-->

إنوما إليش والتكوين (٢): أصل الكون وأساطير القدماء.

الفوضى والتحولات:

في الجزء السابق أصل الكون ونظريات العلماء تحدثنا عن اعتقاد القدماء في ثبات الكون منذ عصور قديمة جداً وكيف أن الفيلسوف الإغريقي الشهير أرسطو كان قد اقترح أن الكون ثابت وأزلي وغير قابل للفناء وبالتالي ليس له بداية ولا نهاية، وبسبب ذلك الاعتقاد في الأزلية يبرز هنا أيضاً اسم الشاعر الاغريقي القديم "هيسيود" Hesiod الذي لم يعتقد ان العالم خُلِق من العدم لكن من حالة فوضى كانت قائمة من قبل وجوده.

The world was created ex vacuo, i.e. out of the void that existed before it, rather than ex nihilo, out of nothing.

تمثال نصفي من رخام أبيض للشاعر هيسيود
خبط الحنطة - هيسيود الشاعر الإغريقي

والسؤال الذي ربما يطرأ على ذهنك قارئي العزيز هو: لماذا والحديث عن أسطورة بابلية نستشهد بكلام لشخص من حضارة أخرى بل ونجعل من تمثاله صورة الغلاف للمقال؟ والإجابة أظنها بسيطة:

أولاً: لأن الاستناد هنا هو لكلام شاعر ينتمي لحضارة أحدث ووصلنا منها نذر معقول من الكتابات، بالإضافة إلى الشهرة التي عرفت عن سعي الإغريق للمنطق والفلسفة وتغليب العقل وليس فقط مجرد أساطير وخرافات والسلام. لا يغيب عن أغلبنا أن تعاليم الفلاسفة والمناطقة والرياضيين الإغريق تدرس حتى اليوم في أعرق جامعات العالم.

ثانياً: لأن كلام هيسيود هذا يوضح بجلاء أن الفكرة كانت سائدة في ذهن القدماء على نطاق جغرافي وتاريخي أوسع من مجرد منطقة محدودة في بقعة معينة من العالم.

والفكرة هي أن العالم الظاهر أمامنا الآن قد تشكل من خلال عملية تحولات طرأت على "موجودات" كانت قائمة بالفعل لكن في حالة فوضوية فخرجت لنا - بعد هذه التحولات - في حالة منظمة منضبطة كما هو بادي في الوضع القائم الآن.

وفي محاولة لفهم أصل الكون في الكتاب المقدس يحاول البعض الوقوف في نفس الزاوية أثناء قراءة الجو السائد في خلفية الأصحاحين الأولين من سفر التكوين (وبأكثر تحديد تكوين ١: ١، ٢)، فهؤلاء البعض يتصورون نفس الحالة في هذه الأعداد، أي حالة الفوضى التي أعقبها ترتيب وتنظيم، لكن هذا يتناقض مع إيماننا المسيحي الذي يرى أن العالم خلق من عدم أي من لا شيء وليس نتيجة لعملية تعديلات على ما كان قائماً بالفعل، ونحن في هذا مرجعنا ما نراه من تكامل الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس الذي يكمل بعضه بعضاً ولا يتناقض أي  جزء فيه مع الآخر، فالإعلان الذي في عبرانيين ١١: ٣ ينص صراحة على أن العالمين أتقنت بكلمة الله:

"بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ."

By faith we understand that the universe was created by f the word of God, so that what is seen was not made out of things that are visible.(ESV)

وهذا الأمر ربما نعود إليه لاحقاً.

عموماً، فكرة التحول من الفوضى إلى النظام نراها بارزة في أساطير الخلق عند القدماء، والتي من أشهرها الأسطورة البابلية "إنوما إليش" موضوع حديثنا هذه المرة. (اقرأ أيضاً: جدلية العلم الحديث والكتاب المقدس)

إنوما إليش

مكتبة أشوربانيبال (القرن ٧ قبل الميلاد):

معلومة مهمة عن مصدر أثري ثمين جداً، ففي النصف الثاني  من القرن ١٩ الميلادي تم العثور على كنز من المعلومات في مدينة الموصل العراقية (نينوى القديمة)، كان هذا الكنز عبارة عن مكتبة كاملة تحوي أكثر من ٣٠ ألف لوح من الطين محفور عليها نصوص بالكتابة المسمارية، ويعود تاريخ المكتبة والألواح المشمولة فيها إلى أشوربانيبال واحد من أواخر أباطرة الإمبراطورية الأشورية وحكم في القرن السابع قبل الميلاد، حيث يبدو أن أشوربانيبال لسبب او آخر كان حريصاً على الاحتفاظ بهذه المكتبة، أيضاً يعتقد انه خصص كُتَّاباً استقدموا نصوصاً لينسخوها من مناطق مختلفة وبلغات أخرى وحتى من خلفيات ثقافية ودينية غير الأشورية، وسجلوا هذا كله على ألواحهم ليحتفظ بها في مكتبته.

النصوص المكتوبة على الألواح في هذه المكتبة صنفها الدارسون لصنوف مختلفة من الكتابات منها الأدبية والشعرية والقانونية والمحاسبية والطبية وغيرها الكثير، ويبدو انه قد حدث حريق في القصر الذي حوى المكتبة عندما غزا البابليون نينوى مما ساعد على نضوج طين الألواح الأمر الذي أدى إلى صمودها لهذه المدة الزمنية الطويلة.

أرفف مكتبة مرصوص عليها ألواح مكتوبة بالخط المسماري.
خبط الحنطة - ألواح مكتبة أشوربانيبال في المتحف البريطاني.

مصدر إنوما إليش وتاريخ الكتابة والتسمية

النسخة الوحيدة الموجودة من نص أسطورة إنوما إليش الشعري وُجِدَ مكتوباً بالخط المسماري على ٧ ألواح من ضمن ما وجد في مكتبة أشوربانيبال باللغة الأكادية البابلية التي يعتقد أنها واحدة من أقدم اللغات المكتوبة في التاريخ البشري كله والتي اندثرت في وقت لاحق لتوسع الطريق للغات أحدث منها.

وكالمعتاد في دراسة التاريخ وما قلنا عن النظريات، ورغم أن التاريخ المؤكد لهذه الألواح المكتشفة يرجع لزمن حكم أشوربانيبال في القرن ٧ق. م. (٦٦٩ الى ٦٣١ ق. م) إلا أن جدلاً يثور حول جذور النص الأصلي للأسطورة وأنه ربما يعود إلى وقت سابق،  وكالعادة هناك "نظريات" تختلف في أصل نص إنوما إليش ولا يؤيد أياً منها دليل قاطع من الآثار المادية بل تعتمد على فرضيات مبنية على أدلة داخلية من النص نفسه واحتمال انتمائه للعصر البابلي الأقدم، فبينما بعض المؤرخين يعود بالنص قرنين فقط إلى القرن ٩ ق.م. نجد أخرين يرجحون القرن ١٢ أو ١٦ ق.م.، وهناك من يوغل في القِدَم بالعودة إلى عصر حمورابي (القرن ١٨ ق.م.) او حتى ما قبله بشوية.

طبعاً العامل الرئيسي لإشعال هذا الجدل والإبقاء عليه ملتهباً طوال الوقت هو تلك المقارنة مع التاريخ المقدر لكتابة موسى لسفر التكوين (حوالي القرن ١٣ق. م)، والمجادلون يعتقدون أنهم إن نجحوا في إثبات أن الأسطورة أقدم تاريخاً من موسى والتوراة استطاعوا تثبيت الفكرة القائلة بأن موسى نقل ما كتبه عن الأسطورة البابلية.

(اقرأ أيضاً: سفر التكوين - دعهم هم ينشغلون)

التسمية "إنوما إليش" معناها "عندما في الأعالي" وهي أول عبارة في بداية القصة الأسطورية، وهذا كان الأسلوب المتبع في تسمية نصوص أدبية كثيرة في تلك الأيام، هل لاحظت نفس الأسلوب في التسمية العبرية لسفر التكوين ألا وهي "في البدء" وهما أول كلمتين في السفر؟

قصة مردوخ أم قصة الخلق

اثر تاريخي يصور الملك حمورابي واقفاً أمام إله يعتقد انه مردوخ
خبط الحنطة - الملك حمورابي واقفاً أمام إله يعتقد انه مردوخ

وبغض النظر عن كل المحاولات السابق الإشارة إليها فإن المعتاد على قراءة تكوين ١، ٢ (ناهيك عن الدراسة المتعمقة) ثم يقرأ إنوما إليش بسذاجتها وبدائيتها وخرافيتها لابد أن يستبعد تماماً وبشكل تلقائي العلاقة بين كلا النصين (النص موجود بالتفصيل على الانترنت وتقدر تقرأه كله)، بيد ان هناك فارقاً جوهرياً ملحوظاً بين إنوما إليش والتكوين ١، ٢، فارق يستحق الانتباه وهو الذي يشكل فعلاً حاجزاً كبيراً يمنع القارئ المدقق من أي اعتقاد بعلاقة بين الروايتين:

إنوما إليش مكتوبة لتمجيد الإله البابلي مردوخ ("بل" أو "بيل") ولرفعه فوق كل الآلهة الأخرى:

ولترسيخ موقع متميز لمدينة بابل الصاعدة، بل وربما لتثبيت حكم حمورابي الملك الذي يُعتَقَد انها كتبت في عهده، وهنا نرى الخلق يأتي في سياق هذه الأهداف كمنتج جانبي side product....

بينما في التكوين ١، ٢ يظهر بجلاء كيف ان الغرض الرئيسي هو "رواية قصة الخلق" كهدف أساسي كما أراد كاتب التكوين ان يوضحها.

(انقر هنا لتتابعنا)

خلونا ناخذ فكرة عن الأسطورة بشوية تفاصيل علشان يكون كلامنا على نور... 

إنوما إليش - الحدوتة

(حاول تركز في أسماء الآلهة والعلاقات بينها لو قدرت. وممكن تستعين بالرسم البياني المرفق)

عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء، وفي الأسفل لم يكن هناك أرض. لم يكن من الآلهة سوى آبسو أبوهم، وممو، وتعامة الأم التي حملت بهم جميعاً. يمزجون أمواههم معاً. (هؤلاء هم الآلهة الكبار).

عمل فني للفنان الأمريكي ستيف سايمون يصور مردوخ في شكل بشري وملابس حربية يطعن تيامات برمح طويل
خبط الحنطة - مردوخ يقتل تيامات. عمل فني لستيف سايمون ومستوحى من أسطورة إنوما إليش

الأبطال:

رسم بياني يوضح شجرة العائلة للآلهة البابلية والعلاقات بينها.
خبط الحنطة - شجرة العائلة للآلهة البابلية

آبسو: إله المياه الحلوة.

مَمْو: إله الضباب ومستشار أبسو.

تِعامة (أو Tiamat): إلهة المياة المالحة.

أما أبناؤهم فكانوا:

"لَخمو" و "لَخامو"

ثم

"أنشار" و "كيشار" ...... اللذان انجبا   "آنو" بكر أنشار

آنو أنجب "نوديمود" الذي اسمه أيضا "إيا" أو "إنكي" إله الفطنة والذكاء والماء العذب، وكان أحكم من جده أنشار (وسيكون له دور لا يستهان به لاحقاً).

ملخص الأحداث:

١. "إيا" علم بمؤامرة "أبسو" مع "ممو" لقتل الآلهة الشباب، فأحاط الآلهة الشباب بتعويذة لحمايتهم.

‌أ. واستطاع تنويم "أبسو" وسلب منه سلطانه وذبحه وأقام فوقه مسكنه (ثم دعا مسكنه "الأبسو").

‌ب. كما اسر "ممو" بخزامة في انفه يسحبه منه إلى حيث يشاء.

‌ج. في سكنه الأبسو تزوج "دومكينا" وأنجب منها "مردوخ"

‌د. "انو" خلق الرياح الأربعة، وسلمها إلى "مردوخ" الذي استخدمها في عمل أمواج البحار مما أزعج "تيامات".

٢. "تيامات": تآمر معها الآلهة الكبار لكي تقتل الآلهة الشباب.

‌أ. جعلت "كِنجو" زوجاً لها وسلمته قيادة الآلهة.

‌ب. استعداداً للمعركة صنعت ١١ شكلاً من المخلوقات القبيحة المخيفة اجسامها مليئة بالأنياب ودماؤها سم.

‌ج. وخرجت بكل هذا للمعركة

٣. "إيا" علم بخطة "تيامات"، فخاف جداً واخبر جده "أنشار".

‌أ. "أنشار" حزن جداً لهذه الأخبار.

‌ب. "أنشار" طلب من "إيا" أن يذهب ليحارب "تيامات" كما حارب "أبسو" من قبل.

‌ج. "إيا" تحجج بأعذار كثيرة لكيلا يذهب لهذه الحرب.

‌د. "أنشار" توجه بالكلام إلى ابنه البكر "أنو" ان يذهب الى الحرب.

‌هـ. "أنو" بعد أن اطاع اباه ومضى الى قتال "تيامات"، سمع في الطريق باخبار استعدادات "تيامات" للحرب وعلم انه لا يقدر على مواجهتها فرجع إلى ابيه مرعوباً واخبره ان ذراعيه لا تكفيان لإخضاعها.

اللوح الثالث من الألواح السبعة التي تحكي أسطورة إنوما إليش
خبط الحنطة - إنوما إليش اللوح الثالث

٤. اجتمع الآلهة كلهم في حيرة وحزن يفكرون ما هو الحل، حتى خرج "أنشار" بالرأي أن أصلح من يقوم بهذه المهمة هو "مردوخ" الشجاع "صاحب العزم المتين الجريء في ساحة الوغى".

‌أ. "إيا" استدعى ابنه "مردوخ" إلى غرفته ونصحه أن يذهب إلى محضر جده في كامل عدته الحربية، وأن يظهر له استعداده البطولي ونشاطه العسكري.

‌ب. طبعاً "مردوخ" رسم الشجاعة أمام جده "أنشار" وطمأنه بأنه سيقاتل كل من قام ضده حتى لو كانت المرأة "تيامات" (الجدة "تيامات").

‌ج. لكن "مردوخ" اشترط على الآلهة أن يصير ملكهم وألا يردوا له أمراً إذا انتصر على "تيامات"، وطبعاً كل الآلهة قبلت هذا الشرط لِما رأوه من شجاعة "مردوخ" وقدرته الفذة.

‌د. قبل "أنشار" بشرط "مردوخ" حتى انه تولى اقناع باقي الآلهة حتى الأكبر منهم ("لخمو" و"لخامو").

‌هـ. وصنع الآلهة عرشاً ملكياً لـ"مردوخ" واحتفلوا به وزودوه بالسلطان وكل القدرات اللازمة للمعركة.

٥. التقى "مردوخ" مع جيش "تيامات"، وطلب قتالها فردا لفرد فقبلت، وانتصر عليها وقتلها، ثم قتل وأسر بقية جيشها و"كنجو" زوجها وقائد الجيش أسره أيضا وجرده من سلطانه. (ابتداءً من هنا يبدأ الحديث عن الخلق).

‌أ. وبعدها التفت إلى "تيامات" فشقها نصفين فانفتحت كالصدفة، "فرفع نصفها الأول وشكل منه السماء سقفا وضع تحته العوارض وأقام الحرس وأمرهم بحراسة مائه فلا يتسرب"

‌ب. عمل النجوم محطات للآلهة يستريحون فيها، وعمل فتحة في الشرق وفتحة في الغرب لكي تمر منهما الشمس في الشروق والغروب.

‌ج. طبعاً نصفها الآخر صنع منه الأرض. رأسها صنع منه تلالاً وفجر في اعماقها الماء فخرج من عينيها نهرا دجلة والفرات، ثدياها عمل منهما الجبال السامقة.

‌د. أوجد المعابد وسلمها إلى "إيا"، ولوح الأقدار الذي غنمه من "كنجو" أعطاه الى "آنو".

‌هـ. المخلوقات القبيحة التي كانت "تيامات" أعدتها لتحارب بها جعلها تماثيل ونصبها عند فوهة الأبسو لكي تظل ذكرى الأحداث باقية.

(انقر هنا لتتابعنا)

٦. حضرت الآلهة الى "مردوخ" شاكرين مهللين وقدموا له الهدايا، فوعدهم بأن يعطيهم سلطاناً على الأرض، وفكر ايضاً في ان يخلق الإنسان لكي يخدم الآلهة، احضر "كنجو" وقتله وخلط بدمه طينا ومنه "إيا" الحكيم هو من قام بصُنع الإنسان.

‌أ. طبعاً قام ببناء بابل على اسمه "بل" (أحد أسماء مردوخ).

‌ب. كان البابليون يحتفلون سنوياً "بمردوخ" ويقرأون "إنوما إليش" ويذكرون أسماء "مردوخ" الخمسين بكل معانيها. (موجودة في اللوح السابع)

صورة أثرية لإله بابلي (نينورتا) يطارد تنيناً (أنزو)، بينما تنتشر نفس الصورة في مواقع كثيرة على انها لمردوخ يطارد تيامات.
خبط الحنطة - هذه الجدارية تصور نينورتا يطارد أنزو طبقاً لأوستن هنري ليارد
 لكن يشاع خطأً أنها تصور مردوخ يطارد تيامات (من أسطورة إنوما إليش)

إنوما إليش والتكوين – تشابه أم اختلاف؟

تعالوا نذكر ما يراه البعض تشابهاً بين النصين إنوما إليش وتكوين ١، ٢، ثم نذكر الاختلافات الظاهرة، ثم اترك لكل قارئ فطن فيكم أن يحكم بنفسه إن رأى علاقة أم لا:

أوجه الشبه بين إنوما إليش وتكوين ١، ٢

١. البداية: "عندما في الأعالي"، "في البدء".

٢. وجود فوضى يخرج منها نظام (لاحظ ان هذه هي القراءة السطحية وغير المتعمقة).

٣. ظلام يسبق الخلق.

٤. الأيام السبعة في مقابل الألواح السبعة.

٥. الغمر من الماء:

‌أ. التكوين يعتبر الغمر هو العدم.

‌ب. الأساطير تعتبر الغمر هو المادة الأولية التي خلق منها بقية الأشياء.

٦. هناك تشابه ظاهري بين الكلمة العبرية "تيهوم" المترجمة "الغمر" في تكوين ١: ٢، واسم الآلهة "تيامات"

٧. البعض يرى في صيغة الجمع في "نصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا" إشارة إلى:

‌أ. في الأساطير: مجمع الآلهة ومشاوراتهم

‌ب. في سفر التكوين: الإله الواحد مثلث الأقانيم.

٨. يوم السبت الراحة والاحتفال بعد انتهاء الخلق والمعارك.

٩. عملية الفصل في القصتين:

شق جسد تيامات، والفصل بين المياه التي فوق الجَلَد والتي تحت الجَلَد (تكوين ١: ٧)، الفصل بين النور والظلمة (تكوين ١: ٤)، وبين المياه واليابسة (تكوين ١: ٩).

(اقرأ أيضاً: الأدلة المادية والذرات الكربونية والحجج الليبرالية-الإلحادية)

الاختلافات بين إنوما إليش وتكوين ١، ٢:

١. صيغة التوحيد في سفر التكوين بالمقابلة مع تعدد الآلهة في إنوما إليش.

٢. لا توجد ثنائية إله للخير وآخر للشر في سفر التكوين بينما هي واضحة جداً في كل الأساطير الوثنية.

٣. إنوما إليش أسطورية وتجعل من الأشياء آلهة وهو نوع من تأليه الطبيعة، بينما التكوين يؤكد على أن كل الأشياء هي مخلوقة من الله تماماً كالإنسان.

٤. في الأسطورة نرى عملية الخلق تتم من خلال فوضى وحرب وضجيج شديد، بينما في التكوين نلمس السلام والهدوء الشديد الذي تمت فيه عملية الخلق، فقط أوامر من الرب الخالق فيكون ما أمر به: "«لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ..... «لِيَكُنْ جَلَدٌ»..... وَكَانَ كَذلِكَ...."

٥. وجود القوى السحرية في الأساطير والتي بها يتم إخضاع الأشياء والآلهة وكل شيء تقريباً، بينما في الخلق الإلهي كل شيء يتم بأمر من الرب والخليقة تنصاع لأمره.

٦. الآلهة البابلية كما غيرها من الآلهة الوثنية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة (المياه – الهواء – السماء – الأرض.... الخ) بينما الله في التكوين منفصل عن الطبيعة.

"وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ." (تكوين ١: ٢)

هذا العدد الذي يُساء فهمه ويتم استخدامه في سياق محاولة خلق التشابه المزعوم هو نفسه أكبر دليل على أن الله ليس جزءًا من الطبيعة كالآلهة الوثنية بل هو يعمل عليها من خارجها.

فالتعبير "وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ." يقول ببساطة أن الله ليس جزءًا من هذه الطبيعة (المعبر عنها بالمياه) لكنه خارجها وهو على استعداد لبدء عملية الخلق فيها.

٧. في التكوين كل عناصر الطبيعة موجودة، بينما تم اغفال الكثير من عناصر الطبيعة في إنوما إليش (النباتات – الحيوانات – النور)

٨. في التكوين يخلق الله "السماء والأرض" خلال الأيام الثلاثة الأولى، بينما في إنوما إليش لا يرد ذكرهما قبل اللوح الرابع. (أذكرك بالعلاقة المزعومة بين عدد أيام الخليقة في التكوين وعدد الألواح في الأسطورة)

٩. في التكوين الانسان خلق من طين ليحكم الخليقة، بينما في إنوما إليش خلق الإنسان من دم إله ليخدم الآلهة.

١٠. إنوما إليش صنعت خصيصاً لتمجيد مردوخ كإله لبابل فوق كل الآلهة الأخرى، وبالتالي تعظيم سلطان حمورابي (هذا على افتراض أن النص الأصلي ينتمي للقرن ١٨ قبل الميلاد) وجاء ذكر الخليقة فقط في سياق هذه الأحداث، بينما تكوين ١، ٢ مكتوبان خصيصاً لرواية قصة الخليقة.

والآن...

بعد ان وضعت أمامك ملخصاً لحقائق كثيرة متصلة بالموضوع، وقد أصبحت أمامك الفرصة مفتوحة للبحث بأكثر عمق إن شئت، أصبحت المسؤولية موضوعة على عاتقك للحكم على كل ما قرأت واختيار أي الآراء تتبنى وأي الجانبين تنحاز إليه:

هل ترى كاتب التكوين قد نقل من الأسطورة كما رويت له أو قرأها؟

أم أن الكاتب المقصود سجل ما أعطاه إياه الوحي المقدس وما تناقله الآباء البطاركة جيلاً بعد جيل - تواتراً ودون تسجيل - عما شهدته الخليقة منذ آدم، الأمر الذي اغفلته بقية الشعوب وفضلوا عليه تأليف حواديت أسطورية حول الحدث؟

القرار لك!

#خبط_الحنطة

اقرأ أيضاً:

البحث عن الله

صدقيو عصرنا الحالي

سلسلة: إنوما إليش والتكوين أصل الكون وأساطير القدماء
تعليقات