التاريخ يلعب دوراً مهماً في حياتنا وفي معتقداتنا، وتواريخ كتابة الأناجيل بالأخص تحمل قدراً أكبر من الأهمية. ودراسة التاريخ مسألة معقدة وليس كل ما يقال عنه تاريخ هو تاريخ حقيقي، كما أن استبيان الحقيقي من الخيالي، الصادق من المكذوب هو عملية كبيرة ولا يتوافر لها باستمرار كل المقومات التي تضمن موثوقية لنتائجها، والكتاب المقدس كله والأناجيل على وجه الخصوص يتعرض للكثير من الهجمات التي تستهدف موثوقيته التاريخية والتي يُبنى عليها – في المقام الأول - موثوقيته اللاهوتية للدرجة التي فيها تعلو أصوات الآن لإنكار حتى وجود تاريخي حقيقي ليسوع (نرد عليهم في مقالنا الثالث يسوع شخصية تاريخية)، الأمر الذي لم يكن يوماً ما موضع تساؤل أو شك، وقد يعوزنا الكثير من الوقت للخوض في تفاصيل ما يؤيد موثوقية الكتاب المقدس التاريخية، لكن سنركز سريعاً هنا على الموثوقية التاريخية للأناجيل، حيث انها تحمل الخبر السار عن الرب يسوع والتجسد وعملية الفداء والقيامة الذي بدونه لا إيمان لنا ولا علاقة لنا مع الله، وبأكثر تحديد سننظر إلى نقطة مهمة في التاريخ الإنجيلي ألا وهي تاريخ كتابة إنجيل مرقس الذي ينبني عليه تاريخ باقي الأناجيل الإزائية.
![]() |
| خبط الحنطة - كتاب الأناجيل الأربعة |
١. كتابة إنجيل مرقس والتاريخ الخطأ:
يتداول الكثيرون التاريخ ٦٥ – ٧٠ م على أساس أنه التاريخ المرجح لكتابة انجيل مرقس وبالتبعية يعتبرون أن كلاً من الانجيلين الإزائيين الآخرين (متى ولوقا) قد كتبا في وقت تالٍ لهذا (لأنهما نقلا من مرقس) أي أنهما متأخران أكثر فأكثر عن ذلك، والحقيقة أن هذه التواريخ المتأخرة يستخدمها المشككون في طرح ظلال من الشك في "الموثوقية التاريخية للأناجيل" بدعوى بعدها عن زمن الأحداث التي تحكيها، لكن بقليل من البحث المتروي نتبين حقيقة يبدو أنها تغيب عن الكثيرين، بل ويمكن من خلال تسليط الضوء عليها تبيان تواريخ مختلفة تماماً لكتابة الأناجيل الإزائية الثلاثة.
وأنا هنا أقصد العلاقة بين إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل وتاريخ كتابة كل منهما، حيث توفر هذه العلاقة حجة قوية للتأريخ لكتابة إنجيل لوقا في تاريخ مبكر، وبالتالي مرقس وربما متى بالتبعية. دعونا نتناول النقاط بشكل منهجي:
٢. لوقا وأعمال الرسل عمل متكامل من جزأين
· في (أعمال الرسل ١: ١، ٢) نرى لوقا يشير صراحة لإنجيل لوقا كجزء أول سابق على ما يكتبه الآن:
"١اَلْكَلاَمُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ،٢إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ..."
· هذا الرابط بين السفرين يثبت أن إنجيل لوقا وأعمال الرسل هما عملان مترابطان أو مجلدان من كتاب واحد من تأليف نفس الشخص (لوقا).
(اقرأ أيضاً: إله العهد القديم وإله العهد الجديد)
نهاية سفر أعمال الرسل:
ينتهي سفر أعمال الرسل بخبر بولس وهو تحت الإقامة الجبرية في روما (أعمال ٢٨: ٣٠، ٣١)، وتنتهي الرواية بشكل مفاجئ دون الإشارة إلى:
١. إطلاق سراح بولس أو سجنه الثاني....
٢. ولا إلى استشهاده، الذي يرجع تقليديًا إلى الفترة بين ٦٤-٦٨ م أثناء اضطهاد نيرون.
غياب هذه الأحداث يشير بقوة إلى أن أعمال الرسل كُتب قبل استشهاد بولس، على الأرجح خلال أو بعد فترة وجيزة من سجنه الأول في روما (أي ما بين ٥٧ - ٦٢م).
(اقرأ ايضاً: من الخمسين إلى السابع. رحلة في تاريخ الكنيسة)
أثر ذلك على التأريخ لكتابة إنجيل لوقا:
لو حسبناها بالراجع كده
إذا كان سفر أعمال الرسل قد اكتمل بحلول أوائل الستينيات الميلادية، فإن إنجيل لوقا (أي الجزء الأول) يجب أن يكون قد كُتب في وقت سابق، ربما في أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات من القرن الميلادي الأول.
هذا الرأي يدعمه علماء مثل:
كولين ج. هيمر الذي قدم حجة قوية لتاريخ كتابة سفر أعمال الرسل قبل عام ٦٤ م بناءً على ما تضمنه من احداث وما أغفله منها.
Colin J. Hemer, The Book of Acts in the Setting of Hellenistic History (1990)
"سفر أعمال الرسل في سياق التاريخ الهيلينيستي (١٩٩٠)"
٣. العلاقة بين انجيلي لوقا ومرقس
يتفق غالبية العلماء على أن لوقا استخدم إنجيل مرقس كمصدر لإنجيله. إذا كان إنجيل لوقا قد كُتب في أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات الميلادية (كما أثبتنا في الفقرة السابقة)، فيجب والحالة هكذا أن يكون إنجيل مرقس قد كُتب في وقت أسبق.
تاريخ كتابة إنجيل مرقس:
o التاريخ الذي يتداوله الكثيرون يضع كتابة إنجيل مرقس بين عامي ٦٥-٧٠ م كما أشرت سابقاً، وسبب افتراض هذا التاريخ في الغالب هو الإشارة إلى كلام الرب عن دمار هيكل اورشليم (في مرقس ١٣: ٢) حيث يعتقدون أنها جاءت في الإنجيل بسبب أن من كتب الانجيل كتبه بعد حدوث الدمار فعلاً سنة ٧٠م.
ومع ذلك، لا يوجد سبب لافتراض أن رواية مرقس عن دمار الهيكل هي رواية لحدث سابق لتاريخ الكتابة.
o ثم أن اللغة النبوية عن الهيكل كانت موضوعًا شائعًا في الفكر اليهودي ويمكن ببساطة أن تكون نبوءة يسوع سبقت الحدث فعلاً، فلماذا نفترض العكس؟
o أضف إلى ذلك أن أسلوب مرقس السردي البسيط مع قلة التطور اللاهوتي فيه - مقارنة بلوقا ومتى - يشيران إلى تاريخ أقدم.
من كل ما تقدم يمكن اعتبار أواخر الأربعينيات أو الخمسينيات الميلادية تاريخاً ممكنًا لإنجيل مرقس، مما يتماشى مع كتابة إنجيل لوقا في وقت مبكر.
تاريخ كتابة إنجيل متى:
إذا كان متى أيضًا قد استند إلى إنجيل مرقس، فمن المحتمل أنه كُتب في نفس الإطار الزمني، ربما أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات الميلادية.
ملحوظة: تشير بعض التقاليد التي وردت عن آباء الكنيسة الأوائل (مثل إيريناوس)، إلى أن إنجيل متى كتب أصلاً بالعبرية أو الآرامية، وربما في وقت مبكر عن إنجيل مرقس.
٤. مبررات معارضي التأريخ المبكر والرد عليهم:
يفترض العديد من العلماء (الليبرال في الغالب) الذين يتبنون مدارس نقدية حديثة تأريخاً متأخراً للأناجيل (مثل ٧٠-٨٥ م لإنجيل لوقا، و٦٥-٧٠ م لإنجيل مرقس)، ويبنون قرارهم هذا على الافتراضات التالية:
أ. دمار الهيكل في عام ٧٠ م:
لا يؤمن هؤلاء – إجمالاً - بفكرة أن هناك نبوات يمكن أن تسبق الأحداث، لذلك فالإشارة النبوية إلى دمار الهيكل مثلما في (مرقس ١٣: ٢) يفترضون انها لا يمكن ان تشير إلى أن الرب يسوع تكلم أولاً، ثم الأحداث حصلت لاحقاً لكلام يسوع ولاحق لكتابة الانجيل، لا طبعاً هم لا يؤمنون بهذا، لكن يعتقدون العكس، إن دمار الهيكل حدث ثم كتب كاتب الانجيل فوضع هذا الحدث على لسان الرب كأنه نبوة، وبالتالي تكون هذه علامة على كتابة الأناجيل بعد هذا الحدث المعروف تاريخياً بانه حصل في ٧٠م. (اقرأ عن: الليبرال قديماً وحديثاً)
ويمكن الرد على هذا الرأي بأن: اللغة النبوية في النصوص اليهودية، بما في ذلك الأناجيل، لا تتطلب معرفة مسبقة، حيث كانت التنبؤات بدمار الهيكل شائعة في ذلك الوقت وقد تعكس رؤى نبوية حقيقية أو تقاليد أقدم.
ب. تطور الفكر اللاهوتي:
يقترح هؤلاء النقاد أن تطور الفكر اللاهوتي الذي يظهر في كتابات لوقا يعكس سياقاً متأخراً أي ما بعد عام ٧٠ م.
والرد على هذا الرأي يقول: إن كتابات لوقا تتماشى مع اللاهوت المسيحي المبكر الذي "تطور بسرعة" خلال العقود الأولى بعد قيامة وصعود الرب يسوع.
ج. النقد النصي والتحرير:
غالبًا ما ترتبط التواريخ المتأخرة بنظريات التحرير وجمع المصادر، مع افتراض تواتر تقاليد شفهية لأزمنة طويلة قبل ظهور الروايات المكتوبة.
وللرد على هذه النظريات نقول: إن المجتمعات المسيحية المبكرة كانت مدفوعة بالحاجة إلى حفظ تعاليم الرب يسوع التي تناقلوها شفاهة وأيضاً العمل على نشرها مكتوبة بشكل أسرع، خاصة مع الجهود التبشيرية للرسل.
٥. أدلة داعمة للتأريخ المبكر للأناجيل
أدلة من رسائل بولس:
كتبت رسائل بولس بين ٥٠-٦٠ م وتشير إلى جوانب رئيسية من حياة يسوع وتعاليمه، مما يدل على أن هذه التقاليد كانت راسخة بالفعل:
o يروي بولس (في كورنثوس الاولى ١٥: ٣ – ٨) ظهورات القيامة، بما يتماشى مع روايات الأناجيل.
o يذكر بولس (في غلاطية ١: ١٨ – ١٩) يعقوب أخو يسوع وبطرس (صفا)، مما يشير إلى أن بولس كان لديه وصول مباشر إلى شهادة شهود العيان.
أدلة من التقليد الكنسي:
يؤكد آباء الكنيسة الأوائل على كتابة الأناجيل في وقت مبكر:
o إيريناوس (حوالي ١٨٠ م): يذكر أن متى كتب أولاً، ثم مرقس، ثم لوقا، وأخيراً يوحنا.
o كليمنت (اكليمندوس) الإسكندري (حوالي ٢٠٠ م): يقول إن إنجيل مرقس كُتب خلال حياة بطرس، مما يضعه قبل عام ٦٤ م (التاريخ المحتمل لاستشهاد بطرس).
٦. الآثار المترتبة على موثوقية الأناجيل
إذا كانت الأناجيل قد كُتبت في غضون أقل من ثلاثة عقود من قيامة الرب يسوع، فإن قربها من زمن الأحداث ومن شهادة الشهود يعزز موثوقيتها التاريخية:
o التأريخ المبكر يجعل من أي احتمالية للتطور الأسطوري أو التشويه الكبير شبه منعدمة. بمعنى إنه مافيش فرصة لما يدعيه البعض من أن قصصاً أسطورية عن يسوع قد تشكلت مع مرور الزمن بعد مضي عصره كما يدعي البعض (اقرأ: يسوع شخصية تاريخية وليس أسطورة).
o اعلان لوقا بأنه "قَدْ تَتَبَّعْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق" (لوقا ١: ٣) يشير إلى اتباع منهجية دقيقة لنقل الروايات الصحيحة والحفاظ عليها.
الخلاصة: التاريخ المرجح لكتابة الأناجيل
من أجل كل ما سبق وبسبب العلاقة بين إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل، إلى جانب النهاية المفاجئة لأعمال الرسل، نخلص إلى ترجيح أن كلا السفرين (لوقا والأعمال) قد تم إنجازهما في وقت مبكر، على الأرجح قبل عام ٦٢ م، وهذا ما يدفع إلى التبكير بتاريخ كتابة إنجيل مرقس ربما إلى أربعينيات أو خمسينيات القرن الأول، وأيضاً تاريخ كتابة إنجيل متى إلى الخمسينيات أو بداية الستينيات، وهو ما يعني ما لا يزيد عن ٣٥ سنة - كحد أقصى - من قيامة المسيح (بهذا نترك متسعاً من الوقت لاحتمالية كتابة متى بالتوازي مع لوقا او بعده بقليل رغم ما اشرنا اليه من احتمالية ان يكون كتب حتى قبل مرقس)، وهذه النتيجة تناقض تلك التواريخ المتأخرة التي يتداولها كثيرون في الفاضي والمليان (٧٠-٨٥ م) مما يعزز قضية الموثوقية التاريخية للأناجيل نظرًا لقربها من الأحداث التي تحكيها، وأيضاً لبقاء كثير من شهود العيان على قيد الحياة وقت كتابة ونشر هذه الأناجيل (وهذا ما نناقشه في المقال القادم)، وهذا الامر يزيد من موثوقيتها ويسحب من المعارضين والنقاد حجتهم ويفرغها من مضمونها.
في المقال التالي نناقش دور شهود العيان في كتابة التاريخ.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..