من المهم جداً أن نفهم أن الأناجيل هي سجل لشهادات شهود العيان، فهذه الأحداث حضرها شهود بشر مثلنا، وظلوا يحكونها لبعضهم وللمحيطين بهم وللجيل التالي "وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ" (أع ٢: ٣٩). ونقاد الكتاب المقدس يحاولون تجريد الأناجيل من مرجعيتها التاريخية، لذلك يجب علينا مجابهة هذا الهراء بالأدلة التي لم نكن في حاجة لتسليط الضوء عليها حيث كانت الأناجيل مقبولة بالطبيعة من كل قطاعات وطوائف الكنيسة طوال ٢٠ قرن.
![]() |
| خبط الحنط - شهود عيان الأناجيل. |
وسنتخذ منهجاً هنا يعرض كيف يتعامل الباحثون العلمانيون عموماً – وهؤلاء النقاد على وجه الخصوص - مع مسألة وجود شهود عيان وتأثيرها على الموثوقية المفترضة لكل المصادر التاريخية القديمة بشكل عام بما في ذلك شهود عيان الأناجيل المعتمدة في العهد الجديد (NT). وكما ناقشنا في المقال السابق محدودية الفجوة الزمنية بين الكتابة الفعلية للأناجيل والأحداث التاريخية التي توثقها، دعنا نستكشف هنا اليوم موضوع شهود العيان هذا بشكل منهجي، مع الأخذ في الاعتبار استعانة كل من المؤرخين القدماء والأناجيل بشهود العيان، مع ملاحظة المعايير المطبقة على كل منهما (أي الأناجيل والمؤرخين القدماء).
١. شهادة الشهود والفجوة الزمنية في الكتابات التاريخية القديمة
دعنا ننظر في حالات مؤرخين قدماء يتم النظرإليهم باحترام وتعامل كتاباتهم كذات قيمة تؤخذ في الاعتبار (سنأخذ هنا اثنين من أشهرهم: هيرودوت Herodotus وثيوسيدايدس Thucydides) والذين غالبًا ما يُنسب إليهم الاعتماد على شهادات الشهود حيث – بالتأكيد - لم يكونوا حاضرين لجميع الأحداث التي سجلوها، بل وفي بعض الحالات اعتمدوا على مصادر ثانوية secondhand resources أو حتى على روايات سماعية.
أ. هيرودوت (٤٨٤–٤٢٥ ق.م):
• الفجوة الزمنية:
هيرودوت الذي أطلق عليه شيشرون لقب "أبو التاريخ" كتب عن الحروب الفارسية-اليونانية (٤٩٩–٤٤٩ ق.م)، وهي – كما ترون - أحداث بدأت عقود قبل ولادته وقبل بداية نضوجه واحترافه للكتابة، لذلك، من المؤكد أنه كتب كثيراً عما لم يشاهده رؤيا العين.
الأنكى أن هيرودوت (اليوناني) أيضاً كتب من ضمن ما كتب عن تاريخ فراعنة مصر الذين سبقوه بقرون، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كتب عن مينا موحد القطرين ومؤسس الأسرة الأولى، وأمنمحات الثالث، وسيزوستريس.... الخ، وكلنا يردد إلى اليوم وبكل اريحية وثقة مقولته الشهيرة "مصر هبة النيل".
• شهادة الشهود:
اعتمد هيرودوت بشكل كبير على الروايات الشفهية، والمقابلات، ورحلاته الشخصية. لكنه غالباً ما سجل تقارير متضاربة دون تحليل نقدي، تاركاً للقارئ تحديد مايراه الحقيقة.
مثال: هناك روايات ممتعة له عن العادات المصرية ولكنها غالباً ما تخلط بين الملاحظات الدقيقة والادعاءات الخيالية.
• الانتقادات التي وجهت له:
بلوتارخ مثلاً، وهو من العلماء اللاحقين (٤٦ – ١١٩م)، أطلق على هيرودوت لقب “أبو الأكاذيب" لإدراجه روايات مشكوك فيها دون تدقيق.
•تقدر ترجع لكتاب "تاريخ هيرودوت":
بالانجليزية، في ترجمة جورج رولينسون (منشور اونلاين).
بالعربية، ترجمة عبد الإله الملاح... (منشور أونلاين).
ب. ثيوسيدايدس (٤٦٠–٤٠٠ ق.م):
• الفجوة الزمنية:
كتب ثيوسيدايدس تاريخ الحرب البيلوبونيزية Peloponnesian War(٤٣١–٤٠٤ ق.م) وفيها أحداث عايش بعضها لأنه كان جنرالاً، لكنه في كتاباته غطى أيضاً أحداثاً لم يشهدها بنفسه.
• شهادة الشهود:
أعطى سيوسيدايدس الأولوية لشهادات الشهود المباشرة والمقابلات وخبراتهالشخصية. لكنه مع هذا اعترف بكل من محدودية الذاكرة والتحيز الذي لم يخلُ منها هؤلاء الشهود، اقرأ كلامه بنفسك:
"وفيما يتعلق بسردي للوقائع عن أحداث الحرب، فقد اتخذت مبدأً ألا أدوِّن أول قصة تصل إليَّ، ولا أسترشد بانطباعاتي العامة، إما لأنني كنت حاضرًا بنفسي في الأحداث التي وصفتها، أو لأنني سمعت عنها من شهود عيان راجعت تقاريرهم بأكبر قدر ممكن من الدقة. ولا يعني هذا أن الحقيقة كانت سهلة الاكتشاف: إذ يقدم شهود عيان مختلفون روايات مختلفة لنفس الأحداث، ويتحدثون عن تحيز لجانب أو آخر أو من ذكريات غير كاملة. وقد يبدو تاريخي أقل سهولة للقراءة بسبب افتقاده لعناصر رومانسية فيه. ومع ذلك، سيكون كافيًا بالنسبة لي أن تُعتبَر كلماتي هذه مفيدة لأولئك الذين يريدون فهم الأحداث التي وقعت في الماضي بوضوح والتي (نظراً للطبيعة البشرية) ستتكرر في وقت أو آخر وبنفس الطرق في المستقبل. عملي ليس قطعة كتابة مصممة لتلبية ذوق الجمهور المباشر، بل تم كتابتها لتدوم إلى الأبد،".
Thucydides,The History of the Peloponnesian War (1954).
٢. شهود العيان والفجوة الزمنية في الأناجيل
غالباً ما يشير النقاد إلى الفجوة الزمنية في العهد الجديد بين حياة يسوع وكتابة الأناجيل (٣٠-٤٠ سنة حسب تقديراتهم التي اثبتنا المبالغة فيها)، مشيرين إلى أن هذا يجعلها أقل موثوقية. ومع ذلك، لا تأخذ هذه الانتقادات في الاعتبار معايير الكتابة التاريخية القديمة أو السياق التاريخي للمجتمع المسيحي المبكر.
· الفجوة الزمنية للأناجيل:
(ارجع في هذه النقطة لمقالنا السابق مباشرة تاريخ الكتابة وقربها من زمن الأحداث)
· شهود العيان في الأناجيل:
أ. الشهود المباشرون (أول يد Firsthand):
يُنسب تقليدياً إنجيل متى إلى متى أحد الرسل (أي انه حضر الأحداث بنفسه وشاهد مباشر عنها)، وإنجيل يوحنا إلى يوحنا الحبيب الذي هو رسول آخر (يعني شاهد عيان آخر)، مما يشير إلى شهادات مباشرة.
ب. الروايات المنقولة عن شهود العيان (ثاني يد Secondhand):
هنا يليق أن نذكر ما قاله لوقا البشير عن أسلوبه وكيف أنه حدد صراحة أن إنجيله يعتمد على شهادة "الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ (شهود) وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ" (لوقا ١: ٢). وهذا يشير إلى جهد منهجي محترم جداً من لوقا لجمع وحفظ روايات دقيقة، وهو في هذا لا يقل منهجيةً عن أي من المؤرخين المعتبرين إن لم يكن يفوقهم.
ج. التقاليد الشفهية المبكرة:
يُعتقد أن الأناجيل تعتمد على تقاليد شفهية سابقة، انتشرت على نطاق واسع بين المجتمعات المسيحية المبكرة. من المرجح أن هذه التقاليد حُفظت بدرجة عالية من الدقة بسبب أهميتها الدينية لهذه المجتمعات التي حفظتها. (اقرأ في هذا الشأن: العهد الجديد بين الكتابة والتسليم، وأيضاً عن تعليم الرسل)
د. رسائل بولس كدليل:
لا يختلف الكثيرون مع الفرضية بأن بولس كتب رسائله في الفترة ما بين حوالي ٥٠ إلى ٦٠ م، ما يعني فقط ٢٠ إلى ٣٠ سنة بعد القيامة، ورسائل بولس تشير إلى أحداث رئيسية من حياة يسوع وموته وقيامته، مما يدعم حقيقة التناقل المبكر لهذه التقاليد في المجتمعات المسيحية الأولى. (أشرنا في المقال السابق إلى ١كورنثوس ١٥: ٣-٨ التي يحكي فيها بولس عن ظهورات القيامة ويدلل فيها على حقيقتها بناءً على شهادات يقول إنه "تلقاها").
ملحوظة: الدارس للتاريخ جيداً يعرف أن حادثة تجديد بولس الواردة في أع٩ حصلت في خلال ربما ٣ أو ٤ سنوات فقط بعد القيامة، أي أن بولس التحق بالكنيسة المسيحية في وقت مبكر جداً وليس متأخراً كما قد يتوهم القارئ السطحي لسفر أعمال الرسل.
٣. ازدواجية المعايير في تقييم الأناجيل مقابل المؤرخين القدماء
· الفجوة الزمنية
أ. المؤرخون القدماء:
غالباً ما يتم التغاضي عن الفجوة الزمنية بين الأحداث وتوثيقها بالنسبة للمؤرخين مثل هيرودوت وثوسيدايدس، حتى عندما تمتد لعقود أو قرون.
مثال: اعتمد هيرودوت على تقاليد شفهية حول أحداث مثل حرب طروادة، التي كانت قد وقعت قبل مئات السنين.
ب. الأناجيل:
ينتقد البعض الفجوة الزمنية في العهد الجديد بين حياة يسوع وكتابة الأناجيل (حتى لو افترضنا وصول هذه الفجوة إلى حدها الأقصى في افتراضاتهم الذي هو ٣٠-٤٠ عامًا)، مع تجاهل حقيقة أن هذه الفجوة قصيرة نسبيًا بمعايير العصور القديمة، وعدم وضع أي اعتبار للتقاليد الشفهية المسيحية المبكرة التي ساعدت في منع فقدان المعلومات.
· شهادة الشهود:
أ. المؤرخون القدماء:
هيرودوت غالباً ما يقدم روايات متضاربة ويعترف بالاعتماد على السماع، ويعترفون بكلامه على انه "تاريخ".
وثوسيدايدس - رغم انتقاده للروايات الأخرى - لم يكن شاهداً على كل الأحداث التي وصفها بل اعتمد - ضمن ما اعتمد - على شهادة الشهود كما أسلفنا، والنقاد المشار اليهم يقبلون كلامه على أنه "تاريخ".
ب. الأناجيل:
في نفس الوقت الذي يعتمد فيه النقاد - كما اشرنا - تواريخ مكتوبة من روايات متضاربة في بعض الأحيان والاعتماد على السماع تجدهم يشككون في وصول كُتّاب الأناجيل إلى الشهود ويتجاهلون تصريح لوقا الواضح بالاعتماد عليهم، ويتناسون الطبيعة الجماعية للذاكرة المسيحية المبكرة، وبالتالي لا يقبلون الأناجيل "كتاريخ".
٤. مسألة الأدلة الخارجية بين الأناجيل والمؤرخين العلمانيين القدماء
كثيراً ما يشير النقاد إلى أن الأناجيل تعتمدعلى الأدلة الداخلية بينما تفتقر إلى "التوثيق" (أي الدعم من مصادرخارجية)، والمفارقة (أو السخرية) أن ذلك يُطبق بشكل انتقائي، حيث تعتمد مصادرتاريخية قديمة أخرى أيضًا بشكل كبير على الشهادات الداخلية بدون توثيق خارجي.
تحب تشوف؟ خلينا نشوف...
· التوثيق للأناجيل (الأدلة الخارجية):
أ. من مصادر علمانية:
يؤكد مؤرخون رومان ويهود بعض الجوانب في الأناجيل بشكل غير مباشر:
١) تاسيتوس المؤرخ الروماني (حوالي ١١٦ م):
يذكر صلب يسوع تحت حكم بيلاطس البنطي (الحوليات ١٥: ٤٤).
٢) يوسيفوس المؤرخ اليهودي (حوالي ٩٣ م):
يشير إلى يسوع في كتابه " آثار اليهود" في موضعين، ورغم الجدل الذي يثار حول احد هذين الموضعين (بدعوى "احتمالية تدخل مسيحي" كما يدعون)، لكن الموضع الثاني بعيد كل البعد عن مثل هذه الشبهات حيث يشير إلى حنانيا رئيس الكهنة وحكمه برجم "يعقوب أخي يسوع" كما يذكر يوسيفوس عنه نصاً:
"جمع مجمع السنهدرين، وأحضر أمامهم أخا يسوع الذي كان يُدعى المسيح، والذي اسمه يعقوب، وبعض الآخرين. وبعد أن وجه إليهم اتهامًا بأنهم مخالفون للشريعة، سلمهم ليرجموا".
وهذا الكلام يتوافق مع (متى ١٢: ٥٥، مرقس ٦: ٣، أعمال ١٢: ١٧، أعمال ١٥: ١٣، أعمال ٢١: ١٨، غلاطية ١: ١٩، أعمال ٢: ٩، أعمال ٢: ١٢)، كما يتوافق مع التقليد الكنسي الذي يقول برجم يعقوب أخي الرب في أورشليم على يد حنانيا رئيس الكهنة. أيضاً حنانيا هذا ورد ذكره مرتين أثناء محاكمة بولس (أعمال ٢٣: ٢، أعمال ٢٤: ١).
٣) بليني الأصغر المؤرخ الروماني (حوالي ١١٢ م):
أنظر مقالنا المنشور تحت عنوان: يسوع شخصية تاريخية وليس أسطورة.
ب. الأدلة الأثرية:
اكتشافات أثرية مثل حجر بيلاطس تؤكد وجود شخصية بيلاطس كواحد من الشخصيات المذكورة في الأناجيل.
· التوثيق للمؤرخين القدماء (الأدلة الخارجية):
رغم استفادة هيرودوت وثيوسيدايدس من التوثيق لهم عبر علم الآثار أوالمؤرخين اللاحقين، فإن العديد من رواياتهم لا تزال غير مؤكدة أو هي موضع خلاف.
مثال: روايات هيرودوت عن الأمازونيات أو النمل الذي يحفر الذهب تفتقرإلى أدلة خارجية، لكن لا يتم رفضها بشكل قاطع.
٥. التقليد الشفهي نقطة قوة وليس نقطة ضعف.
ينظر النقاد إلى التقليد الشفهي للأناجيل كأنه نقطة ضعف، لكن الثقافات الشفهية كانت بارعة في الحفاظ على الروايات الأساسية بدقة عالية، كما أن قرب التدوين زمنياً من الأحداث لم يترك محلاً للشك في قوة هذا التقليد.
وعندنا مثال صارخ على تقليد شفهي "موثوق" في نظر التاريخ العلماني: الإلياذة، التي انتقلت شفهيًا لقرون قبل تدوينها، تُظهر اتساقًا مذهلًا ولم يطعن أحد في دقة النقل فيها رغم قدمها.
أما في حالة التقليد الشفهي المسيحي المبكر فمن المحتمل أن يكون عمل بنفس الطريقة بل ربما بأكثر قوة، حيث أن حفظ الأحداث الرئيسية من حياة يسوع حدث داخل مجتمع مترابط ينظر لهذه الأحداث نظرة تقدير وإجلال كبير (نظراً لأهميتها الدينية) بحيث لا يسمح بالتهاون فيها. (اقرأ: رحلة في تاريخ الكنيسة - (1) العصر الرسولي: أساس الاستمرارية المسيحية)
الخلاصة: هيرودوت وثيوسيدايدس والأناجيل
من أجل كل ما تقدم يبدو جلياً أن النقد الموجه للأناجيل سواء بدعوى الفجوة الزمنية المزعومة أو بسبب الاعتماد على روايات ثانوية secondhand (من شهود عيان أو مصادر أقدم) غالباً ما يتضمن ازدواجية معايير عند مقارنتها بالمؤرخين القدماء مثل هيرودوت أو ثيوسيدايدس. فالفجوة الزمنية للأناجيل (حتى لو كانت ٣٠-٤٠ عاماً في اقصى التقديرات تشاؤماً) هي قصيرة نسبياً وفقاً لمعايير العصور القديمة، كما أن الاعتماد على شهادة الشهود أو التقاليد الشفهية المبكرة يشبه أو ربما يتفوق على أساليب المؤرخين الآخرين. (وأكرر، ان التدوين قد تم في وقت مبكر جداً، وبعد التدوين لم يعد هناك خوف عليها من الفقدان).
ولذلك فادعاءات النقاد تبرز الحاجة إلى الحرص على معايير متسقة عند تقييم المصادر التاريخية (وخصوصاً عندما يخص الأمر شهود عيان الأناجيل)، لأنه إذا كان هيرودوت وثيوسيدايدس وهوميروس يُعتبرون ذوو قيمة رغم محدوديتهم، فإن الأناجيل تستحق نفس الاعتبار فيما يتعلق بدقتها التاريخية.
اشجعك تنقر هذا الرابط (الفچوة الزمنية بين تدوين الاناجيل واحداثها الفعلية) وتقرأ بالتفصيل لو لم تكن قرأته، وأيضاً في المقال التالي تقرأ: يسوع شخصية تاريخية وليس أسطورة.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..