدها الرب يسوع في عدة مواقف عندما وصفهم بأنهم "يُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ" (متى ٢٣: ٥)، وأيضاً "يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَيُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ." (لوقا ٢٠: ٤٦).
وأصبح مع الأسف تصوراً سائداً عند الكثيرين في العصر الحالي أن المكانة الاجتماعية والشهادات العلمية تؤكد على مصداقية الخادم وصلاحيته لتوصيل رسالة المسيح ، وكم نرى من سعي الكثير من الخدام للحصول على لقب دكتور (مثلاً) متصوراً ان هذا سيؤهله أكثر للتأثير في الناس، لكن الرب يسوع يجيبنا بأنه "هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ" أي أنهم بعيدين عن الناس وأعلى منهم، بينما لم يكن يوحنا في بيوت الملوك بل في البرية "يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبِلِ، وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ، وَيَأْكُلُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا." (مرقس ١: ٦)، طلباته لنفسه قليلة ولا يعتمد على أي نوع من "الابهار" لمستمعيه، ورغم أن يوحنا كان كاهناً ابن كاهن ومن أسرة كهنوتية صِرْفة (الأب والأم من بيت هرون). أي انه كان له الحق في الاستفادة من موقعه الاجتماعي كما فعل غيره، لكنه لم يكن يوماً من الحريصين على استكمال مثل هذه المظاهر أبداً.
الخلاصة:
١. يوحنا المعمدان في متى ١١ لم يكن المتلون المنقاد بكل ريح تعليم
٢. ويوحنا المعمدان لم يكن من أصحاب المراكز الرفيعة والشهادات العالية:
هؤلاء الذين - سواء في عصره أو في أي عصر - يتبخترون على الناس بما تعلموه وعرفوه، نرى هنا الرب يسوع له المجد - على العكس - يقرر عن المعمدان حقيقة لم يطُلْها أصحاب التعاليم والكلمات المنمقة، ولم يطلها أصحاب المناصب الرفيعة والمكانة الاجتماعية العالية. تلك الحقيقة تقول أن المعمدان: "نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ........ لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (متى ١١: ٩، ١١). #خبط_الحنطة
اذهب إلى المقال التالي: الرسالة وليس الإناء.
٥ ديسمبر ٢٠١٧ - تاريخ النشر في فيسبوك.
أسئلة شائعة:
١. ما معنى "قصبة تتمايل" التي نفاها يسوع عن يوحنا؟
تعني الإنسان المهزوز المنقاد والمتلون الذي يتبع كل ريح تعليم أو يميل مع الرأي العام ليُرضي الناس. يوحنا لم يكن كذلك؛ كان ثابتاً في مبادئه حتى في مواجهة هيرودس والفريسيين، ولم يغير رسالته حسب الظروف.
٢. لماذا استخدم يسوع صورة "ثياب فاخرة" في وصف يوحنا؟
لينفي عنه صفة الخادم الذي يسعى للمظاهر والمراكز الاجتماعية والثياب الناعمة وبيوت الملوك. يوحنا عاش في البرية بثياب وبر الإبل، بعيداً عن البهرجة والتباهي، مما يبرز تواضعه الحقيقي.
٣. هل يعني هذا أن كل من يرتدي ملابس جيدة أو يعيش في مكان مريح هو خادم غير أمين؟
لا طبعاً. المقصود ليس الملابس بحد ذاتها، بل قلب الإنسان. المشكلة هي عندما يصبح المظهر والمكانة ورضى المجتمع المحيط أهم من الرسالة والثبات في الحق.
٤. لماذا مدح يسوع يوحنا بهذا الشكل أمام الجموع؟
لأن يوحنا كان يمثل النموذج المخالف للخادم المنقاد المتلون والمهتم بالمظاهر. يسوع أراد أن يعلّم الجموع (والأطفال) أن العظمة الحقيقية في الثبات والتواضع، لا في التمايل مع الرياح أو البهرجة الخارجية.
٥. كيف أتجنب أن أكون "قصبة تتمايل" أو أبحث عن "ثياب فاخرة" في خدمتي اليوم؟
تمسك بكلمة الله دون تجميلها أو تخفيفها لإرضاء الناس. لا تخف من المواقف الصعبة، ولا تجعل المظهر أو الشعبية وإرضاء الجماهير هدفك، كن أميناً لرسالة الله التي حملها عليك.



احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..