-->

فترة ما بين العهدين - الحقبة المنسية

يختلف الكثيرون في التحديد بدقة للمدى الزمني ولتاريخ البداية والنهاية لفترة ما بين العهدين، وفي هذا الشأن ستقرأ أرقام متعددة، فهناك من تجده يطلق التاريخ ٤٠٤ ق.م. كبداية و٤ ق.م. كتاريخ نهاية دون تحديد واضح لأسباب اختيار التاريخين، بينما هناك آخرون يقولون بأن ما بين العهدين بدأت مع نهاية سفر ملاخي ٤٢٠ ق.م. وانتهت مع بشارة يوحنا المعمدان ٢٥م.، في الوقت الذي يؤرخ آخرون بدايتها مع ولاية نحميا ٤٣٣ ق.م. والنهاية بميلاد المسيح ٥ ق.م.، لكن على وجه العموم نستطيع القول بأن الحقبة المعنية تتزامن تقريباً (ولا تتطابق) مع الهيكل الثاني منذ أن بناه زربابل حتى تم تخريبه وحرقه على يد الرومان سنة ٧٠ م. اختصاراً تقدر بـ"400 سنة بين العهدين" وهي التي حوت أحداث تاريخ ما بين العهدين بكل ما حصل فيه.

رسم بالأبيض والأسود لجماهير غفيرة من جنود الثورة بالزي العسكري متحلقين حول قائدهم الذي يخطب فيه.
خبط الحنطة - الثورة المكابية

أيضاً تعرف فترة ما بين العهدين ببساطة بأنها "فترة ٤٠٠ سنة صمت" حيث يشار فيها إلى صمت الله بين العهدين، لأن اليهود آمنوا ان النبوة انقطعت مع بدايتها، ورغم توقف النبوة لكن إسرائيل لم تكن صامتة أبداً خلال نفس الفترة لا من حيث الأحداث السياسية التي سجلها التاريخ ولا من حيث التغييرات الاجتماعية والفكرية الحاصلة، فلقد كانت فترة حراك كبير وتغييرات جذرية إذ قد تم غزو تلك البلاد وإعادة غزوها مرات عديدة. على المستوى الأوسع عالمياً، فقد كانت سياسياً فترة إعادة تنظيم الكتل السياسية التقليدية بينما ثقافياً شهدت نفس الفترة زوال التقاليد الثقافية التقليدية التي ظلت سائدة طوال ٣٠٠٠ عام، أما محلياً فقد شهدت تطورات عديدة في الفكر اليهودي، فجماعات مثل الفريسيين والصدوقيين والأسينيين نشأوا وبرز منهم من برز خلال نفس الفترة، هذا بخلاف المؤلفات والفكر الذي تبلور وتم نشره منسوباً لنفس تلك الفترة.

باختصار، أحداث تلك السنوات هي ما شكل "عالم العهد الجديد" الذي نقرأ عنه ابتداءً من متى ١: ١.

لماذا انتهى زمن العهد القديم؟

رغم أن بحار من الحبر تم كتابتها في جدليات وأبحاث حول هذا الموضوع إلا أنه لا يوجد اجماع عام على سبب واضح نقول أنه لهذا انتهى العهد القديم، وكل ما يمكن قوله في هذا الشأن أن السبب المعلن هو أن العهد القديم اختتم عندما تم تسجيل الكلمات النهائية للأنبياء، ومن المؤكد أن الله غير من أسلوب تواصله مع البشر (عب 1: 1)، أيضاً حدث تغيير في قلوب الناس، فبعد السبي أصبح هناك حمية متجددة بين شعب إسرائيل لحفظ التوراة لأن اليهود ببساطة لم يريدوا أن يعودوا للسبي ثانيةً. كانت التوراة والكتب والأنبياء (التقسيم الثلاثي اليهودي للعهد القديم والمعروف عندهم بالاسم "تاناخ") في متناول أيديهم، وأصبح هناك جوع مستفيض لدراسة وحفظ التوراة (ولعل هذا كان الدافع وراء ظهور جماعات مثل الفريسيين).

خط زمني يصور خط النبوة أثناء وبعد السبي وصمت الوحي بالتوازي مع السبي والعودة منه والحقب الزمنية المتلاحقة حتى ميلاد المسيح
خبط الحنطة - خط زمني للقصة من بابل إلى بيت لحم


ماذا حدث خلال فترة ما بين العهدين

الأحداث السياسية والتسلسل التاريخي.

امبراطوريات كثيرة غزت اليهودية أو أعادت غزوها خلال تلك الحقبة:

١. بلاد فارس:

بدأت هذه الحقبة (ما بين العهدين) أثناء ان كانت اليهودية مازالت تحت حكم الفرس الذين كانوا - منذ كورش - متسامحين دينياً مع الشعوب المحتلة وسمحوا لليهود بالعودة إلى اليهودية مع زربابل (٥٣٦ ق.م.) وبإعادة بناء الهيكل وممارسة طقوس عبادتهم كيفما شاؤوا دون تدخل يذكر من السلطات الفارسية، وهذا استمر على مدى حوالي ١٠٠ سنة مع الموجات التالية مع عزرا ثم نحميا، واستمر الحال بعد نحميا طوال مدة حكم الفرس إلى أن جاء اليونان بزعامة الاسكندر الأكبر وأقتنص البلاد لنفسه.

خريطة توضح الممالك الأربعة التي انقسمت اليها امبراطورية الاسكندر ويظهر فيها امبراطوريتا كل من السلوقيين والبطالمة
خبط الحنطة - خريطة عالم ما بعد الاسكندر الأكبر

٢. اليونان:

أ‌. الاسكندر الأكبر:

تمثال كامل للاسكندر الأكبر بزيه الإغريقي
خبط الحنطة - الاسكندر الأكبر

احتل الإسكندر الأراضي المقدسة عام ٣٣٣ ق. م. واستمر سلطانه عليها إلى أن مات عام ٣٢٣ ق. م.، وكان أيضاً قد تسلط على مصر ثم اتجه شرقاً إلى أن وصل فارس وبلاد الهند، وكان الإسكندر متسامحاً دينياً مع الشعوب التي اجتاحها فسمح لليهود بممارسة شعائرهم بدون أي اعتراض من ولاته، كما أنه كان تلميذاً لأرسطو ومتحمساً جداً لفكرة العولمة بمفهومها المسمى حينئذ "الهلنستية" والتي كان من مشتملاتها تعميم اللغة اليونانية والثقافة اليونانية وحتى العبادات اليونانية في أحيان كثيرة، وقد أصبحت اللغة اليونانية لغة التواصل الرسمية في كل أطراف امبراطورية الإسكندر، وقد كان لهذه التغييرات تأثير جذري على اليهود، ومنذ عهده هذا بدأ ما يعرف بالتاريخ اليهودي الهلنستي.

بعد موت الاسكندر انقسمت الامبراطورية على ٤ من جنرالاته الكبار، اثنان منهم كونا في الشرق امبراطوريات كبيرة وأسر حاكمة حكمت لقرون بعدهما، أحدهما هو سلوقس الأول Seleucus I Nicator الذي حكم بلاد الشام وما بين النهرين وكانت عاصمته في أنطاكية، والثاني بطليموس الأول Ptolemy I Soterفي مصر وعاصمته الأسكندرية وقد حكم منها هو وسلالته لمدة ٣٠٠ سنة.

تمثال رأس بطليموس الثاني بالزي الفرعوني
خبط الحنطة - تمثال رأس بطليموس الثاني

ب‌. البطالمة:

كانت فلسطين ضمن حصة البطالمة (سلالة بطليموس) منذ ٣٢٣ ق.م. ولمدة ١٢٥ سنة. وتحمس البطالمة لفكرة العولمة اليونانية (الهلنستية) مثلما بدأها الإسكندر كما أنهم لم يحيدوا عن سياسة التسامح الديني تجاه اليهود بل بالأحرى قدموا خدمات جليلة لليهود سنأتي على ذكرها لاحقاً، لذلك لم يشهد عصرهم قلاقل تذكر في اليهودية.

    ج. السلوقيون:

ظل السلوقيون في منافسة حامية مع البطالمة وشملت منافستهم محاولات دؤوبة لاقتناص اليهودية وكافة محيطها على الساحل الشرقي للبحر المتوسط من البطالمة حتى فازوا بها أخيراً في ١٩٨ ق.م.، وكانت بدايتهم مع اليهود متسامحة كجيرانهم البطالمة، لكنهم شيئاً فشيئاً مالوا إلى التطرف في الهلنستية أكثر فأكثر، ونزعت الهلنستية في عهدهم إلى الراديكالية في التطبيق والتي ظهرت بوضوح في مقاومتهم لأي مظاهر دينية مخالفة لكل ما هو يوناني، وقد بلغ العنف أشده في عصر أنطيوخس الرابع والمعروف باضطهاد أنطيوخس إبيفانس  منذ العام ١٦٨ ق.م. هذا الرجل - في رغبة مجنونة منه في فرض الهلنستية بأي شكل - قاوم كل مظاهر العبادة اليهودية فمنع تقديس السبت، وحرم الختان وأحرق كل ما وقع تحت يديه من التوراة، وفرض أن تكون العبادة لزيوس كبير آلهة اليونان، وكانت ذروة هذا الاضطهاد في العام ١٦٧ ق.م. عندما نصب تمثالاً للإله زيوس في داخل هيكل الرب في أورشليم وقدم خنزيراً محرقة على مذبحه، وكانت هذه بداية ثورة دموية عارمة قام بها اليهود بقيادة الأسرة المكابية ضد السلوقيين اليونان.

٣. المكابيون:

 أسرة كهنوتية جدهم الرابع كان اسمه حشمون، لذلك تسمى أحياناً الأسرة الحشمونية، الأب "متَّثياس" اعترض في العام ١٦٧ ق.م. على ممارسات أنطيوخس إبيفانس  ورفضها وقام بقتل مندوب الملك الذي حضر ليرغم الجميع على تقديم حيوانات نجسة كذبائح كما قتل اليهودي الذي بادر لتنفيذ أوامر المحتل، وكانت النتيجة أن هرب متثياس إلى الجبال هو وأبناؤه الخمسة (يوحنا – سمعان – يهوذا – اليعازار – يوناثان) ليبدأوا حرب عصابات ضد السلوقيين استمرت ٢٤ سنة (١٦٦ ق.م. إلي ١٤٢ ق.م.)، استطاع يهوذا "المكابي" في بداياتها استرداد الهيكل من اليونان وإعادة تكريسه وتطهيره في ديسمبر ١٦٥ ق.م. (١مك ٤: ٤٤ - ٥٩)، وأصبحت مناسبة هذا التطهير عيداً يحتفل به اليهود كل سنة اسمه "عيد التجديد"، وقد ذكر هذا العيد في يو ١٠: ٢٢ كما يحتفل به اليهود المعاصرون باسمه المتداول حالياً هانوكاه Hanukkah، وانتهت ثورة المكابيين بمملكة شبه مستقلة لا تخلو من بعض المنغصات من هنا ومن هناك، كما وصلت في مساحتها - لفترة ما - أن شملت أراضي كل من المملكتين الشمالية والجنوبية قبل الانقسام.

تمثيل بياني لسلسلة حكام الأسرة الحشمونية (المكابية).
خبط الحنطة - سلسلة حكام الأسرة الحشمونية

سميت الأسرة بالمكابية نسبة إلى الإبن الثالث يهوذا الذي كان يلقب "المكابي" والذي قاد الثورة من أولها، البعض يرجع هذه التسمية إلى "المطرقة" التي تدعى في الآرامية "مكبي"، ويبدو أن يهوذا كانت هذه شخصيته، عنيف وقائد حاسم حازم (١مك ٢: ٦٦) وربما هذا هو السبب في قيادته للثورة وليس أحد اخويه الأكبر رغم أنه الثالث في ترتيب الإخوة.

(انقر هنا لتتابعنا)

خريطة توضح المناطق التي خضعت لحكم الحشمونيين في عهد سالومي ألكسندرا.
خبط الحنطة - خريطة أقصى اتساع لاسرائيل في عهد الحشمونيين

هناك رأي آخر لا يوجد من يستطيع تأكيده  يرجع الإسم "مكابي" إلى كلمة من ٤ حروف "م ك ب ى" يمثل كل حرف منها بداية كلمة من الكلمات الأربعة (مي - كاموخا - باليم - يهوه) وهي جملة ترجمتها في التسبحة الشهيرة "مَنْ مِثل الرب بين الآلِهة؟!" أو "من مثلك بين الأقوياء يا الله؟"  وقد اتخذوا العبارة شعارًا للدولة التي حكمت اليهود مدة تزيد على مائة عام (اسمياً، استمر حكم الأسرة المكابية حتى بعد الاحتلال الروماني عام ٦٣ ق.م.).  وقد كانوا ينقشون هذه الحروف الأربعة "م ك ب ي" على أعلامهم وعلى تروسهم.

القارئ لسفر المكابيين الأول الذي ينتهي عند موت سمعان وتولي يوحنا هركانوس القيادة يلاحظ ان اللقب "ملك" لم يلقب به ولا واحد من حكام الأسرة الحشمونية، على الأقل حتى نهاية السفر، رغم انهم حكموا بشكل فعلي لسنوات طويلة وتبادلوا وراثة الحكم فيما بينهم داخل الأسرة الواحدة مثل أي عائلة مالكة، بالإضافة إلى أن العديد منهم جمع بين الحكم المدني ورياسة الكهنوت في آن واحد، واكتفوا بلقب "رئيس الكهنة". 

- يقال فقط أن أرستوبولس الأول جعل لنفسه اللقب ملك (basileus) لكنه لم يصك عملة تحمل هذا اللقب.

والوحيد الذي صك عملة تحمل لقب ملك كان اسكندرجانوس.

- أيضاً أنتيجونس الثاني عينه البارثيون (وهم محتلون غرباء) في الحكم وأعطوه لقب ملك..

وأتصور أن هذا مرجعه إلى العقيدة المتجذرة في الفكر اليهودي أن الملك الشرعي يكون من نسل داود ومن سبط يهوذا، وهذا ما دعى الجماعات المتشددة دينياً مثل الفريسيين لمقاومة أي دعوى بالحق في الحكم المدني للأسرة الحشمونية لأنهم من نسل هارون من سبط لاوي وليسوا من بيت داود.

٤. الرومان:

"بومبي" القائد الروماني الشهير الذي اجتاح الشرق كله لصالح روما جاء إلى اليهودية وحاصر هيكل أورشليم لمدة ٣ شهور ثم اقتحمه وقام بمذابح فظيعة ضد كهنة أثناء أداء خدمتهم وضد شعب كثير من المدينة بشكل لم يستطع اليهود غفرانه أو حتى مجرد نسيانه، فقد ظلت ذكريات تلك الأيام وفظائعها في ذاكرة الأمة لم تمحَ أبداً، ومنذ تلك السنة ٦٣ ق.م. أصبحت اليهودية تلك الولاية الرومانية التي رأيناها وعرفناها في عالم العهد الجديد ابتداءً من انجيل متي ١: ١.

أ‌. هيرودس الكبير:

السلالة الحشمونية انتهت فعلياً بالغزو الروماني لكن ظل لهم ملوك يحكمون صورياً تحت حكم الرومان لفترة من الزمن إلى أن نجح هيرودس ذو الأصل الأدومي في اقناع الرومان بتعيينه ملكاً تابعاً لهم  بدلاً من الحشموني في حكم اليهودية، وقد استمات هيرودس في محاولته لنيل رضى اليهود لأنه كان يعلم ما حدث نتيجة اضطهاد أنطيوخس إبيفانس  الذي تحدى تقاليدهم ولم يحترمها، لذلك سلك هيرودس طريقاً آخر بأن عمل كل ما في وسعه للحصول على رضاهم، وقد كان هذا من خلال مشروعه الكبير بتوسيع الهيكل.

(تعرف على السبب: لماذا خبط الحنطة؟)

منظر عام للهيكل مع محيطه الخارجي واسواره بعد التوسعات التي عملها هيرودس
خبط الحنطة - هيكل أورشليم بعد توسعات هيرودس

التطورات الاجتماعية والفكرية التي نتجت عن فترة ما بين العهدين

اذا أردت أن تفهم باختصار محصلة تطورات زمن ما بين العهدين على المجتمع اليهودي أنظر إلى شكل الديانة اليهودية أيام يسوع كما صورها العهد الجديد، لأنها إلى حد كبير هي المحصلة النهائية التي نتجت كرد فعل على ضغوط فترة ما بين العهدين.

أما إن أردنا التركيز على الوضع الاجتماعي بشكل عام فنستطيع القول إنه نتيجة للتوجه العام الذي فرضته السلطات الحاكمة تبنت شريحة من الأرستقراط اليهود أسلوب الحياة اليوناني بكل ما فيه من انحلال ووثنية بل وتبنوه في نظرتهم للفكر اللاهوتي، لكن جمهوراً كبيراً من اليهود – في المقابل - كانوا غاضبين ومعترضين.

خلينا ننظر بشوية تفصيل.

الشتات Diaspora:

شتات إسرائيل الذي بدأ مع السبي البابلي تسارع خلال سنوات ما بين العهدين حتى وصل الى مرحلة عبر عنها أحد كتاب تلك الأيام بالقول "إن اليهود ملأوا كل أرض وبحر". واليهود البعيدون عن الأرض المقدسة، بسبب حرمانهم من الهيكل حصروا حياتهم الدينية في دراسة التوراة وفي حياة المجمع، ومرسلو الكنيسة في عصرها الأول كانت كرازتهم للأمم تبدأ بين يهود الشتات مستخدمين الترجمة اليونانية للعهد الجديد (السبعينية).

المجمع Synagogue:

خلال السبي البابلي كان إسرائيل محروماً من الهيكل، مجرداً من الشعور القومي ومحاطاً بممارسات دينية وثنية، وكان إيمان الأمة مهدداً، وتحت هذه الظروف حوَّل السبي (أو النفي) المتكرر بؤرة اهتمامهم الديني عما فقدوه إلى ما اكتسبوه ألا وهو التوراة والايمان الراسخ أنهم شعب الله، لذلك ركزوا اهتمامهم على الناموس بدلاً من الحس القومي، وعلى التقوى الشخصية بدلاً من الطهارة الطقسية، وعلى الصلاة بدلاً من الذبائح التي حرموا منها، وهذا كله مارسوه فيما سمي "المجمع".

عندما عادوا من السبي استحضروا معهم هذا الشكل الجديد من التعبير الديني بالإضافة إلى "المجمع" الذي هو محور كل هذا، وهكذا أصبحت اليهودية ديانة يمكن ممارستها في أي مكان يمكن أن تحمل التوراة إليه. لذلك، فالتشديد على التقوى الشخصية والعلاقة مع الله – وهي الأمور التي ميزت عبادة المجمع – لم تساعد فقط على الحفاظ على الديانة اليهودية، لكن أيضاً مهدت الطريق لإنجيل المسيح.

السنهدرين Sanhedrin:

هو المجمع الأعلى للمجتمع اليهودي، مكون من ٧١ عضواً ويرأسه رئيس الكهنة، وله وظائف "سياسية ودينية وقضائية"، يقال انه كان يجتمع بشكل دوري لمناقشة كل الأمور المعروضة عليه، وكلنا يعلم الدور الذي قام به السهدرين في محاكمة الرب يسوع وإدانته وصلبه بتهمة التجديف.

منظر بياني يوضح تنظيم مقاعد أعضاء السنهدرين ومقعد الرئيس في المنتصف ومكان وقوف المتهم
خبط الحنطة - تنظيم المقاعد في السنهدرين

الصدوقيون Sadducees:

كانت بداية هذا الحزب مع الفريسيين - أصدقائهم الألداء - بعد نجاح ثورة المكابيين، ونستطيع القول إن العالم اليوناني أنجز أعظم بصماته على الأرض المقدسة من خلال حزب الصدوقيين الذي تشكل من الأرستقراط، وتم تعريفهم على أنهم الطبقة العليا الأكثر تقدماً أو "كريمة المجتمع" كما أصبحوا هم حزب الهيكل، وبسبب مواقعهم الحيوية كان للصدوقيين مصالح شخصية في الحفاظ على الوضع الراهن فاستغلوا ببراعة السلطات السياسية وتعقيدات العلاقات فيها مما جعلهم حلفاء الأسرة الحشمونية فسيطروا على منصب رئاسة الكهنة. وقد رفض الصدوقيون كل الكتابات الدينية ما عدا خمسة أسفار التوراة، كما رفضوا أي تعليم لا يوجد في تلك الأسفار الخمسة (القيامة من الأموات على سبيل المثال).

(اقرأ عن الصدوقيين في: ليبرال عصر المسيح)

الفريسيون Pharisees:

الفريسيون هم حزب المجمع، ومن موقعهم هذا وبسببه أيضاً اجتهدوا لإعادة تفسير الناموس بحيث بنوا سياجاً إضافياً حوله من القواعد التقليدية على اعتبار أن هذا ما يمكن اليهودي – في ظنهم - من العيش بالبر أمام الله في عالم تغير جذرياً عما كان عليه الحال أيام موسى.

لم يقبل الفريسيون حكم المكابيين وظلوا لفترات طويلة في شد وجذب متبادل معهم إذ أن المكابيين كهنة من سبط لاوي وليسوا من بيت داود الذي له وحده الحق في الملك طبقاً للناموس، ومع هذا تمتع الفريسيون بدعم الشعب وكان لهم تأثير على المستويين، رجل الشارع العادي وأيضاً السياسة الوطنية.

ملحوظة: الفريسيون هم الحزب الوحيد الذي نجا من خراب الهيكل عام ٧٠ م وأصبحوا هم الآباء الروحيين لليهودية الحديثة.

(انقر هنا لتتابعنا)

الأسينيون Essenes:

رغم أن فيلو ويوسيفوس أشارا إليهم إلا أن الأسينيين ظلوا الطائفة اليهودية المنسية تقريباً حتى عرفتنا بهم مؤخراً من لفائف البحر الميت. كان الأسينيون جماعة صغيرة انعزالية نشأت من رحم أزمة العصر المكابي، ومثل الفريسيين شددوا على الاتباع المشدد للناموس، لكنهم رأوا أن الكهنوت في الهيكل فاسد ورفضوا معظم طقوس الهيكل ونظام الذبائح، ورغم الإشارة إليهم من كتاب قدماء عديدين مثلما أشرنا كما أن الاعتقاد السائد هو أن مجتمع قمران الذي انتج لنا لفائف البحر الميت من المرجح أنه كان من جماعات أسينية أيضاً، لكن تظل معرفتنا حتى اليوم عن طبيعة الأسينيين غير مؤكدة.

كانت قناعات الأسينين أنهم "بقية إسرائيل" الحقيقية لذلك عزل إنفصاليو قمران هؤلاء أنفسهم عن القاعدة اليهودية العريضة وكرسوا أنفسهم للطهارة الشخصية وللاستعداد للحرب الختامية بين "أبناء النور وأبناء الظلمة". مارسوا إيمان رؤيوي apocalyptic، يستذكرون إسهامات قادتهم السابقين المعروفين بصفتهم "معلمي البر"، ومتطلعون إلى الأمام ليس إلى مسيا واحد بل إثنين: واحد كهنوتي من نسل هارون وآخر ملكي من نسل داود.

تم تدمير مجتمع قمران خلال الحرب اليهودية (٦٦م – ٧٣م)، وسقط الأسينيون من التاريخ.

كتب ومؤلفات ما بين العهدين

هناك العديد من الكتب التي خرجت من رحم فترة ما بين العهدين وشكلت الفكر اللاهوتي الذي ظل مؤثراً بعد ذلك ولقرون عديدة، نذكر الأشهر منها.

الترجمة السبعينية:

صورة مخطوطة متهالكة لصفحتين من الترجمة السبعينية
خبط الحنطة - مخطوطة أثرية من الترجمة السبعينية

كان احتضان مشروع ترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية التي سميت بالترجمة السبعينية (يقال إن ٧٠ شخصاً شاركوا فيها) هي واحدة من أهم الخدمات الجليلة التي أداها البطالمة اليونان (تحديداً بطليموس الثاني Ptolemy II Philadelphus) لليهود في سياق تسامحهم الديني وفي سياق احتواء التعددية العقائدية التي تبنتها الثقافة الهلنستية، وفي سياق تجميع المواد العلمية والثقافية لمكتبة الإسكندرية. وفي الحقيقة ثبت بالفعل أن اليهود كانوا في أمس الحاجة إلى هذه الترجمة نظراً لأن الشتات أثر على الأجيال الجديدة فلم يعد سهلاً عليهم استيعاب قراءة أسفار العهد القديم في مجامعهم وفهمها في نصوصها الأصلية باللغة العبرية، فأصبحت الترجمة السبعينية هي النص المتداول بين كل الناس في كل بقاع الأرض التي تشتت فيها اليهود، والسبعينية هي الترجمة التي اقتبس منها كتاب العهد الجديد في المواضع التي أرادوا فيها الاقتباس.

(اقرأ أيضاً: من اليمين للشمال)

­الملاحظ أيضاً ان النقلة من العبرية أو الآرامية إلى اليونانية ساهمت في اجتذاب الأنظار إلى الإيمان اليهودي من قبل بعض الذين هم من خارج المجتمع والثقافة اليهودية حيث كان اليهود قد استحضروا أفكارهم ومجتمعاتهم إلى المجتمعات اليونانية والرومانية التي تحركوا فيها. هؤلاء الأشخاص كانوا يسمون "خائفي الله" وقد لعبوا دوراً ملحوظاً في الكنيسة الأولى، وكانوا قد سمعوا عن اليهودية من خلال المجامع اليهودية التي أشرنا إليها آنفاً وحيث تم تخصيص أماكن لهم في المجامع.

سفرا المكابيين:

وهما يرويان قصة الثورة المكابية التي مثلت نمطاً متكرراً ظل تأثيره مستمراً خلال فترة حياة يسوع وحتى عام ٧٠م، فتلك الثورة أشعلت هذا النمط من الثورة ضد قوى السلطة في ذلك الزمن، وغالبية اليهود في زمن المسيح تعلقت آمالهم بالمسيا الذي سيطرد الغاصب الروماني. ولو رجعنا إلى كلام غمالائيل (في أع ٥: ٣٤ – ٣٩) نجده يشير إلى أحداث ثورية على نفس هذا النمط.

سفر اليوبيلات Book of Jubilees

هو واحد من الكتب الأخرى التي تم كتابتها خلال فترة ما بين العهدين وسار على دربها كتابات ربية لاحقة، ويعتبر أقدم تفسير باق لسفر التكوين، وقد سار على أثره تفاسير يهودية كثيرة خلال الألف سنة التالية وبدأ معه تقليد يهودي دراسي جديد سمي "المدراش".

سفر باروخ

كتب خلال نفس الفترة كنتيجة طبيعية لتدنيس أنطيوخس إبيفانس للهيكل، لكنه استخدم أسلوباً مخادعا لخداع السلطات السلوقية، وذلك بأن استخدم صيغة تاريخية كأنه يتحدث عن الحصار البابلي لأورشليم بينما في حقيقة الأمر كان يتحدث عن الأفعال الشنيعة للملك السلوقي وكيف يجب أن يقاومها الشعب.

ماذا يمكن أن نتعلم من حقبة ما بين العهدين؟

+أن نظل أمناء مخلصين لإيماننا عندما يكون الله صامتاً:

 فرغم ما مر به اليهود من اضطهاد وأمور صعبة لكنهم صمدوا، بل انهم استقلوا بحكم أنفسهم لفترة من الوقت إلى أن جاء الرومان. تم إعادة بناء المدينة لكن ما تم بناؤه لم يكن بنفس القدر من الفخامة التي كانت في فترات المجد السابق (عز ٣: ١٢)، بسبب ذلك كانت اشتياقات اليهود قوية للمسيا الذي يأتي ويطرد هؤلاء المستعمرين الظالمين الذين يحرمونهم من عبادة الله بالشكل الذي يرغبون فيه، وهذه هي الانتظارات التي وضعها التلاميذ وكبار قادة اليهود على يسوع في تلك الأيام.

+ماذا نعمل عندما يظل الله صامتاً:

لأن يهود تلك الحقبة يثيرون الإعجاب بسبب التزامهم بدراسة التوراة وغيرتهم الشديدة لاتباعها. لقد تبين لهم أنه قد حصل تغيير في طريقة التواصل التي يستخدمها الله، فكان رد فعلهم هو دراسة ما سبق أن أعطاهم لأنه هو كل ما لديهم، وهذا ما يجب أن يفعله المؤمنون في كل عصر أيضاً، الالتزام بدراسة المكتوب لأنه هو قناة الله الأساسية للتواصل مع شعبه.

لقد كانت اختبارات الأمة وشعب إسرائيل ما بين كتابة سفر ملاخي في العهد القديم وكتابة متى في العهد الجديد، كل هذا جهز المسرح لتحقيق مجيء مسيا النبوات الذي تم انتظاره طويلاً، بينما المسيحيون الان يتطلعون إلى مجيء يسوع الثاني واكتمال خطة الله للفداء.

اقرأ عن أحداث لاحقة في العهد الجديد متأثرة بهذه الفترة.

ماذا عن العهد الجديد؟

متى انتهى زمن العهد الجديد؟

انتهى زمن العهد الجديد بموت الرسول يوحنا الذي كان آخر تلميذ تعامل مع الرب يسوع شخصياً وقد مات حوالي سنة ١٠٠م، ويقول التقليد أنه مات عن عمر ٩٣ سنة بعد أن شهد خراب هيكل هيرودس وهجرة المؤمنين واليهود هرباً من المنطقة كلها. وجاء خراب الهيكل بعد سلسلة من الثورات التي تمرد خلالها زعماء يهود ضد السلطة الرومانية، وبالتحديد بسبب الضرائب الجديدة التي تم فرضها واستخدام أموال الهيكل في تمويل مشاريع رومانية. بحلول سنة ٧٠م كانت أورشليم كلها قد أصبحت تحت سيطرة "الغيورين" Zealots، والتي هي جماعة راديكالية متمردة انتمى إليها سابقاً واحد من تلاميذ الرب يسوع الاثني عشر (سمعان الغيور)، واسترجع الرومان أورشليم عن طريق فرض حصار عليها ثم دمروا هيكلها وأسوارها تماماً مما أجبر اليهود على مغادرتها. (اقرأ أيضاً: من الخمسين الى السابع. رحلة في تاريخ الكنيسة - (١) العصر الرسولي: أساس الاستمرارية المسيحية)

خراب أورشليم وانتهاء عالم العهد الجديد أثمر عدة نتائج:

كثيرون كتبوا كتباً زاعمين انها بوحي إلهي (أناجيل تم كتابتها ونسبتها زوراً لأسماء عدة تلاميذ)، بالرغم من ذلك تتفق كافة الجماعات المسيحية الأرثوذكسية على أن تعداد (قانون) الأسفار القانونية قد اختتم بعد أن كتب يوحنا سفر الرؤيا. الأجيال التالية لرسل المسيح (مثل بوليكاربوس تلميذ يوحنا) قدموا شروحات وتفاسير للمكتوب لكن المكتوب نفسه كان قد اكتمل، زد على هذا انه مع خراب عاصمة اليهودية وتشتت اليهود إلى بلاد أخرى، ارتبطت المسيحية بالأمم أكثر من اليهود، لأنه خلال العقود الأولى بعد صعود المسيح كانت المجتمعات المحيطة ينظرون للمسيحية على أنها طائفة يهودية، لكن مع تدمير اليهودية كأمة بدأ الناس ينظرون أكثر فأكثر إلى المسيحية كديانة منفصلة عن جذورها اليهودية. (اقرأ أيضاً: الموثوقية التاريخية للأناجيل)

(انقر هنا لتتابعنا)

تعليقات