-->

نبوات مستقبل العالم.. كأنهم يريدون معاونة الله!!

أكبر استفسار عندي لا أدرك له إجابة، ومهما سمعت أو قرأت من مبررات، لا يمكنني استيعابه: كيف يمكن لأحد مهما كانت قدراته أن يقول إنه يعمل مع الله ليحقق أغراضه (أي الله) في التاريخ وفي هذا العالم المادي؟

شخص ينظر للأفق من خلال منظار طويل مفرد
خبط الحنطة - نبوات مستقبل العالم

وعلشان بس ماحدش يفهمني غلط، أنا أؤمن أن هناك مأمورية عظمى كلفنا الرب بها:

"١٩فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.٢٠وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ." (متى ٢٨: ١٩، ٢٠).

وبولس يعرِّف نفسه مع أبولُّس بأنهما "عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ" (١كورنثوس ٣: ٩).

بل إن حياتنا في المسيح هدفها الأساسي أننا "مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أفسس ٢: ١٠).

كما أن أعمال الله لابد أن تؤدَّى بحسب ما يرسمه الرب: "٨فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ. ٩بِحَسَبِ جَمِيعِ مَا أَنَا أُرِيكَ مِنْ مِثَالِ الْمَسْكَنِ، وَمِثَالِ جَمِيعِ آنِيَتِهِ هكَذَا تَصْنَعُونَ." (خر ٢٥: ٨، ٩).

لكن استفساري واستغرابي هو بخصوص هذا التصور عند البعض عن التعاون مع الله ليس في مجرد "أعمال صالحة" أو "كرازة وتلمذة"، بل في مهام أخرى، كلامي هنا عن أغراض الله من التاريخ والدول والعالم المادي، وهذا شأن مختلف تماماً.

سلطان الله على التاريخ

طبعاً نؤمن أن لله سلطان على التاريخ، أي أنه يحرك التاريخ بحيث يحقق - في إجماله - إرادة مرسومة منه حدد بدايتها ويعرف نهايتها، والرب هنا يتعامل مع العالم بطبيعته (عواصف.. براكين.. زلازل)، وبشعوبه (أراضي وبلدان.. أعراق.. أديان.. أيديولوجيات)، وبسياساته (حكومات.. سياسة.. اقتصاد.. جيوش... الخ).. وهو في هذا – من جهة – يوظف قدرات إيجابية وابداعية وهبها للإنسان، والتي تشمل – من ضمن ما تشمل – قدرات الذكاء والإبداع، والدوافع النبيلة ونوازع الضمير الإنساني المغروس في كيان البشر، لكن - من جهة أخرى - هو أيضاً يتفاعل مع سلبيات كثيرة منتشرة نابعة من طبيعة البشر الشريرة بالسليقة، وهو يتفاعل مع خطايا الحكام والزعماء سياسيين أو عسكريين، حروب واحتلال واستعباد شعوب لشعوب، وسلب ونهب ومآسي إنسانية شهدناها ونشهدها على مسار التاريخ كله. فالله يمكنه العمل حتى من خلال آلام ومعاناة البشر بسبب الشرور العديدة التي لا يدعو لها ولا يشجع عليها ولا حتى يخطط لها أو يتسبب فيها، بل المتسبب هو إبليس وجنوده (أقرأ الله والشر.. الجدلية اللانهائية) وأيضاً أطماع البشر ودمويتهم وحقارة أفكارهم. وسط كل هذا، هو يحقق أهدافه في مسار العالم والتاريخ بحكمة فائقة بالرغم من نتائج هذه الشرور.

إن الرب بحكمة بالغة تفوق إدراكنا يرسم بكل هذه المكونات التي لا تخلو من البشاعة أروع لوحة موزاييك تمجد صنيعه، ولا تكتمل وتتضح صورتها إلا عندما يصل العالم إلى ذروة أحداثه، فنحن في العادة لا يمكننا مسبقاً استيعاب أو تصور الخير الذي يستطيع الرب استخراجه من كل تلك المكونات إلا بعد أن نراه ماثلاً أمامنا وقد تحقق. فالله – مثلاً - لم يدفع اليهود لمقاومة الرب يسوع والمطالبة بصلبه، وهو لم يضع حكم الموت على لسان بيلاطس، ولم يمسك بأيدي الجنود الرومان ليجلدوا جسد رب المجد أو ليدقوا المسامير في يديه ورجليه، لكن مع هذا، ومن خلال هذه الأحداث، حصل أعظم انتصار لله صاحب قوة الخير العظمى في الكون على أحقر وأعتى قوى الشر في العالم "إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ [الصليب]." (كولوسي ٢: ١٥). وهكذا يتحرك الله القدير بقطار التاريخ البشري على المسار الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى الهدف النهائي الذي ينشده..

اهتمام البشر بمعرفة المستقبل

والحقيقة أن الانشغال بالخفايا وتحديداً ماذا يخبئه الغد هو أكثر ما شغل ويشغل أذهان البشر على مر العصور. في الواقع، الفضول الطاغي لتلمُّس ما يخبئه المستقبل بجوار ضغط مسؤولية اتخاذ القرارات الحيوية التي تخص الواقع الحاضر وتؤثر في المصائر، كل هذا يسيطر بقوة على الأفراد والمجتمعات مهما اختلفت التوجهات، والأمر يزداد انتشاراً بشكل ملحوظ حتى أن استشارة العرافين، وتنبؤات قارئي الكوتشينة والأبراج وغيرها أصبحت بنداً شبه ثابت في كثير من البرامج التليفزيونية خلال الأسابيع الأخيرة من كل عام.. وهذا ليس في دول بعينها دون الأخرى، بل في غالبية دول العالم وفي كل الطبقات الاجتماعية.

وعلى عكس التوقعات، يبدو أن التطور المعرفي والتكنولوجي وإمكانيات التواصل والمعرفة اللحظية للتطورات العالمية من التليفزيون والمواقع الإخبارية أو حتى من التفاعل الحاصل على وسائل التواصل الاجتماعي، كل هذا لم يشبع في البشر الفضول ولم يخفف الاهتمام (من "الهم")، بل زاد من الشهوة الآنية الملتهبة لمعرفة ما يحدث وبالأكثر ما "سيحدث"، وقد زاد التأثير السلبي لهذه التفاعلات، سواء داخل قلوب وعقول الأفراد، أو بين البشر بعضهم البعض، فمنذ أن بدأت قناة سي. إن. إن. تقليد النقل الحي المباشر للقصف الأمريكي على بغداد في ١٩٩١، أصبح المشاهد يعايش اللحظة بكل ما فيها من ألم وأمل، ارتباك وخوف أو حتى رجاء في نتائج أفضل، وقد شهدنا هذا وعايشناه مؤخراً مع وباء كورونا مثلاً، ومع حروب تجري الحين سواء في أوكرانيا أو في إيران. لا أتصور وجهاً للمقارنة إطلاقاً بين هذه الحال الآن وما كان عليه حال متابعي أحداث الحربين العالميتين من خلال الصحف، ولا حتى متابعة المصريين لحروب ٦٧ و٧٣ مثلاً، من خلال الإذاعة.

النبوات الأُخروية وتفسيرها

أما في المجال الديني عموماً، فلا تخلو عقيدة دينية على وجه العموم من جزئيات تخص مستقبل الأيام، وواحد من الأدوار الرئيسية التي اعتاد الكاهن العبراني على القيام بها في هيكل العبادة كان البحث عن مشورة الله لصالح المتعبدين من خلال الأوريم والتُّمِّيم. كما أن مصير العالم وما سيجري فيه كان واحداً من موضوعات مشغولية المؤمنين، وقد اجتهد ويجتهد كثيرون في محاولة تبيُّن خبايا ما في النصوص الدينية من أمور تختص بالمستقبل من خلال القراءات التفسيرية للنصوص بالرغم من تباينها الشديد، ويزيد هذا النوع من الاهتمام التهاباً كلما شهد العالم أحداثاً عالية الوتيرة كالحروب والأوبئة والمجاعات، تلك التطورات التي تحمل في طياتها الكثير من الارباك والتهديد لمصائر البشر والمساس بكل ما يخص أقوات يومهم وحياة ومصير أبنائهم وأحبائهم. وهنا يزيد اهتمام الناس بقراءة النبوات ومحاولة فهم تفسيراتها والاجتهاد في تطبيق رصيد النبوات لديهم على أرض الواقع الحاصل أمامهم في محاولة لاستشراف ماذا يخبئه الغد.

وخلونا نتفق على حقيقة لا يمكن إنكارها، أنه مهما وثقنا في صدق نبوات مستقبل العالم ودقتها وفي مصدرها، فإنه بسبب غموض صياغة النبوات واختلاف التفسيرات، لا يمكن – عملياً – التأكيد على مطابقة الحدث الحاصل مع النبوة السابقة عليه إلا بمشاهدتها وقد تحَقَّقت أمام عيوننا، ولنا في نبوات المجيء الأول للمسيح خير دليل على صواب هذه النظرية، فكتَّاب العهد الجديد ما استطاعوا فهم النبوات التي تختص بمجيء المسيا وكيفية تطبيقها إلا بعد أن شهدوها أمام عيونهم حادثة، بدليل أن الرب نفسه وبخ بطء قلوب تلاميذه لعدم فهمهم النبوات الخاصة به: "٢٥فَقَالَ لَهُمَا: «أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ!٢٦أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟»٢٧ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ." (لوقا ٢٤: ٢٥-٢٧)، وبالرغم من أنه "حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ." (لوقا ٢٤: ٤٥)، لكن كان له موقف واضح لا يقبل اللبس من جهة الأخرويات تحديداً بحيث لا يصح أن نتجاهله.

الرب يسوع ومعرفة المستقبل

الغريب في الأمر هو أن الرب يسوع عندما سُئِل في أمر المستقبل، خصوصاً فيما يخص مستقبل شعوب العالم ومصير شعبه على وجه التحديد، كانت اجابته قاطعة حاسمة في هذا الأمر:

«لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ» (أعمال ١: ٧)

ولأن التلاميذ – كغيرهم من البشر – لم يتوقفوا عن السؤال بخصوص المستقبل، اكتفى الرب في إجابته إياهم بذكر "علامات" فقط، ثم حتم وختم بالقول:

«وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ.» (متى ٢٤: ٣٦). وأنه «فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ». (لوقا ١٢: ٤٠)، ثم يضيف السبب الأساسي الذي لأجله ليس معلناً لنا موعد مجيء الرب وانتهاء الدهر: "فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ." (متى ٢٥: ١٣) أي أن نبقى على أهبة الاستعداد باستمرار هذا هو الهدف الأسمى..

وإن كان الرب له كل المجد قد أعلن استحالة هذا النوع من المعرفة، فلم يجد الرسول بولس بداً من السير على نفس المنوال:

"١وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا،2لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ." (١تسالونيكي ٥: ١، ٢)

وبطرس لم يكن أفضل منه، حيث أعلنها صريحة باستخدام نفس التعبير "لص في الليل":

"وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا." (٢بطرس ٣: ١٠) ثم يضيف نفس السبب الأساسي الذي لأجله حجب الرب عنا موعد مجيئه: " فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟" (٢بطرس ٣: ١١). وبناءً عليه، كل المطلوب منا هو أن نظل "مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ" (٢بطرس ٣: ١٢)، فقط أن ننتظر ونطلب سرعة مجيء الرب:

"آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ." (رؤ ٢٢: ٢٠)

لماذا يبدو كأنهم يريدون معاونة الله؟!!

أما وقد رأينا موقف الرب يسوع من جهة إعلان الأحداث المستقبلية كما أسلفنا، يصبح من الغريب جداً ليس فقط أن يحاول أحدهم اكتشاف ما يخبئه المستقبل للعالم، بل الأغرب أن يجتهد في محاولة منه "لمعاونة الله" بتحقيق أسباب مجيئه سريعاً، وأنا هنا لا أتكلم عما يأمرنا به بطرس بنفسه وقرأناه آنفاً: أن ننتظر في سيرة مقدسة ونطلب سرعة المجيء، لكن أن يتدخلوا في سياسة العالم - ومؤكد بأساليب العالم الذي هو موضوع في الشرير أصلاً - فيملِّكون الأراضي ودولاً بكاملها لمن يرون أن امتلاكه يحقق نبوات الملك الألفي السعيد (حسب فهمهم)، ولا أظنهم من السذاجة بمكان لدرجة التغاضي عما يحدث من "تجاوزات أخلاقية" أثناء تحقيق هذه المساعي، وهم يتصورون أنفسهم هكذا يقدمون خدمة لله. لا أظن أني قادر على استيعاب هذا النوع من التفكير، مهما حاولوا من تفسيرات وتبريرات فلا يمكن أن تدخل هذه النوعية من التبريرات إلى تلافيف عقلي بأي شكل. مازال يصعب عليَّ استيعاب كيف أن البعض يتصورون أن الرب في وسط هذا ينتظر منهم أداء أدوار السياسة القذرة مع الحفاظ على نقاء إيمانهم.. اللي يعرف ياريت يفهمني.

ملحوظة: بقي أن أقول إنني شخصياً لا يشغلني ولم اجزم رأياً بخصوص "تفاصيل" عقيدة المجيء الثاني وكيف ومتى سيحدث، وما هي مقدماته، وأتجنب الدخول في جدالات لا طائل من ورائها أرى أن الأفضل منها هو الاهتمام بتنفيذ وصية الرب بهذا الخصوص:

"فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ." (متى ٢٥: ١٣)

#خبط_الحنطة

تعليقات