-->

آسا - أكمل كما بدأت

قصة الملك آسا ملك يهوذا نقرأها في سفر أخبار الأيام الثاني والأصحاحات ١٤ إلى ١٦ (٢أخبار ١٤ - ١٦)، وهي قصة تستحق التأمل والدرس لما فيها من أحداث كبيرة وتناقض في التصرفات واضح.

تبدأ أحداث القصة بملخص سريع للحالة الدينية والسياسية العامة لفترة حكم آسا (٢أخبار ١٤: ١ – ٩)، وفيها نرى – أول ما نرى – آسا أول وآخر ملك ليهوذا يوصف بأنه "عمل ما هو صالح ومستقيم في عينى الرب إلهه"، هناك آخرون غيره وصفوا فقط بأنهم "عملوا ما هو مستقيم في عيني الرب" دون ذكر "صالح"، هم يهوشافاط وعزيا ويوثام وحزقيا. (اقرأ أيضاً ما قيل عن داود: وجدت داود رجلاً حسب قلبي – عبارة مفهومة غلط

صورة عدَّاء يجري على تراك الجري ملتزماً بالمسار المخصص له
خبط الحنطة - أكمل كما بدأت

النهضة الأولى:

نرى في الأعداد الأولى من الأصحاحات المشار اليها كيف أن قلب آسا كان مستقيما أمام الله وهو ما دفعه الى أن يقوم بأمرين حيويين جداً:

١. طهر البلاد من العبادات الوثنية التي تركها أسلافه.

٢. نادى الشعب:

أ) ليطلبوا الرب إله آبائهم

ب) ويعملوا حسب الشريعة والوصية.

هذه النهضة استتبعها أن "الأَرْضَ اسْتَرَاحَتْ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ حَرْبٌ فِي تِلْكَ السِّنِينَ، لأَنَّ الرَّبَّ أَرَاحَهُ." (٢أخبار ١٤: ٦)

وعبَّر آسا بنفسه عن رخاء تلك الفترة بقوله: "لأَنَّنَا قَدْ طَلَبْنَا الرَّبَّ إِلهَنَا. طَلَبْنَاهُ فَأَرَاحَنَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ" (٢أخبار ١٤: ٧)

أي أن طلب الرب هنا استتبعته راحة وسلام من كل جهة. وهذه إحدى الحقائق التي حرص وحي العهد القديم على الإشارة إليها باستمرار بضمانة خاصة من الله، وشواهدها كثيرة في الكتاب المقدس..

 لكن هل دام ذلك طويلاً؟ كلا طبعاً....

التجربة وقت القوة الروحية (الغزاة الكوشيون):

بعد عشر سنوات من السلام جاء قلق واضطراب لم يكن متوقعا، ونحن هنا نحتاج أن نتعلم أن الحياة مع الرب لا تعنى اطلاقا عدم وجود مشاكل أو اضطرابات، فالتجارب واردة الحدوث، وقد تكون من مصادر قريبة أو من مصادر بعيدة، فها هو آسا يواجه تجربة عصيبة، وهي تأتى من مصدر أبعد ما يكون عن التصور.... من بعيد جدا: من شمال افريقيا.

هنا يبدأ الجزء الثاني من حكم آسا، عندما أتى الغزاة من الجنوب الغربي من جهة صحراء سيناء، عندما أتى الكوشيون بقيادة "زارح" الكوشي بأكبر جيش غازي ذكر عدده في التاريخ المقدس كله: مليون مقاتل إضافة إلى ٣٠٠ مركبة (قدره يوسيفوس بـ ٩٠٠ ألف ماشي ومائة ألف من الفرسان)، وهو ما يعد ضعف جيش آسا ملك يهوذا كله.

📌 نبذة عن الكوشيين:

تسمية الكوشيين ذكرت في الكتاب المقدس عن أكثر من شعب، فوُصِف العرب الذين سكنوا في مديان بأنهم كوشيون (شعب زوجة موسى رجل الله)، كما ذكر الكوشيون الذين سكنوا في اثيوبيا الحالية، وهى بعيدة نسبيا عن مملكة يهوذا ويفصل بينهما مصر بكل امتدادها ويستبعد أن يكون هذا الغزو أتى من أى من هذين الشعبين، لكن نلاحظ هنا ان اللوبيون – الليبيون سكان شمال افريقيا – ذكروا هنا مع الكوشيين (٢أخبار ١٦: ٨)  لذلك يرجح ان هذا الغزو حدث خلال الفترة التى حُكمت فيها مصر بأسرة كوشية (اثيوبية) عقب موت شيشق (سيزوستريس)، ومن المرجح ان ليبيا كانت خاضعة لنفس السلطة.

أمام هذا الغزو الضخم لجأ آسا إلى الرب مباشرة، ولم يبحث عن أى حلول سياسية أو حربية أخرى. وهذا ما يعكس حجم الايمان الذي كان يتمتع به آسا في ذلك الوقت والذي عبر عنه في صلاته إلى الرب «أَيُّهَا الرَّبُّ، لَيْسَ فَرْقًا عِنْدَكَ أَنْ تُسَاعِدَ الْكَثِيرِينَ وَمَنْ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ. فَسَاعِدْنَا أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا لأَنَّنَا عَلَيْكَ اتَّكَلْنَا وَبِاسْمِكَ قَدُمْنَا عَلَى هذَا الْجَيْشِ. أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْتَ إِلهُنَا. لاَ يَقْوَ عَلَيْكَ إِنْسَانٌ» (٢ أخبار ١٤: ١١).

وهنا نتعلم درسين في غاية الأهمية:

١.  أن الله لا يسمح لنا أن نمر بتجربة إلا أن تكون على قدر قدراتنا، ولا أعنى هنا القدرة المادية، لكن الأساس هو قدرة ايماننا على المرور بهذه التجربة. "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا." (١كورنثوس ١٠: ١٣). فها نحن نرى ملكاً يسكن في راحة وسلام مع شعبه ويفاجأ بسماح الرب بمثل هذه الهجمة الشرسة عليه، لابد وأن الرب يعلم أن آسا في استطاعته أن يجتاز هذه التجربة بإيمانه في استحضار قدرة إلهه الفائقة لمعونته.

٢. أننا نخرج بمكافآت جزيلة تعادل صعوبة التجربة وقسوتها، فها هو آسا عندما اجتاز هذه التجربة، لم يخرج فقط ناجيا من دمار محدق وهلاك للحرث والنسل، لكنه مع ذلك خرج بغنى جزيل حيث "حَمَلُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً جِدًّا" وأيضا “سَاقُوا غَنَمًا كَثِيرًا وَجِمَالاً، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ" (٢ أخبار ١٤: ١٣، ١٤).

(اقرأ أيضاً: يفتاح - رجل الظروف الصعبة والمهام الصعبة)

الدرس والتكليف:

بعد العودة من حرب الكوشيين مباشرة يأتى عزريا بن عوديد رجل الله الى آسا ورجال يهوذا برسالة مزدوجة من الرب لأنها تحمل شقين:

١.  درساً مستفاداً من الاختبار الذي حدث:

"الرَّبُّ مَعَكُمْ مَا كُنْتُمْ مَعَهُ، وَإِنْ طَلَبْتُمُوهُ يُوجَدْ لَكُمْ، وَإِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَتْرُكْكُمْ." (٢أخبار ١٥: ٢). فطالما أنتم تسيرون في رضى الرب وكنفه كما أنتم في الأيام والسنين الماضية، فهو أيضا يكون معكم ويريحكم وينصركم كهذا اليوم.

٢.  تكليفاً لما يلي من الأيام:

"فَتَشَدَّدُوا أَنْتُمْ وَلاَ تَرْتَخِ أَيْدِيكُمْ لأَنَّ لِعَمَلِكُمْ أَجْرًا" (٢أخبار ١٥: ٧). فاستمروا فيما كنتم تفعلون، بتطهير أنفسكم وأسركم وعبادتكم ومجتمعكم، وثقوا أن تعبكم وتقواكم وتكريسكم للرب سيجد المجازاة كما رأيتم اليوم.

ووسط هذه الرسالة يعطيهم أمثلة عملية لكيف أن تغير الحالة الروحية للشعب في القديم قد غيرت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من حال إلى حال، وهو يربط هنا بين الحالة الروحية من جهة والراحة الاجتماعية والمادية والسياسية من جهة أخرى:

"٣وَلإِسْرَائِيلَ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ بِلاَ إِلهٍ حَقّ وَبِلاَ كَاهِنٍ مُعَلِّمٍ وَبِلاَ شَرِيعَةٍ. ٤وَلكِنْ لَمَّا رَجَعُوا عِنْدَمَا تَضَايَقُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ وَطَلَبُوهُ وُجِدَ لَهُمْ. ٥وَفِي تِلْكَ الأَزْمَانِ لَمْ يَكُنْ أَمَانٌ لِلْخَارِجِ وَلاَ لِلدَّاخِلِ، لأَنَّ اضْطِرَابَاتٍ كَثِيرَةً كَانَتْ عَلَى كُلِّ سُكَّانِ الأَرَاضِي. ٦فَأُفْنِيَتْ أُمَّةٌ بِأُمَّةٍ وَمَدِينَةٌ بِمَدِينَةٍ، لأَنَّ اللهَ أَزْعَجَهُمْ بِكُلِّ ضِيق." (٢ أخبار ١٥: ٣ – ٦)

كما أنه هنا يضع عليهم مسئولية الارتباط بالله وتوجيه العبادة واتباع الشريعة:

(إله حقكاهن معلمشريعة).

النهضة الثانية:

فيها استكمل آسا وبقية الشعب نزع الرجاسات الوثنية، وتجديد المذبح، ودخلوا في عهد مع الرب بكل قلوبهم. حتى أنهم "١٤حَلَفُوا لِلرَّبِّ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَهُتَافٍ وَبِأَبْوَاق وَقُرُونٍ. ١٥وَفَرِحَ كُلُّ يَهُوذَا مِنْ أَجْلِ الْحَلْفِ، لأَنَّهُمْ حَلَفُوا بِكُلِّ قُلُوبِهِمْ، وَطَلَبُوهُ بِكُلِّ رِضَاهُمْ" (٢أخبار ١٥: ١٤، ١٥)، والرب أيضا "وُجِدَ لَهُمْ، وَأَرَاحَهُمُ الرَّبُّ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ." ع١٥

ووصل الأمر إلى حد أن يحرم آسا جدته "معكة" من حقوقها الملكية لأجل عبادتها الوثنية.. (٢أخبار ١٥: ١٦)

نكسة ضعف ايمان (التجربة أثناء الضعف):

بعد ٢٥ سنة، يبدوا أن العبادة والتكريس للرب اتجه الى الشكل بدلاً من الموضوع والقلب، وهنا حدثت مواجهة جديدة، وهذه المرة مع بعشا الملك والمملكة الشقيقة في الشمال (مملكة اسرائيل)، والتي يبدو فيها أن النهضة الحادثة في الجنوب أقلقت الملك الوثني في النصف الشمالي وتصور بعشا الملك – كما فعل يربعام من قبل - أن شعبه يمكن أن يتسرب كله ويذهب بولائه إلى بيت داود في اورشليم في الجنوب، فقرر أن يقطع الطريق إلى أورشليم ببناء مدينة تكون كقلعة حصينة أو حامية عسكرية تمنع الذهاب والعودة من وإلى اورشليم. (٢ أخ ١٦: ١)

ورغم ما كان في تلك النهضة الحادثة خلال الربع قرن الفائت من قوة وحماسة ورغبة في التكريس، لكن يبدو أن هذه النهضة – مع مرور الوقت - شابها الاسترخاء و"الرحرحة"، وهذا ما يحدث عادة في أوقات الرخاء، وربما تغلب فيها التركيز على المظهر والعبادة الشكلية بدلا من جوهر العبادة الحقيقية المنسكبة أمام الرب من كل القلب، أو أن التركيز كان على العبادة دون الحياة نفسها بكل تفاصيلها، النتيجة أن أزمة "بعشا" وإسرائيل هذه المرة – رغم ضعف بعشا كخصم بالمقارنة بزارح والكوشيين – شهدت ردة فعل مختلفة من آسا ملك يهوذا، فهذا الأخير الذى واجه مليون مقاتل من جيش الأعداء منذ ربع قرن معتمداً على قوة الله، تهرَّب من الوقوف أمام من هم أقل منهم بكثير هذه المرة، ومن ثم أرسل ذهبا من هيكل الرب إلى بنهدد ملك آرام ليستأجره لحرب اسرائيل بدلا منه. (٢ أخ ١٦: ٢، ٣)

كانت رسالة الرب هذه المرة مليئة بالتأنيب، وأكبر درس فيها أن "لأَنَّ عَيْنَيِ الرَّبِّ تَجُولاَنِ فِي كُلِّ الأَرْضِ لِيَتَشَدَّدَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ كَامِلَةٌ نَحْوَهُ" (٢أخبار ١٦: ٩)، ومن هنا نرى أن قلب آسا لم يكن كاملا قدام الرب هذه المرة، وإلا لكانوا لجأوا للرب ولكن الرب الأمين الذي لا يقدر أن ينكر نفسه تشدد معهم كما في المرة الأولى.

رغم كل مظاهر تلك النهضة من تطهير ونزع الأرجاس وحرمان الجدة وبناء المذبح وحتى التهديد بقتل كل من لا يعبد الرب، الأمر الذي دائماً ما نلاحظه في كل من يركزون على العبادة في شكلها، ورغم أن ذلك الحسم في التطهير الذي تم تطبيقه بجدية على يدي آسا بشكل استثنائي لم يحدث من قبل (رغم وجوده في الناموس منذ القديم خروج ٢٢: ٢٠، تثنية ١٣: ٦ - ٩، تثنية ١٧: ٢ – ٧)، لكن بكل أسف ابتعد القلب بعيداً بعيداً وعند أول اختبار حقيقي فشل آسا وظهرت حقيقة عدم كمال قلبه أمام الرب.

 (انقر هنا لتتابعنا)

ما هو القلب الكامل وما هي سماته؟

القلب "الكامل": هو القلب الموحد والغير منقسم الذي لا يوجد داخله مكان لأحد أو شيء آخر غير الرب.

ولفهم هذا التعريف نحتاج للتدقيق في الآيات التالية حتى يتبلور المعنى:

"فَلْيَكُنْ قَلْبُكُمْ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِنَا إِذْ تَسِيرُونَ فِي فَرَائِضِهِ وَتَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ كَهذَا الْيَوْمِ». (١ ملوك ٨: ٦١)

"وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ."  (١ ملوك ١١: ٤)

وعن أمصيا أنه "عَمِلَ الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلكِنْ لَيْسَ بِقَلْبٍ كَامِل." (٢ أخبار ٢٥: ٢)

"لاَحِظِ الْكَامِلَ وَانْظُرِ الْمُسْتَقِيمَ، فَإِنَّ الْعَقِبَ لإِنْسَانِ السَّلاَمَةِ." (مزمور ٣٧: ٣٧)

"لِيَرْمُوا الْكَامِلَ فِي الْمُخْتَفي بَغْتَةً. يَرْمُونَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ." (مزمور ٦٤: ٤)

"فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ." (متى ٥: ٤٨)

"قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي»." (متى ١٩: ٢١)

"لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ." (١كورنثوس ٢: ٦)

"لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ." (٢تىموثاوس ٣: ١٧)

اقرأ أيضاً عن العلاقة الحقيقية مع الله من قبل كامل ونفس راغبة

سمات القلب الكامل:

طبقا لكلمة الرب في الشواهد السابقة يتسم القلب الكامل بالشروط التالية:

١.  قلب مخلص وفي (Loyal):

أي لا يوجد داخله شخص آخر غير الرب.

٢.  قلب مطيع (Obedient):

هو قلب لا ينتقى بعض الوصايا ليطيعها بينما يعصى البعض الآخر منها. أو أنه يطيع الوصية تحت ظرف معين ثم يعصاها تحت ظروف أخرى، هو مثل قلب دانيال الذي ظل يصلى كل ليلة وكواه مفتوحة تجاه أورشليم ولم يخف من مرسوم الملك. (اقرأ عن إيمان دانيال ومرسوم الملك بالنقر هنا)

٣.  قلب واثق في الرب ثقة كاملة:

مثل قلب ابراهيم ذلك الذي وثق في الرب الى الدرجة التي أوشك فيها على ذبح ابنه إطاعةً لأمر الرب وهو واثق تماما أن الرب يستطيع أن يعيده للحياة ثانية (عبرانيين ١١: ١٩).

آسا والتحالف مع آرام - فقدان القلب الكامل

يقول عنه الكتاب المقدس أن "قَلبَ آسا كانَ كامِلًا كُلَّ أيّامِهِ." (٢أخبار ١٥ : ١٧)، لكن هل ما صدر منه في آخر أيامه يدل على بقاء قلبه كاملاً؟ لا أعلم، أنا أؤمن بصدق كلمة الله، وهنا نرى أن آسا ربما بقي على ولائه للرب على مستوى "العبادة" ويكون بذلك قد استوفي الشرط الأول (الوفاء للرب)، ولعل هذا ما عَنَتْهُ كلمة الله حينما وصفته بأن آسا كان كاملاً "كل أيامه"، في حين أنه لم يكن كاملا من جهة الشرطين الثاني والثالث ("الطاعة" و"الثقة بالرب")، لأن ما صدر عنه لا يدل أبدا على بقاء ثقته بالرب كما في الأول.

في كثير من الأحيان نحن نختار الطرق التي نسلكها مع تصور أن الرب سيوافق عليها ويباركها ويضمن نتيجتها رغم ما فيها من عدم طاعة و/أو عدم ثقة به، وقد توصلنا هذه الطرق إلى نتائج مبهرة نتيجة لاختياراتنا هذه كما فعل آسا أيضا، لكننا – مع الأسف - لا نرى ما خلف تلك النتائج من خسارة.

فآسا رغم النصر الذي تحقق على بعشا ملك إسرائيل لكنه خسر كثيرا ليس على المستوى الروحي فقط، لكن حتى على المستوى المادي والسياسي وعلى أكثر من وجه:

١.  فقد كثيراً من الذهب الذي أخذه من بيت الرب. ونحن بسبب عدم الايمان، كثيرا ما نفرط في حقوق الهنا ونعطيها للعالم مقابل فتات.

فتجد منا من يسلب الربَ وقتَه ويستمر في العمل الأيام الطوال بلا كلل أو ملل دون أن يعطي الرب حقه في وقته (وهذا بيت القصيد هنا)، كل هذا لمجرد أن يأكل ويشرب ويعلم الأولاد وغيرها من الاحتياجات والأحلام المادية، رغم ان الرب يعلمنا "اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم".

وها نحن نرى من يمتنعون عن تقديم عشورهم للرب لأنهم يرون عندهم احتياجات كثيرة وملحة في نظرهم، بينما الرب يراهم سراق ولصوص "أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ." (ملاخي ٣: ٨)

٢.  كان من الممكن أن يشارك أرام إسرائيل في الحرب ضد آسا ويهوذا (لأن أرام واسرائيل كان يربطهما تحالف)، والانتصار الذي كان سيصنعه الرب لآسا على كلا الجيشين في هذه الحالة -  أعظم بكثير من انتصاره السابق على الكوشيين، لكن آسا بطلبه معونة آرام أبقى على جيش آرام بل وأعطاه ذهبا يتقوى به. هذا يفسر ما قاله الرب له: "مِنْ أجلِ أنَّكَ استَنَدتَ علَى مَلِكِ أرامَ ولَمْ تستَنِدْ علَى الرَّبِّ إلهِكَ، لذلكَ قد نَجا جَيشُ مَلِكِ أرامَ مِنْ يَدِكَ." (٢أخبار ١٦ : ٧)

ونحن اذ نتحالف مع العالم بحثا عن سداد احتياجاتنا نخسر بحلفنا هذا قدرتنا على الحرب عليه وهزيمته.

٣. احتمالات الحرب مع كل من اسرائيل وأرام ما زالت قائمة "مِنَ الآنَ تَكُونُ عَلَيْكَ حُرُوبٌ." (٢أخبار ١٥: ٩)، لأنه لم يعتمد على الرب في حربه التي كان من الممكن أن تقضى على كلا الجيشين تماما لذلك بقي الجيشان ليحارباه لاحقا إن أمكن.

خطية طلب الأطباء بدون الرب:

استكمالا لسلسلة البحث عن مخرج بالاستغناء عن الرب، طلب آسا الأطباء في مرضه ولم يطلب الرب، ورغم أن طلب الأطباء ليس خطية في حد ذاته، لكن عدم الاعتماد على الرب والنظر فقط الى الحكمة البشرية القاصرة مهما كانت كفاءتها هي الخطية بعينها.

سيظل التاريخ يحتفظ لآسا بذكريات الملك العظيم الذي بدأ مع الرب بداية قوية ثم انتهى تلك النهاية المخزية.

كم هو جيد أن نبدأ بقوة مع الرب كما بدأ آسا، لكن الأهم هو أن تستمر ولا تتراجع أو تضعف مهما كانت الإغراءات أو ضغط الظروف.

أكمل كما بدأت - مراجع كتابية:

"وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ." (متى ١٠: ٢٢، متى ٢٤: ١٣)

"وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ." (عبرانيين ٣: ٦)

"١٣اُنْظُرُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي الارْتِدَادِ عَنِ اللهِ الْحَيِّ. ١٣بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَا دَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ الْخَطِيَّةِ. ١٤لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" (عبرانيين ٣: ١٢ – ١٤)

"٩وَلكِنَّنَا قَدْ تَيَقَّنَّا مِنْ جِهَتِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أُمُورًا أَفْضَلَ، وَمُخْتَصَّةً بِالْخَلاَصِ، وَإِنْ كُنَّا نَتَكَلَّمُ هكَذَا. ١٠لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ، إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ. ١١وَلكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هذَا الاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ الرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ، ١٢لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ بِالإِيمَانِ وَالأَنَاةِ يَرِثُونَ الْمَوَاعِيدَ." (عبرانيين ٦: ٩ – ١٢)

"لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" (عبرانيين ١٢: ١)

"لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ" (عبرانيين ٢: ١)

 #خبط_الحنطة

تعليقات