-->

إنوما إليش والتكوين (١): أصل الكون ونظريات العلماء.

ينتشر بين نقاد الكتاب المقدس وهؤلاء الذين يدعون الدراسة المتحررة (الليبرال) مقولات من عينة "التشابه بين قصة سفر التكوين والأساطير القديمة لبلاد ما بين النهرين" وكيف أن أصلهم واحد، وبديهي طبعاً أن الأساطير هي الأصل في ذهن هؤلاء، لذلك نجدهم دائماً ما يقرنون قصة الخلق في تكوين ١، ٢ مع أسطورة إنوما إليش البابلية، وتقترن قصة نوح والطوفان مع أسطورة أو ملحمة جلجامش السومرية. لذلك تصورت أن عرض ملخص لأسطورة إنوما إليش ربما يتيح فرصة للقارئ الكريم لأن يرى بنفسه هل هناك فعلاً أي تشابه يؤكد على أن كاتب التكوين قد نقل ما كتبه من الأسطورة أم أن هذا محض افتراء ورغبة مستميتة في ابتداع أي شبه والسلام لكي يطعن في أصالة رسالة الكتاب المقدس. (اقرأ أيضاً: سفر التكوين - دعهم هم ينشغلون)

صورة للمجرة أندروميدا
خبط الحنطة - نظريات العلم في تفسير اصل الكون

مقدمة ضرورية:

في مقال سابق بعنوان جدلية العلم الحديث والكتاب المقدس صنفنا العلم في نوعين، أحدها تجريبي والآخر نظري، الأول يعتمد على تجارب معملية تم تكرارها ويمكن إعادتها ملايين المرات، وفي كل مرة تخرج النتائج متطابقة، أما في الثاني النظري فهناك باستمرار فرضيات ونظريات "قد" تعتمد على الملاحظة والاستقراء والمتاح من المعلومات قليل أو كثير، كما أن خيار إجراء تجارب لمحاولة اثبات هذه النظريات ربما لا يتاح أبداً (يعني مثلاً نظرية التطور أو الانتقاء الطبيعي يستحيل أن يوجد أي نوع من التجارب يمكن إجراؤه لتأكيدها). عموماً قد تستمر هذه النظريات لعقود وأحياناً لقرون خلالها يصدقها الناس والمجتمع العلمي، وقد يثبت لاحقاً انها ليست صحيحة أو على أقل تقدير تفتقر للدقة الكافية فيتم تنحيتها جانباً واستبدالها بما هو أحدث.

وقد يتصور القارئ العزيز أن هذا الكلام السابق خاص بعلوم إنسانية فقط مثل الاجتماع والتاريخ والأنثربولوجيا، لكن الثابت أن هذا ينطبق حتى على قطاعات من علوم تندرج في أذهاننا تحت النوع الأول (التجريبي) التي نعتمد في أجزاء منها على التجارب المعملية وعلى المراقبة المباشرة بالميكروسكوب وبالتليسكوب وبالمجسات من مختلف الأنواع، وحيث أن التجارب والمراقبة لا تكفي لتفسير كل الظواهر الحاصل عليها الملاحظة والاستقراء يظل هناك الكثير من الغموض الذي يحتاج تفسير وملايين الفراغات التي تتطلب سدها بأي شكل، لذلك يضطر "العلماء" لإيجاد فرضيات ونظريات في محاولة منهم لتفسير الغموض وسد الفراغات، وهم في ذلك لا يدينون أنفسهم ولا يدينهم أحد فيما يعملون. (اقرأ أيضاً: الانسان والأرض والكون)

من كل ما تقدم  يمكننا بكل أريحية أن نقول إن كثير مما يسمى "نظريات علمية" لم ولا ولن تخلو من الاضطرار إلى "حشر" شأن فلسفي او تخيلي (أو حتى أسطوري إن شئت القول)، ووارد جداً أن يتم التخلي عن هذا الشأن "المحشور" أو حتى عن النظرية كلها لاحقاً.

مش مصدقني؟ طب تعال نشوف الفلك والفيزياء الفلكية في محاولة دراسة أصل الكون.

أصل الكون: من ثبات الكون إلى الانفجار العظيم – مقارنة مع سفر التكوين

+ ألبرت أينشتاين ونظريته للنسبية العامة:

ظل المجتمع العلمي (إن جاز لنا أن نسميه هكذا) يعتقد في ثبات الكون وأزليته طوال أكثر من ١٠ قرون (زمبؤلك كده.. عشرة قروووون)، حتى أينشتاين في القرن العشرين عندما طرح نظريته في النسبية العامة احتاج أن يستمر في افتراض أن "الكون ثابت"، وبناءً عليه اخترع عامل ثابت اسماه "الثابت الكوني" Cosmic Constant، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن حيث أن ما حدث لاحقاً هو أنهم اكتشفوا من عدة ظواهر وملاحظات ان الكون يتمدد.

 الله... يعني الكون مش ثابت؟!!!! لااااااا، طلع مش ثابت، لذلك اضطروا لهجر فكرة "ثبات الكون".

 (انقر هنا لتتابعنا)

صورة عالمي فلك في بابل يرصدان النجوم ويرسمان الخرائط
خبط الحنطة - ظل العلماء ١٠ قرون يعتقدون أن الكون ثابت وأزلي

+ الذرة البدائية ثم الانفجار العظيم:

جاء بعد أينشتاين واحد اسمه لومتر Lemaitre الذي حاول تفسير بداية الكون على انه جاء من جزئية صغيرة اسماها "الذرة البدائية" Primeval Atom، ثم تطور هذا التفسير حتى وصلوا الى نظرية الانفجار العظيم Big bang Theory.

(تقدر تعمل بحث وتقرأ عن كل النظريات على الشبكة العنكبوتية)

+ نظرية الحالة الثابتة Steady State Theory:

وحيث أن نظرية الانفجار العظيم لم تكتمل كل تفسيراتها بعد، لذلك خرج إلينا مفهوم جديد اسمه "الخلق المستمر" Continuous Creation، وهذا المفهوم احتاج بالأكثر إلى تفسير خيالي أو ميتافيزيقي شوية فظهرت نظرية "الحالة الثابتة" Steady State Theory (Bondi & Gold 1948) ، وكان المبدأ الأساسي لهذه النظرية اسمه "المبدأ الكوني المثالي" Perfect cosmological Principal، تخيل بقى يا مؤمن أن هذا المبدأ موجود من أياااااااام ارسطو، أي من قبل كل هذا التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل المعاصر بقروووون عديدة.

تمدد الكون في مقابل ما قاله ارسطو في أصل الكون:

أرسطو من زماااان كان قد اقترح أن الكون ثابت وأزلي وغير قابل للفناء لذلك ليس له بداية ولا نهاية.

لكن واجهت "العلماء" مشكلة، لأنهم لاحظوا أن مادة الكون تنخفض كثافتها تدريجياً كنتيجة طبيعية لتمدد الكون (احنا عارفين إن الكثافة تساوي الكتلة على الحجم، فلو ان الحجم يتمدد مع ثبات الكتلة تكون النتيجة أن تقل الكثافة)، لذلك ولتعويض التخفيف أو انخفاض الكثافة التدريجي الحاصل "اقترح" أصحاب هذه النظرية أنه لابد أن هناك خلق مستمر يحدث للمادة، ووصلوا في اقتراحهم هذا للحد الذي فيه كمان "افترضوا" معدل لهذا الخلق، حيث افترضوا خلق ذرة هيدروجين واحدة لكل متر مكعب من الفضاء كل ١٠٠ مليار سنة.

عاوز تسمع الكوميديا بقى! بعد ان رجعنا لأرسطو من شوية، هناك من يعتقد ان أصل هذه الفكرة (الخلق المستمر) موجود في أساطير الأزتيك والتي كانت تتطلب تقديم أُضحيات بشرية مستمرة لكي يتم الحفاظ على الكون (الأزتيك شعوب قديمة أقاموا حضارة في المكسيك).

+ نظرية إشعاع الخلفية الكونية Cosmic Background Radiation:

أخيراً خرجت هذه النظرية "إشعاع الخلفية الكونية" وأيدت فكرة الانفجار العظيم وخالفت فرضيات النظرية السابقة (الخلق المستمر).

وتظل النظريات والفرضيات تتوالى دون معارضة منا لها، ببساطة لأننا نحترم "العلم واجتهاد العلماء"، لكننا والحق يقال لا نرغب في ان نبتعد بها عن كونها مجرد نظريات واجتهادات يشكل الخيال جزءًا لا بأس به منها، وطبعاً لا نملك أي اعتراض على ما يثبت صحته منها، لكن لا يجوز أن ننسى أيضاً ان منها الكثير مما هو معرض للنقض في أي لحظة. في نفس الوقت، ما يسوؤنا بالأكثر هو كيف يتعامل معها حسنو النية (مَشِّيها حسنو النية) على أنها حقائق علمية ثابتة، بل الأدهى إنه ورغم ما في هذه النظريات من عدم اليقينية الواضحة هناك مغرضون يرونها تلكيكة يناقضون بها الكتاب المقدس الذي للمفارقة الساخرة يتهمونه بأنه "مجرد أساطير". بينما أصل الكون في الكتاب المقدس فيبدأ بكلمة الله، بخلاف النظريات التي تتغير مرة بعد أخرى مع تطور الاكتشافات، لذلك، وقبل الحكم على التكوين كأسطورة، قارن مع إشعاع الخلفية الكونية وتمدد الكون – فالعلم يتطور، والكتاب ثابت.

طيب طالما جاءت سيرة الأساطير، تعالوا بقى نروح للأساطير اللي هي مصنفة "أساطير بحق وحقيقي" ونشوف حكاية إنوما إليش وهل هناك أي علاقة بينها وبين خلق سفر التكوين كما يدعي المدعون؟ هذا ما سنذهب إليه في الجزء التالي. انقر الرابط👇:

أصل الكون وأساطير القدماء

#خبط_الحنطة

اقرأ أيضاً:

البحث عن الله

صدقيو عصرنا الحالي

سلسلة: إنوما إليش والتكوين أصل الكون ونظريات العلماء
تعليقات