قصة يفتاح في قضاة ١١
عاوز تسمع عن الظروف الصعبة بجد وكيف يمكن التعايش معها والانتصار بالرغم منها؟ تعال شوف هذه الدروس من حياة يفتاح، لمحات من حياة الرجل الذي ظل متماسكا ومتمسكا بإلهه وشعبه ومبادئه واولوياته، ولم تؤثر الظروف عليه. بل بالعكس، نجح في نقل مواقفه وتوجهاته إلى ابنته الوحيدة.
v نشأته من أم غير عبرانية:
طبقاً لنص (قض ١١: ١) توصف أم يفتاح بأنها "زانية"، لكني - شخصياً - أكثر ميلاً للرأي القائل بأنها "صاحبة خان" مثل راحاب الزانية في (يش ٢: ١)، ويبدو أن ما يجمعها براحاب لم يكن فقط المهنة الواحدة لكن أيضاً انها لم تكن من إسرائيل بل كنعانية، لأن اخوة يفتاح قالوا له في (قض ١١: ٢): «لاَ تَرِثْ فِي بَيْتِ أَبِينَا لأَنَّكَ أَنْتَ ابْنُ امْرَأَةٍ أُخْرَى» أي امرأة من جنس غريب، وهذه كانت دعواهم ضده ليحرموه من ميراث أبيه بسبب أمه التي ليست من شعب الرب.
![]() |
| خبط الحنطة - يفتاح رجل الظروف الصعبة والمهام الصعبة |
لكن الغريب أن ابن هذه المرأة انتمى وبقى منتمياً لشعب الرب، فنحن نرى يفتاح قد درس وحفظ التاريخ المقدس جيدا ويعرف ما جرى للشعب عندما مر بأراضي موآب وعمون والأموريين أثناء دخوله أرض الموعد، ونراه يجادل ملك بنى عمون مستخدما هذا التاريخ (قض ١١: ١٥ – ٢٧). ويكفي أن أذكرك أنت شخصياً عزيزي القارئ – إن كنت تذكر - أنه حتى أقل من ١٠٠ عام مضت فقط، كانت طباعة الكتب قليلة بل نادرة، وأمية القراءة والكتابة كانت هي السائدة، لذلك كان الأكثرون يعتمدون المعرفة المنقولة شفاهةً فقط والتى يكون مصدرها الأول والأقرب هو الوالدين والأم تحديدا لأنها تظل الأقرب للطفل لفترة طويلة من حياته، لذلك ظل دور الأم مهماً جداً في هذا الشأن.
وليست هذه المرة الوحيدة التي نقابل فيها نساءً كان لهن تأثير ملموس في أبنائهن، والأمثلة معروفة والمدهش فيها أن بعضهن كن أمميات مثل أم يفتاح، تأمل مثلاً في:
راحاب الكنعانية أم بوعز (مت ١: ٥)
راعوث الموآبية أم عوبيد والجدة الكبرى لداود الملك (مت ١: ٥)
أفنيكى اليونانية (من يهود الشتات) أم تيموثاوس (٢ تى ١: ٥) "إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلاً فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي، وَلكِنِّي مُوقِنٌ أَنَّهُ فِيكَ أَيْضًا."
هل كانت أم يفتاح فقط هي من غرس فيه هذا الإيمان؟ أم أن هناك عوامل أخرى ساعدت يفتاح على ذلك؟ ليس معلوماً بالتأكيد، لكن المعلوم والمؤكد أن يفتاح هذا الذي كبر في بيت لا يرغب فيه، وفي مجتمع لا يطيقه وما لبث أن طرده وتخلص منه، يفتاح هذا ظل متمسكا بانتمائه لشعبه رغم عدم تمسك الشعب به، وهذا أمر في غاية الغرابة في ظروف كهذه.
v محصلة الظروف الصعبة!
في وسط ظروف صعبة مثل ما مر به يفتاح قد يأخذ المرء الطبيعي واحداً من الاتجاهات التالية:
١. أن يتقوقع على ذاته مهزوما، متصوراً أنه انهزم وانتهى وخسر كل شىء، وبالتالى يعيش ناقما على كل ما حوله ومليئاً بالمرارة وربما الحقد على الله لأنه سمح بهذه التجارب القاسية، والحقد على كل من يراه تسبب أو شارك في تصعيب الحياة عليه، لا يغفر بسهوله (ربما لا يغفر أبداً) لا وهو في وسط التجربة ولا حتى بعد أن يعبرها (إن عبرها)، وقد يظل يسأل السؤال الأزلي: لماذا يا رب لماذا؟.
٢. أن يكون قوى الشكيمة ذا إرادة لا تنكسر، يرى الظروف الصعبة ويدرك مدى مرارتها وقد يشكو منها، لكنه يراها ولا يرى سواها ويرى أن الظروف الصعبة تَحَدٍ ينبغى التغلب عليه، وهذا أمر محمود. لكن ما يعيب مثل هذا الشخص أنه وسط هذا الصراع قد لا يركز على شيء إلا على صراعه، فيُبتلع طول الوقت مشغولا بصراعه هذا..
كلا الشخصين يكون مخطئاً، فلا يرى صلاح الله خلف الظروف، الله الذي يسمح للصعوبات أن تأتي لكنه يمنح العزاء والسلام في وسط الظروف والصعوبات، ويرافق بالفائدة وبالتعليم والدرس من الصعوبة (لمن يرغب في تعلم الدروس).
أيوب ربما عاش التجربة نائحا مولولا (على النموذج الأول) لكنه اعترف بخطئه عندما قالها في آخر تجربته "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي." (أى ٤٢: ٥) (اقرأ أيضاً: الله والشر.. الجدلية اللانهائية)
يوسف كان مثالاً رائعاً، لأنه عاش التجربة بكل مرارتها و"فِي الْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ" (مز ١٠٥: ١٨)، لكنه ظل رافعاً عينه إلى "الله" الذي ارسلها، وأعلن لإخوته ما عاش يعتقده طوال الوقت من صلاح الله: "١٩ هَلْ أَنَا مَكَانَ اللهِ؟ ٢٠أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا" (تك ٥٠: ١٩، ٢٠).
(اقرأ أيضاً: واجه رياح الحياة - السجين القائد)
v لم تفصله الظروف الصعبة عن إلهه:
يبدو ذلك واضحا في التالي:
سلَّم بأن النصرة من عند الرب (ع ٩)
رغم أنه الرجل ذو الخبرة والباع الطويل في القتال، لكنه سلَّم بأن النصرة من عند الرب وكان ينتظره أن يدفع أعداءه أمامه.
"فَقَالَ يَفْتَاحُ لِشُيُوخِ جِلْعَادَ: إِذَا أَرْجَعْتُمُونِي لِمُحَارَبَةِ بَنِي عَمُّونَ وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ أَمَامِي فَأَنَا أَكُونُ لَكُمْ رَأْسًا."
وثَّق وشهَّر اتفاقه مع شيوخ شعبه أمام الله (ع ١١)
"فَذَهَبَ يَفْتَاحُ مَعَ شُيُوخِ جِلْعَادَ، وَجَعَلَهُ الشَّعْبُ عَلَيْهِمْ رَأْسًا وَقَائِدًا. فَتَكَلَّمَ يَفْتَاحُ بِجَمِيعِ كَلاَمِهِ أَمَامَ الرَّبِّ فِي الْمِصْفَاةِ". وكأن لسان حاله كما المرنم الذي قال "جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ." (مز ١٦: ٨)، وموسى عبد الرب يشترط على مولاه «إِنْ لَمْ يَسِرْ وَجْهُكَ فَلاَ تُصْعِدْنَا مِنْ ههُنَا» (خر ٣٣: ١٥).
نسب كل أمجاد الماضي للرب وليس لكفاءة شخصيات بشرية (ع ٢١ – ٢٤)
"٢١فَدَفَعَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ سِيحُونَ وَكُلَّ شَعْبِهِ لِيَدِ إِسْرَائِيلَ فَضَرَبُوهُمْ، وَامْتَلَكَ إِسْرَائِيلُ كُلَّ أَرْضِ الأَمُورِيِّينَ سُكَّانِ تِلْكَ الأَرْضِ. ٢٢فَامْتَلَكُوا كُلَّ تُخْمِ الأَمُورِيِّينَ مِنْ أَرْنُونَ إِلَى الْيَبُّوقِ وَمِنَ الْقَفْرِ إِلَى الأُرْدُنِّ. ٢٣وَالآنَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ قَدْ طَرَدَ الأَمُورِيِّينَ مِنْ أَمَامِ شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. أَفَأَنْتَ تَمْتَلِكُهُ؟ ٢٤أَلَيْسَ مَا يُمَلِّكُكَ إِيَّاهُ كَمُوشُ إِلهُكَ تَمْتَلِكُ؟ وَجَمِيعُ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ إِلهُنَا مِنْ أَمَامِنَا فَإِيَّاهُمْ نَمْتَلِكُ."
احتمى بالرب في حربه (ع ٢٧)
هذا ما قاله لملك بني عمون: "فَأَنَا لَمْ أُخْطِئْ إِلَيْكَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَإِنَّكَ تَفْعَلُ بِي شَرًّا بِمُحَارَبَتِي. لِيَقْضِ الرَّبُّ الْقَاضِي الْيَوْمَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي عَمُّونَ."
نذر للرب وأوفى النذر (ع ٣٠، ٣١، ٣٥)
"٣٠وَنَذَرَ يَفْتَاحُ نَذْرًا لِلرَّبِّ قَائِلاً: "إِنْ دَفَعْتَ بَنِي عَمُّونَ لِيَدِي، ٣١فَالْخَارِجُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِي لِلِقَائِي عِنْدَ رُجُوعِي بِالسَّلاَمَةِ مِنْ عِنْدِ بَنِي عَمُّونَ يَكُونُ لِلرَّبِّ، وَأُصْعِدُهُ مُحْرَقَةً".
ع ٣٥: "وَكَانَ لَمَّا رَآهَا أَنَّهُ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَقَالَ: "آهِ يَا بِنْتِي! قَدْ أَحْزَنْتِنِي حُزْنًا وَصِرْتِ بَيْنَ مُكَدِّرِيَّ، لأَنِّي قَدْ فَتَحْتُ فَمِي إِلَى الرَّبِّ وَلاَ يُمْكِنُنِي الرُّجُوعُ". (اقرأ معلومة جديدة شوية عن: نذر يفتاح وابنته)
v لم تفصله الظروف الصعبة عن شعبه:
١. لم يحمل داخل قلبه رغبه في الانتقام أو التشفي
فهو رغم ما مر به من قسوة معاملة ونفي وإهانه من إخوته بنى أبيه، وبموافقة بقية مواطنيه وأهل بلده وتحت سمعهم وبصرهم، لكنه لم يحمل داخل قلبه رغبه في الانتقام لا من إخوته ولا من بقية الشعب، فلو كانت البغضة والمرارة قد وجدت طريقها إلى قلبه، لكان أحس بالشماتة والتشفي من شيوخ شعبه الذين حضروا للقائه، وأتصور أنه كان سيتخذ مسلكا آخر معهم في استجابته لرجائهم ودعوتهم. ربما كان سيقول لهم: "إذهبوا عنى من هنا، فلا فائدة تعود علىَّ من مساعدتي لكم، أتمنى أن أراكم أذِلَّاء منهزمين كما فعلتم بي!"
لكنه وهو الشخص "المتوازن" لم يفعل إلا ما يفعله أي شخص "عادى" في ظروف "عادية": حيث أن كل ما فعله هو أن حصل على تأكيد منهم والتزام بجعله "رأساً" لهم كمكافأة له، وهذا عمله بأخذ التعهد اللازم عليهم وبإشهار هذا التعهد أمام الله وأمام كل الشعب الموجود في المصفاة حيث معسكرهم والكل مجتمعون.
٢. مستوعب التاريخ وتعلمه جيداً
حيث نراه يجادل بتاريخ شعب الرب الذي تعلمه جيداً فلم تفصله السنون التي عاشها طريداً شريداً في أرض "طوب" عن تاريخ شعبه، بل نجده في الوقت المناسب يسترجع هذا التاريخ كله في رسالة واضحة يجادل بها ملك العمونيين عما يدَّعيه حقاً له في أرض اسرائيل. (قض ١١: ١٥ - ٢٧)
(اقرأ أيضاً: آسا - أكمل كما بدأت)
v جبار البأس الذي لم تُنْسِه الظروف الصعبة أصول وقواعد الحرب مع أعدائه:
فهو الرجل الخبير بالقتال (نستطيع القول بأنه مقاتل محترف لا يعرف حرفة سوى القتال)، وهو فعلا مدعو من شيوخ وقادة شعبه ليقود "قتالا" ضد بنى عمون، كنا نتوقع أن يندفع مباشرة لتجهيز الجيش ووضع الخطط الحربية ثم شن حرب على بنى عمون. لكن بدلا من ذلك نجده أولاً وقبل كل شيء، او بالتوازي مع الترتيبات، يرسل سفراء لملك بنى عمون مجادلا إياه "بالحق التاريخي" لشعبه في الأرض التي يدعى العمونيون أنها لهم وأن اسرائيل اغتصبها منهم. فالرجل كحد السيف يجد أن هناك أصول ينبغي مراعاتها حتى في حالة الخلافات، وهو بالتالي يتَّبِع هذه الأصول ولا يدع اندفاع القوة الأهوج يحركه. لأن الناموس يعلمه هذا:
"١٠حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ،١١فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى الصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ، فَكُلُّ الشَّعْبِ الْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ.١٢وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا......." (تث ٢٠: ١٠ – ١٢)
(خر ٢٣: ٤، ٥) "٤إِذَا صَادَفْتَ ثَوْرَ عَدُوِّكَ أَوْ حِمَارَهُ شَارِدًا، تَرُدُّهُ إِلَيْهِ. ٥إِذَا رَأَيْتَ حِمَارَ مُبْغِضِكَ وَاقِعًا تَحْتَ حِمْلِهِ وَعَدَلْتَ عَنْ حَلِّهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَحُلَّ مَعَهُ."
هذا الرجل يفتاح دُعى جبار البأس في الكتاب المقدس، وهي صفة أُلصِقت بالمحاربين الأشداء كيفتاح وجدعون، لكن الغريب أن نفس هذه الصفة "جبار بأس" ألصقت برجل لم نسمع عن حرب خاضها أو قتال اجتاز فيه، كل ما نعرفه عنه هو الحقل والبيدر وكيف أنه مزارع يشرف على فلاحيه وعمال الزراعة والحصاد لديه، وكان أقصى نشاط عام شارك فيه الرجل وتم تسجيله هو الجلوس في "باب المدينة" حيث يتم التقاضي والبت في الشكاوى واتمام الصفقات، ومع ذلك قالت عنه قريبته التي تعرفه " الرَّجُلَ لاَ يَهْدَأُ حَتَّى يُتَمِّمَ الأَمْرَ الْيَوْمَ" (را ٣: ١٨)، بوعز جبار البأس هذا عاش أيضا في زمن القضاة مثل يفتاح وهو الذي قال لراعوث: "١٢وَالآنَ صَحِيحٌ أَنِّي وَلِيٌّ، وَلكِنْ يُوجَدُ وَلِيٌّ أَقْرَبُ مِنِّي ١٣ … … وَيَكُونُ فِي الصَّبَاحِ أَنَّهُ إِنْ قَضَى لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ فَحَسَنًا. لِيَقْضِ. وَإِنْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَقْضِيَ لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ، فَأَنَا أَقْضِي لَكِ. حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ.”(را ٣: ١٢، ١٣).
فقد كان بوعز رجلاً يفهم معنى الأصول والقواعد المرعية والقوانين التى تحدد أولويات التصرف، ولا يسمح لنفسه – إطلاقا – بأن يندفع وراء "فورة شعورية"، لا لرغبة أو شهوة تتملكه ولا لخوف أو حزن أو مرارة أو ضغط ظروف قاهرة.
وهكذا كان يفتاح
فهو يعرف أولويات العبادة والخشوع (لله أولا) وأولويات السلوك والمعاملات مع الأهل والأصدقاء وحتى الأعداء.
والرب يسلط الضوء على هذه القوة الحقيقية التي ليست في العضلات أو السيف لكن هي في ضبط النفس: "اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَ الْجَبَّارِ، وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً." (أم ١٦: ٣٢)، وأيضاً "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ." (رو ١٢: ١٨)، هذا ما عرفه وعاش به يفتاح وبوعز وأمثالهما.
v لم تنجح الظروف الصعبة في منعه من تربية إبنته في مخافة الرب:
الكثيرون منا نتيجة الظروف – حتى العادي منها – يفشلون في توجيه أبنائهم نحو النظر إلى الله نبع الحياة الحقيقي والمصدر الذي ننهل منه السلام والنجاح والنجاة، فنرى الكثيرين – نتيجة للرغبة في السعي نحو ما يرونه أفضل لأبنائهم – يقضون الساعات الطويلة مثلا في عمل متواصل والحجة أنهم "يؤمِّنون" مستقبل أبنائهم ليضمنوا لهم ما يسمونه "حياة كريمة"، لكنهم وسط ذلك تضيع منهم القيم الأكبر والأهم التي يحتاج أن يتعلمها الأبناء: معرفة الله، الثقة فيه، إلقاء كل همنا عليه، انتظار الأفضل من يديه، احترام وحفظ ناموس الرب (الحفظ بمعنى الاتباع والخضوع)، تجنب ما لا يرضى الرب من طرق غير مستقيمة. وماذا تكون النتيجة؟ أبناء فاشلين (في نظر الله)، حتى إن كان لديهم كل شيء يحلم به الانسان، وهكذا ينتشر هذا النوع من الفشل جيلا وراء آخر تماما مثل اللعنة التي تتوارثها الأجيال، ويعودون يشكون من افتقاد البركة الحقيقية التي تحتاجها البيوت. (خدوا بالكم من عيالكم)
تخيلوا أن هذا لم يحصل مع ذاك الذي عاش مع "المطاريد"، أيوه، يفتاح "المطرود" الذي كان يعيش شريدا مطاردا في البرية مع رجال قيل عنهم أنهم "بطالون" (قض ١١: ٣) نجح في تربية ابنته الوحيدة في مخافة الرب للدرجة التي فيها لم تتردد البنت للحظة في أن تتفرغ لحياة بتولية تُحرَم فيها من الزواج والحق الطبيعي أن تكون أمَّاً استجابة لرغبة أبيها وإرضاءً للرب الذي أعطى نصراً كبيراً أنقذ به شعبها كله. اقرأ: تعالوا نفهم - هل قدم يفتاح ابنته محرقة؟.
والمتأمل لكل ما في العالم يرى أن سياسة العالم الناجحة مع الناس (كل الناس) هي سياسة "العصا والجزرة"، فجزرته هي الشهوات "شهوة العالم شهوة العيون تعظم المعيشة"، وعصاه هي الظروف الصعبة والتجارب القاسية والمخيفة، وهو ينجح بجدارة ويفلح في الابقاء على الملايين تحت سلطانه من خلال سياسته هذه. لكن نجاح يفتاح كان في قدرته ليس فقط في مقاومة جزرة العالم لكن مقاومة الأسوأ حيث عصا الظروف القاسية الخانقة، ففي وسط هذه الظروف نجح في تربية ابنة تعرف معنى تقوى الله وطاعته والعيش في رضاه مهما كان الثمن. وكأن لسان حاله يقول:
"١١أَنْقِذْنِي وَنَجِّنِي مِنْ أَيْدِي الْغُرَبَاءِ، الَّذِينَ تَكَلَّمَتْ أَفْوَاهُهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيَمِينُهُمْ يَمِينُ كَذِبٍ.١٢لِكَيْ يَكُونَ بَنُونَا مِثْلَ الْغُرُوسِ النَّامِيَةِ فِي شَبِيبَتِهَا. بَنَاتُنَا كَأَعْمِدَةِ الزَّوَايَا مَنْحُوتَاتٍ حَسَبَ بِنَاءِ هَيْكَل." (مز ١٤٤: ١١، ١٢)
"١تَرْنِيمَةُ الْمَصَاعِدِ : طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ، وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ.٢لأَنَّكَ تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ، طُوبَاكَ وَخَيْرٌ لَكَ.٣امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ." (مز ١٢٨: ١ - ٣)
#خبط_الحنطة #تعالوا_نفهم

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..