"فَأَرْسَلَ يَشُوعُ بْنُ نُونٍ مِنْ شِطِّيمَ رَجُلَيْنِ جَاسُوسَيْنِ سِرًّا، قَائِلاً: «اذْهَبَا انْظُرَا الأَرْضَ وَأَرِيحَا». فَذَهَبَا وَدَخَلاَ بَيْتَ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ اسْمُهَا رَاحَابُ وَاضْطَجَعَا هُنَاكَ." (يشوع ٢: ١)
هل راحاب كانت زانية حقاً؟
لا انكر أنه اعتقاد شبه راسخ عند كثيرين ممن يقرأون الكتاب المقدس وعند مفسريه أيضاً أن راحاب هذه كانت زانية كما قال النص الكتابي، يعني هل يُمكن أن تكون زانية مثل راحاب في سلسلة نسب المسيح؟ طيب، هل هي فعلاً زانية بالمعنى المفهوم للكلمة (بالمناسبة: لا اعتراض على الفكرة - لو كانت صحيحة - حيث أن الكتاب المقدس يعلمنا أنه لا يوجد إنسان كامل وكلٌ منا فيه من النقائص الكثير)، لكن واحداً مثل آدم كلارك مثلاً وهو من المفسرين الذين احترمهم جداً له رأي مختلف، كلارك من ذلك الفريق الذي يرى أن الكلمة العبرية المترجمة زانية هنا في وصف راحاب يفضل أن تترجم "صاحبة خان" حيث يرجح أنها كانت تدير بيتها كفندق أو "خان" أو "نُزُل" يدخل اليه المسافرون للراحة من تعب السفر قبل استكمال سفرهم، طبعاً من المحتمل أيضاً ان سلوك بعض هؤلاء النسوة - في إدارتهن للفنادق - لم يكُن فوق مستوى الشبهات بسبب طبيعة عملهن هذا مما استدعى – اصطلاحاً - ان يوضعن جميعهن تحت عنوان واحد "زانية"، أي ان نفس الكلمة استخدمت لغوياً لوصف المهنتين "الزانية" الفعلية وأيضاً "صاحبة الخان"، ثم يخلص كلارك إلى أن راحاب لم تكن في الحقيقة زانية بالضرورة. وهو يسوق عدة أسباب لا تفتقر للوجاهة تأييداً لرأيه هذا:
![]() |
| خبط الحنطة - راحاب الزانية. تصنيف الخطية والنعمة الإلهية. |
الأدلة على أن راحاب كانت صاحبة خان
١. ترجوم جوناثان يستخدم لفظاً يعادل "امرأة صاحبة خان" في ترجمته للكلمة في هذا الموضع (يشوع ٢: ١)، ايضاً المواضع التي فيها اقتبس كتاب العهد الجديد عن راحاب في (عبرانيين ١١: ٣١)، وفي (يعقوب ٢: ٢٥) اقتبسوها - كما هو معلوم - من الترجمة السبعينية حيث المصطلح اليوناني المستخدم يمكن فهمه على المعنيين، أي ليس فقط بيع النساء لأجسادهن، لكن أيضاً بيع وتبادل "سلع"، لأن مصدره فعل معناه "يمرر من واحد للآخر" To pass from one to another.
٢. المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت ذكر ان النساء في مصر لم يكن حبيسات البيوت لكن شاركن بنصيب كبير في النشاط الاقتصادي في مجتمعاتهن تمثلاً بإيزيس التي تم تأليهها، كما أن مصدراً آخر ذكر أن النساء في اليونان في عصور لاحقة شاركن كالمصريات في النشاط الاقتصادي لمجتمعهن، وبالقياس، يمكن الترجيح أن الكنعانيات أيضاً عملن كنساء عصرهن، حيث ليس مستبعداً ان يكون إدارة فندق هو أحد الأنشطة الاقتصادية التي أدارتها النساء، لذلك ليس غريباً أن تكون راحاب صاحبة خان. (الحقيقة أن دور ومشاركة المرأة في المجتمعات البدائية كان – ومازال للحين في ريفنا المصري - أكبر بكثير من دورها في المجتمعات الحضرية).
٣. امتداداً لما سبق، يبدو أن نفس النشاط استمر في إسرائيل في القرون التالية حتى مع ازدهار المملكة، لأنه في المحاكمة الشهيرة أمام سليمان نرى كيف "أَتَتِ امْرَأَتَانِ زَانِيَتَانِ إِلَى الْمَلِكِ وَوَقَفَتَا بَيْنَ يَدَيْهِ." (١ملوك ٣: ١٦)، وهنا يُعتَقَد أن المرأتين كانتا أيضاً صاحبات فندق، ليس فقط لأن الزانية لم يكن لها ان تنجب أو تربي طفلاً، لكن لأنه لو كانت المرأتان زانيتين فعلاً لما تجرأت أي منهما على الدخول أمام الملك في ظل ناموس يحكم عليهما بأن مهنتهما "رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ" (تثنية ٢٣: ١٨).
٤. لو انتقلنا إلى شمشون الذي ذهب "إِلَى غَزَّةَ، وَرَأَى هُنَاكَ امْرَأَةً زَانِيَةً فَدَخَلَ إِلَيْهَا." (قضاة ١٦: ١)، المفترض ان اول ما يخطر على بالنا انه يبحث عن مكان للمبيت (خان أو فندق)، أما إن كان هو مستهتراً مستبيحاً، وإن كان سلوك صاحبة ذلك الفندق ليس فوق مستوى الشبهات، فهذه كلها معلومات زيادة يُحتمل إضافتها أو عدم إضافتها للحقيقة الأولى المؤكدة التي هي موضوع بحثنا الآن. (اقرأ أيضاً: أكمل كما بدأت)
٥. في الغالب ينطبق نفس الكلام أيضاً على أم يفتاح الجلعادي حيث قيل إنه "ابْنُ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ." (قضاة ١١: ١)، وهذا ما سنأتي إليه في المقال التالي: يفتاح رجل الظروف الصعبة والمهام الصعبة.
٦. نرجع لراحاب مرة أخرى وفكر معي في بيتها الموجود في سور المدينة (أريحا)، أليس هذا يؤيد فكرة الخان او الفندق لأنه في طريق دخول وخروج الأغراب المسافرين؟
٧. ماذا عن الرجل الذي تزوجته راحاب؟ إنه سلمون بن نحشون بن عميناداب (متى ١: ٤، ٥)، وهو رئيس وابن رئيس ("رئيس" لقب كتابي على فكرة وليس من عندي)، رئيس في سبط يهوذا أكبر القبائل العبرانية المرتحلة من مصر والداخلة إلى كنعان (عدد ٢: ٣)، فكرك بالساهل كده يمكن أن نتصور أن رجلاً في هذه المكانة يقبل الزواج بامرأة زانية "أي تبيع جسدها" فضلاً عن أنها أممية؟!
٨. طيب خلينا نفكر هذه المرة في الجاسوسين اللذين ارسلهما يشوع، بالتأكيد تم اختيارهما "على الفرازة"، يعني مش "رجالة خفيفة" كده، وهما يعلمان أنهما يمثلان الشعب كله؟ وذاهبان في مهمة فيها مستوى عالي من الخطورة، كما أنها "مهمة مقدسة" وفي دور يتعلق عليه سلامة الشعب كله ورخاؤه اللاحق (فاكرين بعثة التجسس قبل 38سنة ومن شارك فيها والموقف الذي اتخذه أغلبهم وماذا حدث لهم؟ عدد ١٣: ٣٠ - ٣٣)، طيب ناس في هذا الموقف وهذه المسؤولية مع كل هذا التأهب والحذر الواجب، فكرك بدلاً من التماس بركة الله والتماس حفظه لهما، وبدلاً من أن يقولا "يا رب استرها معانا"، فكرك ممكن – ببساطة كده - يبحثان عن شهوة ومتعة جسدية مع امرأة في عصيان صريح للوصية السابعة؟ في الغالب الأمر مستبعد!
وماذا بعد يا عم كلارك؟ انت كده صدمتنا!
شوية الزناة الذين اعتدنا أن نأخذ منهم المثل والعبرة ونملأ العظات بتأملاتنا في نعمة الله المغيرة بالإضافة إلى نعمة الله للأمم، هؤلاء الزناة تطيرهم مننا كده في لحظة!! خليت لنا إيه نتأمل فيه؟!! تضيع منا الاثنتين مرة واحدة، راحاب (يشوع ٢) وأم يفتاح (قضاة ١١)!
أولاً: يا أخي أحب اطمئنك من هذه الجهة، لأنه حتى لو خرجنا من هذا البحث بنتيجة تبين أن راحاب وأم يفتاح لم تكونا زانيتين، لكن لأن الكتاب يظهر ضعف البشرية الساقطة لذلك سيتبقى لك زناة وزواني آخرون لكي تتأمل عمل نعمة الله فيهم حيث لم تتوقف النعمة عن عملها عند راحاب او غيرها، عندك ثامار (تكوين ٣٨: ٢٤)، عندك داود وبثشبع (٢صموئيل ١١: ٣، ٤)، وشمشون المستهتر نفسه مع امرأة وادي سورق دليلة (قضاة ١٦: ٤)، وعندك المرأة الزانية التي أمسكت في ذات الفعل (يوحنا ٨: ٤)...
ثانياً: ألا ترى أن عقلك يحتاج للتخلص من أسر ثقافة تصنيف الخطايا لكبائر وصغائر؟! لو راجعنا بشيء من الموضوعية والحياد ذلك التصنيف النمطي للصغائر والكبائر المحفور مع تلافيف العقل سنجد التفسير المنطقي لهذا الحافز الملح الذي يجعلنا باستمرار نفضل استدعاء الصورة التقليدية للمرأة الزانية لنتمثل من خلالها غنى نعمة الله التي تتعامل مع الزنا أكثر من أي خطية أخرى فتبدو النعمة في نظرنا أكثر غنى لأن الزنا من "الكبائر". وبسبب هذا التصنيف الذي يدور في اللاوعي، لن يرقى - في نظرنا – قبول الأب رجوع ابنه الضال (في لوقا ١٦) إلى مستوى غفران الرب للزانية (في يوحنا ٨) وانقاذه لها من الرجم، لأن الزنا أكثر شناعة بمعيار الكبائر والصغائر، وهذا مع الأسف قصور في فهم طبيعة الخطية في نظر الله وبالتالي في فهم عمل نعمة الله نفسها. (اقرأ أيضاً: العلاقة الحقيقية مع الله)
![]() |
| خبط الحنطة - تصنيف الخطية. الغش في الامتحان ان اخطأ في واحدة فقد اخطأ في الكل. |
ركز معي في كلام الرسول بولس لتيطس شريك خدمته: "لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ" ليس فقط للزناة لكن "لِجَمِيعِ النَّاسِ" (تيطس ٢: ١١)، صحيح بعدها يذكر "الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ" (كبائر أهه) لكن قبلها في الأصحاح السابق نراه يتحدث عن قائمة من شرور كثيرة من المؤكد أنها لا تقارن في نظرنا بالزنا على مقياس التصنيف إياه "مُتَمَرِّدِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ،... يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا، مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ.... كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ. بُطُونٌ بَطَّالَةٌ.... يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ.... تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ.١٦يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ، إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ." (تيطس ١: ١٠ – ١٦)، في ضوء هذا الكلام:
لا يصح ان تجعل التصنيف الضيق للكبائر والصغائر يحجب رؤيتك عن شناعة الخطية بكل اشكالها.
ثالثاً: الكتاب المقدس كتب للتعريف بالله بكل غناه وحكمته ومحبته ونعمته... الخ، وللتعريف بنا نحن البشر بنقائصنا وتقصيراتنا وضعفاتنا وبافتقارنا للقدرة على التلامس مع الله لولا توافر صفاته تلك، ثم لتعريفنا كيف تتصل تلك السماء بهذه الأرض، ورغم أن الله منذ القديم يدين الخطية في كل متعدٍ من البشر لكنه يفتقد بالنعمة كل مؤمن منهم راغب في التوبة، ورغم ما يبدو من ارساله الناموس لشعب بعينه في حقبة معينة وقصره التعامل مع البشر على هذا الشعب تحديداً ومن خلاله، لكن في وسط هذه المعاملة المتميزة نجد نعمة الله للأمم تمتد، فيفتقد هؤلاء الأغيار من الأمم المختلفة وراحاب من أوضح الأمثلة، من أجل كل ذلك، في واقع الأمر وللمفارقة، نرى كيف أن راحاب وهي "الأممية" (وليس "الزانية") بسبب إيمانها، خلصت من دينونة عدل الله على أريحا المدينة الأممية التي كانت ساكنة فيها والمطلوب تحريم كل ما فيها ومن فيها (يشوع ٦: ١٧) بينما يهلك عخان بن كرمي بسبب عصيانه وهو جندي الجيش الذي هو أداة ذلك التحريم، لأن ليس عند الله محاباة. (اقرأ أيضاً: المؤمنون من الأمم في العهد القديم)
في النهاية، وسواء كانت راحاب زانية أو صاحبة خان، فإن نعمة الله تظهر أعظم حين تتعامل مع الخطية بكل أشكالها. فلو تحررنا من هذا التصنيف ستنفتح عيوننا على حقيقة أن كلنا بشر والكل خطاة والكل مقصرون و"فِي الْمَوَازِينِ... إِلَى فَوْقُ." (مزمور ٦٢: ٩)، ومع ذلك مازال الله يقدم نفس المحبة ويتعامل بنفس النعمة مع جميعنا.
اقرأ أيضاً:
يفتاح رجل الظروف الصعبة والمهام الصعبة
تعالوا نفهم - هل قدم يفتاح ابنته محرقة؟
#خبط_الحنطة
أسئلة شائعة حول راحاب والخطية والنعمة
(اضغط على السؤال لقراءة الإجابة)
هل كانت راحاب زانية فعلاً؟
النص يصفها بـ"زانية"، لكن هناك احتمال قوي أن الكلمة تعني "صاحبة خان" أو صاحبة فندق (innkeeper). كثير من المفسرين يميلون إلى أنها كانت تدير مكاناً لإقامة المسافرين.
لماذا يُفضل تفسير "صاحبة خان" عن "زانية"؟
لأن بيتها كان على سور المدينة (مكان مناسب للخان)، ولأن سلمون (رئيس سبط يهوذا) تزوجها، ولأن الجاسوسين اختاراها كمكان آمن. كل هذا يجعل احتمال أنها كانت زانية حرفياً أقل ترجيحاً.
هل يهم إذا كانت راحاب زانية أم صاحبة خان؟
في النهاية لا يهم كثيراً. سواء كانت زانية أو صاحبة خان، فإن نعمة الله وصلت إليها وخلصتها هي وعائلتها. النقطة الأهم هي عمل النعمة لا تصنيف الخطية.
لماذا نُصنف الخطايا إلى كبائر وصغائر؟
هذا تصنيف بشري يحاول أن يُرتب شناعة الخطية. لكن في نظر الله، كل الخطايا تجعل الإنسان مذنباً، ونعمة الله قادرة على التعامل مع أي نوع من الخطية.
ما الدرس الأهم من قصة راحاب؟
أن نعمة الله لا تُقيّد بتصنيفنا البشري للخطايا. سواء كانت راحاب زانية أم صاحبة خان، فإن إيمانها خلصها، ودخلت في سلسلة نسب المسيح.


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..