ڤيديو متداول يصور الأرض والكواكب والنجوم المعروفة ويقارن الأرض بتلك الكواكب والنجوم فتبدو في الخلاصة وكأنها ذرة رمال وسط مليارات حبات الرمال على شاطئ محيط، وهنا ثار السؤال:
لماذا نسمح لأنفسنا بالاعتقاد ان الارض فقط هي التي فيها حياة بينما هي بحجم حبة رمل بالنسبة لرمال العالم او بالنسبة لبقية العالم؟
![]() |
| خبط الحنطة - الانسان والأرض والكون |
ومن حيث المبدأ، هذا سؤال مشروع، وفي الحقيقة ربما كان وما يزال هو الدافع الذي يغذي مشاريع البحث العلمي في مجال الفلك على وجه التحديد، ونحن كمؤمنين لا نحارب البحث العلمي أبداً وقد نتج عنه - ومازال ينتج - تطبيقات افادت وتفيد البشرية، لكن لكي نكون واضحين، إنه حتى اليوم الذي يصل فيه البشر لمعلومات مؤكدة ترُدّ على هذا السؤال المثار تحديداً يظل تناولنا للرد بناءً على ما وصلنا من إعلان إلهي في الكتاب المقدس لأنه كل ما لدينا لنمسك به.
"اللي مش عاجبه يوزن بره!" لا تعترف بالإعلان في الكتاب المقدس وتريد ان تظل ممسكاً بأقل القليل (تقريباً لا شيء) من نتائج الاكتشاف العلمي البحت؟ براحتك! نام على الجنب اللي يريحك (لو هايريحك!). (اقرأ أيضاً: جدلية العلم الحديث والكتاب المقدس)
في الكتاب المقدس: نعمة الله في الخلق والخلاص
١. نعمة الله في الخلق
في مزمور ٨ نرى المرنم ينظر حوله وفوقه وتحته ويشاهد هذا الكون الهائل "إذا أرَى سماواتِكَ عَمَلَ أصابِعِكَ، القَمَرَ والنُّجومَ الّتي كوَّنتَها،" (ع٣)، ثم ينظر الى نفسه والى اخوته من بني البشر في ضآلتهم بالمقارنة مع الكون ويسأل نفس السؤال: "فمَنْ هو الإنسانُ حتَّى تذكُرَهُ؟ وابنُ آدَمَ حتَّى تفتَقِدَهُ؟" (ع٤)، يا رب ده الانسان "ولا حاجة" بالمقارنة مع كل هذه العظمة والجلال والضخامة اللامتناهية.
![]() |
| خبط الحنطة - من هو الإنسان حتى تذكره؟ |
ثم يواصل المزمور فيكشف لنا سراً عن هذا الإنسان الضئيل: شوف الرب عمل به ايه (ع ٥، ٦):
- تَنقُصَهُ قَليلًا عن المَلائكَةِ
- وبمَجدٍ وبَهاءٍ تُكلِّلُهُ
- تُسَلِّطُهُ علَى أعمالِ يَدَيكَ
- جَعَلتَ كُلَّ شَيءٍ تحتَ قَدَمَيهِ
(مؤقتاً، سنضع جانباً البعد المسياني في الآيات ونعود له لاحقاً)
يعني رغم ان المرنم يعترف بضآلة الانسان مقارنة بضخامة الكون، لكنه رأى أيضاً "نعمة الله" التي رفعت هذا الانسان الى ما هو أكبر بكثير مما يبدو عليه مظهره بحيث جعل "كل شيء" تحت قدميه. (خليك فاكر حكاية النعمة دي).
انت بتهذر أكيد! تقصد ان ممكن جداً يكون الانسان محور الخلق، أي هو الخليقة الحية العاقلة الوحيدة في كل هذا الكون المترامي الاطراف واللا محدود؟!
قد يبدو أني أهذر، لكن هذه هي الحقيقة الوحيدة المعروفة لدينا حتى يثبت عكس ذلك بالدليل القاطع. (اقرأ أيضاً: إنوما إليش والتكوين (١)– أصل الكون ونظريات العلماء.)
٢. نعمة الله في الخلاص
نحن نؤمن أن الاله الغير محدود خالق هذا الكون المترامي الاطراف، والذي "يبدو" كأنه غير محدود، يرغب في اقامة علاقة خاصة تصل الى التبنِّي مع هذا الانسان الصغير الضئيل القليل الذي لا يكاد يُرى في وسط هذا الكون الواسع.
![]() |
| خبط الحنطة - خلاص غير محدود للإنسان المحدود |
ليس هذا فقط بل نؤمن أن الله الغير محدود اعد ونفذ خطة لفداء الانسان النكرة الضئيل من خلال اختراقه لهذه الأرض المحدودة في جسد محدود من نفس هذا الجنس الانساني المحدود وفي زمان محدوووود جداً لكي يستكمل مشروع هذه العلاقة. (يمكن هنا ان نفهم البعد المسياني للآيات في تفسير مزمور ٨).
ليس هذا فقط، بل هو أيضاً يعد
مكانًا لأحبائه من هذا الجنس لكي يعيشوا معه للأبد.
إن كان الله عمل "خلاصاً هذا مقداره" (عبرانيين ٢: ٣) من أجل هذا الانسان المحدود (او "هذا الخلاص العظيم" كما في ترجمات أخرى) لماذا نستبعد ان يعمل كوناً هذه ضخامته من اجل نفس هذا الانسان؟ أقصد ما هو وجه الغرابة ان يكون "الانسان محور الخلق" - إن جاز التعبير - إن كان هو أيضًا "محور الخلاص"؟
انتظر لحظة! ربما هناك صورة أكبر:
هل في الانسان ما يستحق؟
السؤال يفرض نفسه بعد كل هذا، هل في الانسان ما يستحق ان يوهب من أجله كل هذا، سواء تعظيمه على الخليقة او فداؤه والحياة الابدية؟ أكيد لا كما هو واضح، إنما هذا عمله الله لكي يظهر غنى "نعمته" التي انعم فيها على هذا المخلوق الضعيف النكرة المحدوووود جداً بما لا يستحق في ذاته.
بالعودة خطوة إضافية للوراء يتكشف لنا بعد كل هذا البحث أن محور كل شيء هو الله نفسه ومجد الله نفسه، سواء في الخلق او في الفداء، أما تمتع الإنسان بكونه المحور فنابع من علاقته مع الله (إن كان له علاقة حقيقية مع الله)، ولعل محورية الرب هذه هي ما يفتح لنا آفاق فهم وتفسير مزمور ٨، وكيف يبدأ المزمور وينتهي بـنفس التسبيح والتمجيد:
"أيُّها الرَّبُّ سيِّدُنا، ما أمجَدَ اسمَكَ في كُلِّ الأرضِ!" (ع٩)
٢ سبتمبر ٢٠٢١ – تارخ النشر في فيسبوك.



احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..