-->

تعالوا نفهم: هل قدم يفتاح ابنته محرقة؟

ذلك القائد الشجاع المغوار وربما المتهور أيضاً، هل قدم يفتاح ابنته محرقة نتيجة لنذر نذره؟ سؤال تكرر من قبل ويتكرر الكلام فيه من كل من يرغب في تفكيك ما يبدو انه مشكلة. هذا يعود بنا إلى نذر يفتاح في قضاة 11:

"ونَذَرَ يَفتاحُ نَذرًا للرَّبِّ قائلًا: «إنْ دَفَعتَ بَني عَمّونَ ليَدي، فالخارِجُ الّذي يَخرُجُ مِنْ أبوابِ بَيتي للِقائي عِندَ رُجوعي بالسَّلامَةِ مِنْ عِندِ بَني عَمّونَ يكونُ للرَّبِّ، (و) أُصعِدُهُ مُحرَقَةً»." (قض ١١: ٣٠ – ٣١)

صورة مرسومة ابيض وأسود لابنة يفتاح في زي بدوي شرقي صاحباتها يحطن بها في مكان جبلي وتبكي ويبكين معها.
خبط الحنطة - ابنة يفتاح تبكي عذراويتها مع صاحباتها

مقدمة ضرورية

بادئ ذي بدء وقبل أن نتقدم أكثر في موضوع تفسير نذر يفتاح، اود التأكيد على ان لا علم لي باللغة العبرية الا بعض الاجتهادات البسيطة والاعتماد في الاغلب الاعم على اراء الشراح والمفسرين الذين هم الأكثر دراية باللغة وبالنص الأصلي، ولا مانع عندي من استقبال اي ملاحظة او تصحيح ممن يرى في نفسه الكفاءة للتصحيح، وفي هذا السياق احتاج للتأكيد على هذه الملاحظة الهامة التالية:

- النص العبري في هذا الموضع ليس فيه اي الفاظ صريحة تعادل حروف العطف والاسماء الموصولة التي تم إضافتها في الترجمات العربية والانجليزية توصيل المعنى في اللغة الجديدة الذي هو الهدف من اي ترجمة.

- كما ان الضمائر فيه هي - مثل اللغة العربية - إما ضمائر مستترة (اي تفهم ضمناً) او ضمائر مضافة.

- والأفعال (مثل تعبير "الخارج") محايدة يعني تحتمل العاقل وغير العاقل.

"וְהָיָה הַיּוֹצֵא אֲשֶׁר יֵצֵא מִדַּלְתֵי בֵיתִי לִקְרָאתִי בְּשׁוּבִי בְשָׁלוֹם מִבְּנֵי עַמּוֹן וְהָיָה לַֽיהוָה וְהַעֲלִיתִהוּ עוֹלָֽה ׃ פ"

نرجع للقضية التي هي محل تساؤل من الجميع، وانقسم الشراح بخصوصها في العموم إلى فريقين... "يفتاح عمل" او "يفتاح ماعملش"..

آراء المفسرين

الفريق الأول: يفتاح غلط وخلاص.. نقطة ومن اول السطر..

 هذا هو الاتجاه الذي اتخذه هذا الفريق من المفسرين – حتى التلمود - اذ قبلوا بصحة الحدث كما هو مفهوم من صريح النص الذي تعودنا قراءته والذي وصَّلتنا اليه الترجمات حتى لو كان فعلاً خاطئاً لكنه حصل، لدرجة ان القديس اوغسطينوس تأثراً بالترجمة اللاتينية يقترح ان يفتاح ربما كان يقصد قتل زوجته وليس ابنته، أي انهم لم يروا أي غرابة في تصرف يفتاح سواء في نذره الغريب أو في تحقيقه حرفياً لذلك النذر بتقديم ابنته محرقة.

وارجع هذا الفريق سبب إقدام يفتاح على هذا الفعل الى تأثر يفتاح بالبيئة المحيطة التي كانت مغموسة في التأثيرات الكنعانية والارامية الوثنية (وهذا هو الجو العام الذي يصوره سفر القضاة) حيث قدمت الشعوب المحيطة ابناءها محرقات للإله "مولك" ولم يسلم اسرائيل من الانزلاق الى هذه الخطية تأثراً بهم، وربما نخص يفتاح تحديداً بالتأثر بهذه الأجواء حيث نشأ في جلعاد شرق الاردن بعيداً عن مركز التأثير الروحي لخيمة الاجتماع ومركز عبادة يهوه في شيلوه غرب الاردن حيث استقر بقية أسباط اسرائيل،  كما ان الخبرة التي مر بها يفتاح تحديداً في اغترابه عن شعب الرب ومعيشته وانغماسه وسط هذه الشعوب عندما طرده اخوته من بيت أبيه (قض ١١: ٢، ٣) الأمر الذي يقوي هذه الاحتمالية والرأي عند هذا الفريق من المفسرين. حتى أن من هذا الفريق من يحاول ايجاد اي شبه بين هذه الحادثة وتقديم ابراهيم اسحق ذبيحة (اقرأ: كم كان عمر اسحاق عند تقديمه محرقة؟)

الفريق الثاني: يفتاح لم يقدم ابنته محرقة!!

هذا ما يراه الفريق المعارض من الجهة الأخرى أن يفتاح "مش وش كده"، وهذا الفريق لا يشمل مسيحيين فقط بل يشمل ضمن من يشمل بعض أشهر المفسرين اليهود في القرون العشرة الأخيرة، مثل ابن عزرا Ibn Ezra (١٠٩٣م – ١١٦٧م)، وكيمشي David Kimche (١١٦٠م – ١٢٣٥م)، وجيرسونايدس Gersonides (١٢٨٨م – ١٣٤٤م)، وأباربانيل Abarbanel (١٤٣٧م – ١٥٠٨م)، واستند هذا الفريق إلى مجموعة من الأسباب التي تدفعهم لمعارضة التهمة وتبرئة يفتاح من تقديم ابنته محرقة في مشابهة بغيضة مع الممارسات الوثنية.

الأسباب التي يسوقها هذا الفريق:

١. معرفة يفتاح الوثيقة بالتاريخ المقدس ومراعاته لوصايا الناموس:

أ. الرجل اثبت بشكل عملي انه دارس جيد ومتذكر لتاريخ واختبارات شعب الرب اثناء صعودهم من ارض مصر وفي مرحلة دخولهم الى ارض كنعان بقيادة عبد الرب موسى ومن بعده يشوع، وهذا ما حاجج به ملك بني عمون في محاولة إثنائه عن الحرب (قض ١١: ١٥ – ٢٧).

ب. اتبع وصايا الناموس بمحاولته سلوك طريق الصلح اولاً قبل الاقدام على الحرب:

"«حينَ تقرُبُ مِنْ مدينةٍ لكَيْ تُحارِبَها استَدعِها إلَى الصُّلحِ،......" (تث ٢٠ : ١٠ – ١٨)

هل رجل بهذه المعرفة والحرص على اتباع الوصية يمكن ان يخالف نهي إلهي صريح عن ممارسة وثنية كانت واحداً من اهم اسباب غضب الله على شعوب تلك المنطقة ولفظ الارض اياهم نتيجة لذلك؟

"ولا تُعطِ مِنْ زَرعِكَ للإجازَةِ لمولكَ لئَلّا تُدَنِّسَ اسمَ إلهِكَ. أنا الرَّبُّ." (لا ١٨: ٢١) [مولك أو ملكوم هو الإله الوثني الذي ارتبطت عبادته بتقديم محرقات بشرية، وبالمصادفة هو إله العمونيين الذين كان يفتاح مقدماً على حربهم (١مل ١١: ٥)].

"«وتَقولُ لبَني إسرائيلَ: كُلُّ إنسانٍ مِنْ بَني إسرائيلَ ومِنَ الغُرَباءِ النّازِلينَ في إسرائيلَ أعطَى مِنْ زَرعِهِ لمولكَ فإنَّهُ يُقتَلُ. يَرجُمُهُ شَعبُ الأرضِ بالحِجارَةِ. وأجعَلُ أنا وجهي ضِدَّ ذلكَ الإنسانِ، وأقطَعُهُ مِنْ شَعبِهِ، لأنَّهُ أعطَى مِنْ زَرعِهِ لمولكَ لكَيْ يُنَجِّسَ مَقدِسي، ويُدَنِّسَ اسميَ القُدّوسَ. وإنْ غَمَّضَ شَعبُ الأرضِ أعيُنَهُمْ عن ذلكَ الإنسانِ عندما يُعطي مِنْ زَرعِهِ لمولكَ، فلَمْ يَقتُلوهُ، فإنّي أضَعُ وجهي ضِدَّ ذلكَ الإنسانِ، وضِدَّ عَشيرَتِهِ، وأقطَعُهُ وجميعَ الفاجِرينَ وراءَهُ، بالزِّنَى وراءَ مولكَ مِنْ شَعبِهِمْ." (لا ٢٠: ٢ – ٥)

(اقرأ أيضاً: جمال الناموس - نظرة أعمق من المألوف)

٢. ألم يجد من يردعه؟!!

على افتراض أن يفتاح نذر نذراً كهذا وعلى فرض ان بعض المحيطين به وافقه على مثل هذا النذر (رغم غرابته وشناعته المؤكدة)، الم يجد يفتاح من يفتيه بان يقوم بفداء ابنته من المحرقة؟ ونحن نعلم ان الناموس يسمح بالفداء. (لاحظ ان بعض أعضاء الفريق الأول "يقولون" إن الأمر تم عرضه على فينحاس بن ألعازار رئيس الكهنة في تلك الفترة واستكبر أن يذهب إلى يفتاح ليثنيه عما عزم عليه، وقد نال الإثنان جزاء تعديهما على ناموس الرب.. يعني ماكانش فيه حد تاني غير فينحاس خالص؟!!).

"وأمّا بكرُ الحِمارِ فتفديهِ بشاةٍ، وإنْ لَمْ تفدِهِ تكسِرُ عُنُقَهُ. كُلُّ بكرٍ مِنْ بَنيكَ تفديهِ، ولا يَظهَروا أمامي فارِغينَ." (خر ٣٤: ٢٠)

(اقرأ أيضاً: تعالوا نفهم - ثامار ابنة من وأخت من؟)

٣. إعادة قراءة للنص

نرجع للنص العبري حيث يقول يفتاح في نذره "فالخارِجُ الّذي يَخرُجُ مِنْ أبوابِ بَيتي للِقائي عِندَ رُجوعي بالسَّلامَةِ....." (قض ١١: ٣١) والفعل المترجم هنا "الخارج" يحتمل العاقل وغير العاقل (هذا في كل من العبرية والسبعينية اليونانية، على عكس الترجمة اللاتينية التي استخدمت العاقل "من يخرج")، فإن كان يفتاح يقصد غير العاقل فماذا كان سيفعل إن كان "الخارج" من بيته حماراً او كلباً مثلاً؟ هل كان سيقدم حيواناً نجساً محرقة للرب؟!

وحتى لو كان يقصد العاقل، فالمفروض أن يفتاح يعلم جيداً ان ليس في بيته الا ابنته وحيدته مع أمها، هل كان يقصد ابنته عن وعي حقيقي بكلامه؟ أم أنه توقع زوجته كما اعتقد أوغسطينوس؟ وإن لم يكن قاصداً ابنته عن وعي، فكيف تفاجأ بها خارجة وعبر عن المفاجأة "لَمّا رآها أنَّهُ مَزَّقَ ثيابَهُ وقالَ: «آهِ يا بنتي! قد أحزَنتِني حُزنًا وصِرتِ بَينَ مُكَدِّريَّ، لأنّي قد فتحتُ فمي إلَى الرَّبِّ ولا يُمكِنُني الرُّجوعُ»." (قض ١١: ٣٥)

(أنقر هنا لتتابعنا)

٤. يفتاح ليس مطلق التصرف

ثم ماذا كان سيفعل يفتاح لو ان الخارج من بيته شخص غريب كإبن الاخ او زوجة الاخ... الخ؟ هل كان من حقه في هذه الحالة ان يُقدِم على ذبح شخص غريب ليس له ولاية عليه،؟!! (هذا على اعتبار ان له ولاية على ابنته كأب لها).

٥. ماذا عن رأي الرب؟

هناك فرضيتان جدليتان في غاية الاهمية لا اظن كثيرين تطرقوا اليهما، على افتراض ان يفتاح فعلاً قام بهكذا نذر في مخالفة صريحة ومباشرة لناموس الرب:

أ. هل ترى يمكن ان يبارك الله مثل هذا العمل ويكلل فاعله بالنجاح والانتصار ويسمح بأن يذكر هذا في التاريخ المقدس بكل بساطة وكأنه درس للأجيال التالية؟

ب. هل يمكن ان يوضع يفتاح في قائمة سحابة الشهود (عب ١١: ٣٢) مع فعلته تلك؟

طبعاً قد يقول قائل إن الرب لم يعفِ أحداً من رجاله من ذكر خطاياهم، وهذا مبدأ معروف، يعني لا مشكلة في ذكر خطية يفتاح مثلما تم ذكر خطايا آخرين مثل زنى داود وكذب إبراهيم وغيرهم، وللرد على هذا الرأي نحتاج أن نلاحظ في هذا السياق ان الرب لم يتسامح مع أي خطية لأي أحد بل في كل الحالات حدث توبيخ وربما عقاب ودفع ثمن.. الامر الذي لا نراه واضحاً في نص المكتوب في حالة يفتاح.

داود توبخ من ناثان النبي وحكى هو بنفسه كيف "تعِبتُ في تنَهُّدي. أُعَوِّمُ في كُلِّ ليلَةٍ سريري بدُموعي. أُذَوِّبُ فِراشي." (مز ٦: ٦)

ابراهيم توبَّخ بشدة من فرعون وتقريباً طرده من مصر "فدَعا فِرعَوْنُ أبرامَ وقالَ: «ما هذا الّذي صَنَعتَ بي؟ لماذا لَمْ تُخبِرني أنَّها امرأتُكَ؟ لماذا قُلتَ: هي أُختي، حتَّى أخَذتُها لي لتَكونَ زَوْجَتي؟ والآنَ هوذا امرأتُكَ! خُذها واذهَبْ!». فأوصَى علَيهِ فِرعَوْنُ رِجالًا فشَيَّعوهُ وامرأتَهُ وكُلَّ ما كانَ لهُ." (تك ١٢: ١٨ – ٢٠).

(اقرأ أيضا: نجم يمتاز عن نجم. تعبير يُساء فهمه)

تعالوا نفهم

لفهم ماذا حدث هناك خيارات ناقشها دارسو الكلمة وشراحها من هذا الفريق الأخير:

٦. نرجع لحروف العطف

هل هو حرف العطف "أو" (or) أم هو الحرف "و" (and).

هنا أذكرك بملاحظة الترجمة التي ذكرتها في البداية عن حروف العطف والضمائر والأسماء الموصولة في هذا النص، وهنا يقترح الثقاة من المفسرين اليهود ان الترجمة الأصح للنص:

"يكونُ للرَّبِّ، (و)أُصعِدُهُ مُحرَقَةً"

يفضل أن تكون باستخدام "أو" بدلاً من "و" فيصبح:

"يكونُ للرَّبِّ، (أو) أُصعِدُهُ مُحرَقَةً"

وهذا على اساس ان يفتاح في نذره قصد ان الخارج من البيت لاستقباله يكون مكرساً للرب (بالمعنى العام للتكريس)، فإذا هو من الحيوانات الطاهرة مما يصلح تقديمه على المذبح يصعده محرقة.

٧. علام يعود الضمير المتصل "الهاء"؟

هناك رأي آخر بخصوص "الهاء" وهي الضمير المتصل المفعول به  في التعبير "أصعده محرقة" والذي يعود على "الخارج من بيتي"، الرأي يقول أن نقرأ الضمير "له"، أي "أصعد له محرقة" [جار (اللام) ومجرور (الهاء)]، ويمكن يكون اسهل لنا ان نفهم هذا الرأي بشكل اوضح لو استخدمنا الصياغة الانجليزية، فالقراءة الحالية في الانجليزية:

"whatever comes out of the door of my house to meet me when...

Will be the LORD’s, and I will sacrifice (it as) a burnt offering.”

والقراءة المقترحة:

Will be the LORD’s, and I will sacrifice (HIM) a burnt offering.”

أي ان الضمير العائد على "الخارج من البيت" يتحول ليصبح الضمير عائداً على "الرب نفسه" الذي سيتم اصعاد المحرقة له.

وبذلك يكون معنى النذر هنا من شقين منفصلين تماماً:

أ. الشق الأول: الخارج من البيت يتم تكريسه للرب، فلو "الخارج" إنسان يتم تكريسه للرب بالشكل المناسب لتكريس إنسان، ولو هو حيوان أياً كان نوعه يتم تكريسه للرب على حسب القواعد الناموسية (محرقة لو انه حيوان طاهر أو بالفداء حسبما يفرض الناموس لو ان الحيوان غير طاهر)

ب. الشق الثاني: وأيضاً سأصعد للرب محرقة (دون اي ارتباط بالشق الاول).

وفي هذا الصدد يقول المفسرون اليهود السابق ذكرهم أن ابنة يفتاح تم تكريسها لخدمة الرب كعذراء بدون زواج لبقية عمرها، وهذا ما دعاها لأن تطلب مهلة لتبكي على ضياع فرصتها في الزواج «فَلْيُفْعَلْ لِي هذَا الأَمْرُ: اتْرُكْنِي شَهْرَيْنِ فَأَذْهَبَ وَأَنْزِلَ عَلَى الْجِبَالِ وَأَبْكِيَ عَذْرَاوِيَّتِي أَنَا وَصَاحِبَاتِي». (قض ١١: ٣٧).

الخلاصة: ابنة يفتاح محرقة أم تكريس؟

استعرضنا الموضوع من كافة جوانبه المتاحة: يفتاح أخطأ وقدم ابنته محرقة أو لم يخطئ ولم يقدم ابنته محرقة. أنا شخصياً أكثر ميلاً لهذا الرأي الثاني بناءً على كل ما تقدم، وكل واحد حر في قبول الرأي الذي يرتاح إليه أكثر.

اقرأ أيضاً: يفتاح رجل الظروف الصعبة والمهام الصعبة، ولو تريد تعرف لماذا خبط الحنطة؟ أنقر هنا.

#خبط_الحنطة     #تعالوا_نفهم

(أنقر هنا لتتابعنا)

سلسلة: تعالوا نفهم
هل قدم يفتاح ابنته محرقة؟
«- راحاب الزانية. تصنيف الخطية والنعمة الإلهية |||| الجزء الأخير -»
تعليقات