(١) المعادلة الصفرية والعقل المنشود
يشتبك الكثيرون فيما يصورونه وكأنه الخلاف الازلي بين العلم والايمان، العقل وما وراء الطبيعة، الاجتهاد والتوفيق، البشر والملائكة... الخ، وأمام هذا النوع من الخلاف لا اعلم لماذا نخرج في الغالب بانطباع اننا امام معادلة صفرية حيث ينبغي أن يكون هناك طرف مخطئ تماماً والطرف الآخر صحيح بكل تأكيد. وللأمانة، التفسير الوحيد الذي أجده عندي لانحباس اصحاب ذكاء فائق في وهم هذه المعادلة الصفرية هو الافتقار للنعمة الالهية التي توسع الافق وتضبط التعليم وتصقل الخبرات. (اقرأ أيضاً: جدلية العلم الحديث والكتاب القدس)
من فضلك تحتاج لقراءة (أعمال الرسل ٢٧) كله لتستوعب الكلام التالي، حيث سترى قصة رحلة بحرية ابسط ما يقال عنها - بشرياً - إنها "رحلة مشؤومة" لو علم اصحابها ما ستؤول إليه لما كانوا خرجوا فيها أصلاً. لكن دعونا نضعها تحت منظار التحليل حيث أتصور أننا يمكن أن نخرج ببعض الملاحظات التي قد تساعد في فك هذا الاشتباك.
لاحظ هنا ان بولس لم يختر هذه الرحلة بل هو أسير "مُرَحّل" الى روما على حساب الحكومة الرومانية وتحت حراسة مشددة ومع أسرى آخرين، إذن هناك من اتخذ القرار بالنيابة عنه وعليه ان يدفع ثمن قراراتهم، لكن للغرابة تنتهي الرحلة وبولس كأنه المسيطر والذي له اليد الأعلى ومصدر الالهام في وسط عاصفة الحياة.
![]() |
| خبط الحنطة - واجه رياح الحياة كما بولس السجين القائد |
(٢) شركاء الرحلة وأهدافهم - الأمل المعقود
١. الدافع الاساسي للرحلة كان الاندفاع خلف المصلحة والمصلحة فقط:
او بتعبير آخر تحقيق رغبات شخصية محمومة، فصاحب السفينة السكندرية يحمل قمحاً مصرياً لعاصمة الامبراطورية ولابد ان في هذه الرحلة مصلحة كبيرة، وقائد المئة مع جنوده الرومان يريدون توصيل اسراهم الى روما لينتهوا من مهمتهم وربما يلحقون باهلهم لبعض الوقت في إجازة من حياة الجندية بعد قضاء وقت طويل في سوريا، وقد لا يكون هذا سيئاً في حد ذاته لكن تأثيره في اتخاذ القرارات للرحلة هو ما وصل السفينة بطاقمها وكامل ركابها الى الكارثة التي حلت بهم. تحتاج أن تقيِّم "دوافعك ومبررات قرارك" بكل حيادية فلا تجعل "المصلحة" او "الشهوة" او "الرغبة" تعميك عن بقية العوامل المحيطة التي قد يكون لها أكبر تأثير على رحلتك. (اقرأ أيضاً: لماذا لا ينجح أسلوبك)
٢. قرار بدء الرحلة بناء على حسابات غير واقعية.
قرار بدء الرحلة تم اتخاذه بناءً على حسابات غير واقعية في ظروف لا يمكن التنبؤ بها، فالرحلة تمت مع بدايات الخريف بين سبتمبر واكتوبر (بعد صوم يوم الكفارة ع٩) وهذه الفترة تشهد تقلبات كبيرة والجو فيها غير مضمون لذلك لا يعتبر مناسباً أبداً لركوب البحر في عرف البحارة، بالرغم من هذا اتخذ صاحب السفينة وربانها قراراً بان ينطلقوا في السفر "لعل وعسى" الحظ الحسن يرافقهم فيترفق بهم الطقس ويؤخر ثورته حتى يصلوا الى وجهتهم، او "ربما" يلحقوا بأي ميناء في الطريق يصلح لقضاء الشتاء فيه بعد أن يكونوا قد قطعوا مسافة جيدة من الرحلة كما يأملون. ببساطة، خرج هؤلاء في مغامرة (او مقامرة) "يا صابت يا أثنين عور"!
حذاري من الاندفاع الى قرارات مبنية على مخاطرات او رهانات تحمل في جوهرها عوامل فشلها وفشلك معها.
لا أقول إن الحياة يمكن ان تظل على وتيرة واحدة كما قد يتصور البعض بل قد تأتي عليك بما لا تتوقع حتى لو قررت ان تمشي "جنب الحيط"، والعكس يحدث أيضاً فهناك أمور لابد فيها من التحلي بروح الاقدام والمغامرة لتحقق نجاحات، لكن في كل الاحوال هناك شعرة رفيعة بين المغامرة القانونية المنضبطة الصحيحة وبين التحركات التي تكون احتمالات فشلها ظاهرة للعيان منذ ما قبل البداية ورغم ذلك تجد من يجادل ويراوغ وربما يخدع نفسه ليقنعها بان كل شيء سيكون على ما يرام.
٣. لم ينصت اصحاب القرار لصوت العقل لصدوره عن شيخ مسن واسير ضعيف.
ثم من هو هذا المعلم المسيحي المنشق عن اليهودية واي خبرة له بالجو والبحر والملاحة حتى نصغي إليه في شأن من شؤون الملاحة؟! ونحن كثيرأ ما نرفض النصيحة والرأي من أناس ننظر إليهم ونقيِّمهم حسب مظهرهم او حسب مدى ارتياحنا لهم او مدى اتفاقنا واختلافنا معهم وهكذا نخسر وتكون الخسارة كبيرة. (اقرأ أيضاً: النظرة الناقدة)
وبدأت الايام الصعبة ونتائج القرارات الخطأ جاء وقت حصادها، وهنا نرى شخصية الرسول بولس لنتعلم منه كيف مر بهذه الظروف.
![]() |
| خبط الحنطة - السجين القائد |
(٣) شخصية بولس - العمل المقصود
١. يتجنب الفتوى بما لا يعرف لحساب الخبرات التخصصية.
في الوقت الذي رفض فيه الآخرون النصيحة بكل كبرياء ورفضوا الاستماع لصوت الخبرة والتجربة ليتوقفوا عن ارتكاب الحماقة، في نفس هذا الوقت كان بولس يقر - في داخله أولاً - ان "يعطي العيش لخبازه" وألا يفتي فيما لا يعرف، هذا بغض النظر عن مكانة هذا "الخباز" الاجتماعية او مشاعره تجاه هذا "الخباز" سلباً او إيجاباً، وبولس عبَّر بشكل عملي عن هذه القناعة عندما طلب من قائد المئة الابقاء على البحارة في السفينة لان هذا مجال خبرتهم، والبحارة هم الخباز هنا. (أعمال ٢٧: ٣١).
٢. كان بولس يفكر ويتكلم بكل تعقل وواقعية وموضوعية.
في الوقت الذي قرر فيه الآخرون ركوب المغامرة والتعلق بأوهام وآمال واهية بأن "الحظ" ربما يرافقهم كان بولس يفكر ويتكلم بكل واقعية وبكل تعقل، "قائلًا: «أيُّها الرِّجالُ، أنا أرَى أنَّ هذا السَّفَرَ عَتيدٌ أنْ يكونَ بضَرَرٍ وخَسارَةٍ كثيرَةٍ، ليس للشَّحنِ والسَّفينَةِ فقط، بل لأنفُسِنا أيضًا»." (أعمال ٢٧: ١٠). فالتحليل المنطقي يقول ان كذا وكذا من العوامل لابد وأن تخرج لنا بكذا وكذا من النتائج، وبولس كان منطقياً جداً. (اقرأ أيضاً: يفتاح رجل الظروف الصعبة والمهام الصعبة)
٣. يسعى خلف تحقيق الرؤية والتكليف الإلهي بعيداً عن الشهوة الشخصية.
في الوقت الذي كان الآخرون مندفعين وراء "شهوات" سواء لمكسب مادي أو لإرضاء الرؤساء أو البحث عن الراحة كان هذا الرجل يسعى خلف تحقيق رؤية وتكليف وضعه الرب أمام عينيه منذ البدايات الاولى في الطريق الى دمشق (أعمال ٩)، وظلت الرؤية حية والتكليف متجدداً حتى شهور مضت في اورشليم «كما شَهِدتَ بما لي في أورُشَليمَ، هكذا يَنبَغي أنْ تشهَدَ في روميَةَ أيضًا». (أعمال ٢٣: ١١)، فالرجل بعيد كل البعد عن الانانية وعن السعي خلف شهوة أو مصلحة شخصية. (اقرأ أيضاً: قانون حبة الحنطة)
هل يمكن ان يتخلى الاله القدير عن شخص بهذا القدر من التوازن تحت أي ظرف؟! بالطبع لا!
لأجل هذا تأتي بشرى الخلاص والامل في حل المشاكل من خلال رجال كبولس وليس من خلال بشر من نوعية مرافقيه في السفينة باختلاف انواعهم.
(4) كيف أصبح السجين منقذاً - الاتكال المفروض
١. الرب بنفسه وعده بالأمان.. تمتع بالضمانات الإلهية.
ايوه تكلم معه سواء صدَّق "اصحاب العقول" او رفضوا التصديق، الرب الذي وقف به من ٣٠ سنة في الطريق إلى دمشق وكلمه بينما لم يسمعه المرافقون حينئذ، هو هو الذي وقف به وحده قبل سنتين في اورشليم (أعمال ٢٣: ١١)، واليوم أرسل ملاكه له وحده (من وسط ٢٧٦ شخص في السفينة) ليطمئنه ان كل الحماية والدعم مكفولان له، وفوق هذا يمنحه حياة كل من معه هبة "فوق البيعة". على الرغم من ان الريح مازالت شديدة والامواج مازالت عالية وعاتية والشمس لم تشرق طوال اسبوعين، لكن الايمان يرى ما خلف العيان ويستقبل الغير ملموس بالرغم من حُجُب الملموس.
٢. احترام العقل (في الكتاب المقدس) رغم المعاملات الروحية.
في نفس هذا الظرف ورغم وعود الحماية لكن ظل العقل حاضراً وبولس يصر على وجود البحارة كضرورة وأداة في يد الله للنجاة،
فالرب يحترم عقولنا طالما لا نستخدم محدودية هذه العقول في حصر معرفته وحكمته وقدراته الغير محدودة.
٣. امتداد ارشاد الله وحمايته مضمونان لرجال من هذه النوعية.
فوق كل ما سبق، هذا الرجل بولس "يعيش إرادة الله" طوال العقود الثلاثة السابقة ينفذ فيها تكليفه والمهمة التي اوكلها اليه، ومثل هؤلاء لا يبخل عليهم الرب بحمايته وبقيادته وإرشاده بكل الطرق المنطقية التي يستوعبها العقل وفوقها أيضاً الطرق الفوق طبيعية التي يرفضها اخوتنا "أصحاب العقول"، والاختيار هنا هو لله ليقرر ماذا يفعل بحسب حكمته.
فلتواجه الحياة كما ينبغي لتحمل البركة للآخرين في الضيق
انت أخي/أختي سبب بركة وإرشاد وحماية ليس لنفسك فقط بل أيضاً للمحيطين بك طالما تؤدي المهمة والتكليف الذي كلفك به الرب.
"سِرُّ الرَّبِّ لِخَائِفِيهِ، وعَهدُهُ لتَعليمِهِمْ." (مزمور ٢٥: ١٤)
"مَلاكُ الرَّبِّ حالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، ويُنَجّيهِمْ." (مزمور ٣٤: ٧)، لكن لو انت عايش زي كل الناس كل همك تاكل وتشرب وتربي العيال فلا تلومن إلا نفسك لو تتخبط في الحياة وأمواجها تخبّط فيك.
(اقرأ أيضاً: صدق الله فيما يقول)
#واجه_رياح_الحياة #العقل_المنشود #الامل_المعقود #العمل_المقصود #الاتكال_المفروض
#خبط_الحنطة
٢٢ سبتمبر ٢٠٢١ – تاريخ النشر في فيسبوك.


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..