-->

شمشون – ومن الجافي حلاوة.

بعض الدارسين لكلمة الله يقولون إنه يندر أن تتفق الامكانيات العقلية الكبيرة مع القوة الجسمانية الكبيرة، ومثل هذه الحالات - مع الأسف - لا يصلح معها النصيحة والتوجيه، وشخصية اليوم ينطبق عليها هذه الحكمة إلى حد كبير. الاسم "شمشون" معناه مشتق من الشمس أو من أشعة الشمس، وكلنا يعرف قصة ولادته وحياته (التي وردت في قضاة ١٣ إلى ١٦)، لذلك لن نسهب فيها ولنذهب للمهم مباشرة حالياً الذي هو مواصفات هذه الشخصية.

صورة طفلة يبدو عليها وكأنها ارادت شيئاً ولم يتحقق بينما الأم من خلفها تسترضيها او تؤدبها.
خبط الحنطة - الطفل المدلل والشاب المدلل

الشخصية الصعبة

+ شمشون الطفل المدلل ثم الشاب المدلل:

كيف نعرف الطفل المدلل؟

يطلب كل ما يشتهيه، ثم يصر عليه مهما كانت الموانع (يشبط فيه).

مع ان الكتاب يقول صراحة أن الوالدين حرصا على سؤال ملاك الرب الذي بشرهما «عِنْدَ مَجِيءِ كَلاَمِكَ، مَاذَا يَكُونُ حُكْمُ الصَّبِيِّ وَمُعَامَلَتُهُ؟» (قضاة ١٣: ١٢). لكن لعل ولادة شمشون لأم عاقر كانت سببا – كما يبدو - في معاملة متميزة بشكل مبالغ فيه لهذا الطفل – ثم الشاب – ليصبح في النهاية طفل مدللاً فشاباً مدللاً لا يرى الا رغباته ولا يقبل إلا بتنفيذها. شهوة جسده تحركه، وكل ما يقع عليه بصره يسبيه، وكثيراً ما يقع الوالدان في أخطاء تربوية (لعل داود كان أحد الأمثلة الصارخة في هذا الشأن)، وعلينا أن نحذر في تربية أولادنا من تلك التربية التي تلبي للطفل كل ما يرغب، لأن مثل هذا الطفل متى كبر لا يقبل بكلمة "لا" كإجابة لأي من طلباته، حتى الغير صحيح منها. وكالطفل المدلل ما أن رأى المرأة الأممية في تِمنَة وأعجبته حتى ألح على والديه ليزوجاها له رغم أنها ليست من شعب الرب وهو يعلم أنه محظور عليه الزواج منها طبقاً لنواهي الناموس.

+ المرح الراغب في اللهو باستمرار:

 ١. فهو الذي يخترع أحاجي (ألغاز) يسلي بها نفسه والآخرين (قضاة ١٤: ١٢).

٢. وهو الذي يهوى "الدندنة" وتأليف الأغاني المناسبة للمواقف المناسبة، فنجده يؤلف الأغنية (قضاة ١٥: ١٦):

"بفك حمار كومة وأكوام          بفك حمار أثكلت ألف مدام"

٣. وهو الذي يصلح ليكون "نجم القعدة" الذي يجمع حوله الأصدقاء والمريدين ليرفه عنهم (قضاة ١٤: ١١).

+ المستبيح:

الذي يستهين بالممنوع ويضرب عرض الحائط بكل ناموس وبأي تقاليد أو أصول.

١. هو الذي يبدأ حياته راغبا في الزواج من امرأة أممية لمجرد أنها أعجبته رغم مخالفة ذلك لوصايا الرب.

٢. وهو الذي يقبل أن يبيت في بيت امرأة زانية، أو على الأقل ينزل إلى مدن أممية ويتواجد فيها (قضاة ١٦: ١).

٣. وهو الذي ينهي حياته على ركبتي امرأة سيئة السمعة (قضاة ١٦: ١٩).

كل هذا بينما هو النذير المخصص للرب من البطن، والذي بالتأكيد سمع كثيرا من الحكايات عن ملاك الرب الذي بشر به، وعن المهمة السامية الموضوعة على عاتقه "لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا للهِ مِنَ الْبَطْنِ، وَهُوَ يَبْدَأُ يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ" (قضاة ١٣: ٥).

صورة شخص ماجن محاط بنساء لاهين ويمسك بكأس في يده متجمعين كلهم حول مائدة.
خبط الحنطة - شمشون - ومن الجافي حلاوة

+ أناني لا يفكر إلا في نفسه:

١. نجده حين يعاتبه رجال يهوذا على ما فعله بالأعداء وما قد يتسبب فيه ذلك من ردة فعل عنيفة يدفعون هم ثمنها لأنهم مستعبدون لهم، نجده يرد عليهم بلا مبالاة غريبة "كَمَا فَعَلُوا بِي هكَذَا فَعَلْتُ بِهِمْ" (قضاة ١٥: ١١)

 ٢. ونرى الدافع الأناني واضحا لانتقامه من الأعداء، فلا يشغل تفكيره مطلقا معاناة شعبه التي يلقاها من هؤلاء الأعداء لمدة ٤٠ سنة (قضاة ١٣: ١)، لكن كل ما يفكر فيه هو نفسه فقط."اذْكُرْنِي وَشَدِّدْنِي يَا اَللهُ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ، فَأَنْتَقِمَ نَقْمَةً وَاحِدَةً عَنْ عَيْنَيَّ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ" (قضاة ١٦: ٢٨).

نعمة الرب في سقوط شمشون

مع كل هذا نجد الرب يمهله ويتعامل معه بالنعمة وطول الأناة لوقت طويل جدا (٢٠ سنة)، لكن مع الأسف لم يصلح معه النصيحة والتوجيه كما هو متوقع من شخصية على هذا المنوال.

مثل هذه الشخصية قال عنها سليمان "إِنْ دَقَقْتَ الأَحْمَقَ فِي هَاوُنٍ بَيْنَ السَّمِيذِ بِمِدَقّ، لاَ تَبْرَحُ عَنْهُ حَمَاقَتُهُ." (أمثال ٢٧: ٢٢)، ولا نحتاج ان نذهب بعيداً لنعرف السبيل الوحيد لتغيير أو تعليم من هو في مثل هذه الحماقة، حيث نجده في المثل الشعبي القائل "اللي ما يربيهوش أبوه وأمه تربيه الأيام والليالي".

طبعا الأيام والليالي هنا هي من عمل الله نفسه، لأجل ذلك نجد الرب يسمح بعملية التأديب هذه ليس مع الذين هم من خارج فقط بل مع أولاده أيضاً:

"لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلاً مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟" (١بطرس ٤: ١٧).

"٣١لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، ٣٢وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ."(١كورنثوس ١١: ٣١، ٣٢)

بالنقر هنا يمكنك متابعتنا

دفع الثمن

وجاء وقت التأديب، وحُرم شمشون من البصر الذي سباه وأعمى بصيرته، وبدأ يراجع نفسه، فوجد نفسه قد فقد كل شيء:

١. فقد معية الله له:

"وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَارَقَهُ."(قضاة ١٦: ٢٠).

٢. فقد القوة التي اساء استخدامها:

"وَفَارَقَتْهُ قُوَّتُهُ"(قضاة ١٦: ١٩).

٣. فقد بصره الذي طالما شده لكل ما هو زائل.

"فَأَخَذَهُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَقَلَعُوا عَيْنَيْهِ" (قضاة ١٦: ٢١)

٤. فقد الحرية:

فقد أضحى في السجن، ومكبلا بسلاسل نحاس: "وَنَزَلُوا بِهِ إِلَى غَزَّةَ وَأَوْثَقُوهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ. وَكَانَ يَطْحَنُ فِي بَيْتِ السِّجْنِ." (قضاة ١٦: ٢١)

٥. فقد مركزه:

فبعد أن كان قاضي إسرائيل (قضاة ١٦: ٣١)، أصبح يطحن في السجن، وهي الوظيفة التي يقوم بها حيوان في العادة. وتركته المرأة الأممية التي تعلق بها ونسي الرب ومقامه وشعبه بسببها، وأحضره الفلسطينيون ليسليهم ويمجدوا إلههم داجون مفتخرين بأسره.

من الآكل خرج أُكل – عمل نعمة الله

كيف يستخدم الله هذه الشخصية الصعبة بكل ما فيها من عيوب وضعفات وسقطات ليستخرج منها مجداً لاسمه وتحقيقاً لكل هدف وضعه؟! هذا هو الأمر المدهش. ربما ليس مصادفة قط ان يرد هذا الحدث الذي يبدو عرضياً في سياق القصة، أن يقتل شمشون الأسد ثم لاحقاً يجد في جيفة الأسد شمع عسل بالعسل المشمول فيه لكي تعبر هذه الصورة خير تعبير وبالمختصر المفيد عن مضمون حياة شمشون الماجنة الصاخبة التي لا تسر أحداً وبالرغم من هذا يحقق الرب فيها كل ما يهدف إليه، بل الأغرب من ذلك هو أن يرد اسم شمشون بين سحابة الشهود أبطال الإيمان (عب ١١: ٣٢) بجوار من نراهم أعظم منه وأكثر استقامة، لكن مقاييس الله متفردة، والأهم هو عمل نعمة الله التي ترفع من الحضيض وتستغل الأواني الخزفية في كنوز لا تقدر بثمن.

والرب لا يتخذ قراراته بناءً على محاباة لأي أحد أو ميل خاص، وليس بحثاً عن أي امتياز فينا، لكن الكل يعمله لهدف واحد وحيد، هو مجد اسمه واكتمال تحقيق مشيئته الصالحة التي في النهاية لنا منها نصيب وخير.

"لَكَ يَا سَيِّدُ الْبِرُّ، أَمَّا لَنَا فَخِزْيُ الْوُجُوهِ، كَمَا هُوَ الْيَوْمَ لِرِجَالِ يَهُوذَا وَلِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، وَلِكُلِّ إِسْرَائِيلَ الْقَرِيبِينَ وَالْبَعِيدِينَ فِي كُلِّ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتَهُمْ إِلَيْهَا، مِنْ أَجْلِ خِيَانَتِهِمِ الَّتِي خَانُوكَ إِيَّاهَا." (دانيال ٩: ٧)

"«لِذلِكَ فَقُلْ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: لَيْسَ لأَجْلِكُمْ أَنَا صَانِعٌ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، بَلْ لأَجْلِ اسْمِي الْقُدُّوسِ الَّذِي نَجَّسْتُمُوهُ فِي الأُمَمِ حَيْثُ جِئْتُمْ." (حزقيال ٣٦: ٢٢)

لذلك يحق لنا أن نتخذ من أحجية شمشون شعاراً وعنواناً لقصته كلها:

«مِنَ الآكِلِ خَرَجَ أُكْلٌ، وَمِنَ الْجَافِي خَرَجَتْ حَلاَوَةٌ» (قضاة ١٤: ١٤)

#خبط_الحنطة

بالنقر هنا يمكنك متابعنا 

تعليقات