تشهد نصوص الوحي المقدس احداث دارت مع شخصيات توافر لها الكثير من الخصائص والظروف التي أهلتها لنتائج عظيمة، منهم حالات وصلت لتلك النتائج المأمولة بنجاح منقطع النظير، أي من الوجهين النجاح والفشل "شيء واحد"، بين كل التفاصيل والاهتمامات والالتزامات والعهود والتطلعات.... قد يعوزك شيء واحد.
![]() |
| خبط الحنطة - يعوزك شيء واحد |
هذا ما وجه الرب يسوع نظر الشاب إليه عندما قال له هذا التعبير الشهير جداً:«يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ»،وهو في الحقيقة يقول هذا لكثيرين كل على حدة، وقد تكون انت منهم. تعالوا نرى بعض هذه الشخصيات وماذا كان فيها من خصائص، ولاحظوا نقاط التشابه إن وجدت، ولنبدأها بهذا الشاب الغني نفسه.
درس الشاب الغني
الشاب جاء يسأله: "مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟" (مر ١٠: ١٧)، ونجد رد فعل الرب يسوع تجاهه أن "فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ، وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ»." (مر ١٠: ٢١)
بماذا تميز ذلك الشاب الغني؟
١. يهودي، أي انه من الشعب الذي خصه الله بتعاملات خاصة بالنعمة.
٢. كان يحفظ الوصايا، أي انه يعرف الدين، يعني مذاكر كويس (مثلما كان أبولس كما سيأتي ذكره لاحقاً).
٣. الشاب بنفسه هو الذي أقبل الى الرب وعبر عن احتياجه من خلال ذلك السؤال، أي ان عنده القدرة على تمييز احتياجاته وليس غافلاً عنها.
٤. يعبر عن كل من "المعرفة" و"الأعمال"، فهو يعرف متطلبات الناموس جيداً، وهو ايضاً يطلب أن يعمل ما يظنه يسدد تلك المتطلبات.
والواضح أن الرب كان يعرف الشيء الواحد الذي شكل عثرة في طريق تحقيق طلبة الشاب، ذلك الشيء الذي يكبله لكيلا ينطلق إلى حرية مجد أولاد الله، والمشكلة في حالة هذا الشاب كانت مكانة المال في قلبه، لذلك قال له: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، وكان هذا الشيء هو:
"اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ"
ومن ردة فعل الشاب الغني على أمر الرب نتبين أن:
١. تقواه كانت خارجية، فلو كان صادقاً في بحثه عن الحياة الأبدية لكان قد ترك كل شيء كما طلب اليه الرب. (قارن هذا مع مثلي الكنز المخفى واللؤلؤة كثيرة الثمن في مت ١٣: ٤٤ – ٤٦).
٢. طلبته أن يرث الحياة الأبدية لم تكن صادقة لأنها كانت مشروطة بقواعد هو وضعها لنفسه، أن يحصل على الحياة الأبدية من دون التنازل عن محبته للمال.
وماذا كانت النتيجة:
من المؤكد انه لم ينل شيئاً مع الأسف، وضيع على نفسه الفرصة. وأخشى أن النتيجة قد تكون أسوأ كما تعلمنا من مواقف أخرى.
ملحوظة مهمة:
لا أعتقد ان الرب يقصد ان يترك كل الأغنياء أموالهم، لكن الرب عرف مكانة المال في قلب هذا الشاب، وكان الكلام إليه كأنه يوقفه أمام نفسه: "مش انت طلبت أدلك على الطريق للحياة الأبدية؟! ها هو الطريق أرشدتك إليه.. اتفضل بقى امشِيها!!" لو كان الشاب يتقي الله فعلاً من القلب لكان "ترك" لكي "ينال" في استجابة للوسيلة التي وضعت أمامه.
درس أبولس
"٢٤ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ،.....، رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ.٢٥كَانَ هذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ الرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيق مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ. عَارِفًا مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ.٢٦..... فَلَمَّا سَمِعَهُ أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِّلاَ أَخَذَاهُ إِلَيْهِمَا، وَشَرَحَا لَهُ طَرِيقَ الرَّبِّ بِأَكْثَرِ تَدْقِيق.٢٧..... فَلَمَّا جَاءَ سَاعَدَ كَثِيرًا بِالنِّعْمَةِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا،٢٨لأَنَّهُ كَانَ بِاشْتِدَادٍ يُفْحِمُ الْيَهُودَ جَهْرًا، مُبَيِّنًا بِالْكُتُبِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ." (أع ١٨: ٢٤ – ٢٨).
أبلوس وما كان يميزه:
١. يهودي
٢. متعلم في الكتب (معرفة)
٣. فصيح اللسان
٤. ينتظر الرب تبعاً لما تعلمه من المعمدان.
لكن أبولس كان يعوزه شيءٌ واحدٌ ليتوج تلك المؤهلات، هذا الشيء الذي بدونه تكون كل المؤهلات كالعدم، وقد رأى فيه الزوجان أكيلا وبريسكلا هذا الاحتياج فقدماه اليه، هذا الشيء الواحد هو:
أن "يعرف الرب" معرفة شخصية بعد أن "سمع عن الرب" من المعمدان.
أن يعرف ما قام به الرب يسوع من أجله ومن أجلنا جميعاً.
وأن يعرف بمجده الأسنى وبملكوته الذي هو للأبد لن ينتهي.
فماذا حدث لأبولس؟
١. الرجل – لأنه كان قابلاً للتعلم - لم يستكبر ان يسمع من أكيلا وبريسكلا الذين يفترض أنهما ربما اقل منه علماً وثقافة.
٢. وها قد قُدِّمَت اليه كلمة الله.
٣. وهو من جهته لم يكن متكبراً عنيداً ليظن في نفسه انه مكتف بما هو فيه.
٤. بل تجاوب مع كلمة الله معطياً لله المجال ليعمل فيه ويغيره ليستخدمه.
٥. لذلك استخدمه الرب في تشديد المؤمنين ومواجهة المقاومين.
(اقرأ أيضاً: اطلبوا أولاُ ملكوت الله وبره)
درس كرنيليوس
اقرأ قصة الرجل في (أع ١٠: ١ – ٤٨)، وأرجع لكلامنا عن كرنيليوس في مقال سابق ولاحظ عنه:
كل ما كان يميز كرنيليوس:
١. أممي
٢. رجل في موقع سلطة
٣. كان يعرف الدين.
٤. تقي وخائف الله
٥. يحاول ان يرضي الله من خلال تنفيذ وصايا الناموس (أعمال)
٦. قابل للتعلم، أي انه لم يستكبر ان يرسل لبطرس ويستمع الى ما يريد الرب ان يقوله له، لم يستكبر أن يسمع من بطرس ذلك الصياد الفقير.
لكن كان يعوزه شيء واحد:
أن يتوج تقواه هذه بالخضوع لخطة الله لخلاص البشر، أن يتغلب على حواجز الجنسيات والإثنيات ويتبع مسيحاً يهودياً يكون له فادياً ومخلصاً.
(انقر هنا لتتابعنا)
ماذا حدث لكرنيليوس فعلاً؟
١. كلمة الله قدمت اليه بواسطة بطرس، أي ان الله لما رأى احتياجه لم يبخل عليه بأن يرسل اليه من يقدم له التعليم المناسب.
٢. وهو لم يقل انه مكتف بما هو فيه، لكن تجاوب مع ما استجد عليه من معرفة ومتطلبات.
٣. وكان تجاوبه مع الكلمة المقدمة واضحاً وبدون تردد وبدون أدنى شك.
٤. والنتيجة ان كرنيليوس أصبح الباكورة الرسمية للأمم الذين قبلهم المسيح في كنيسته وأيقونة لكل من يريد أن يحيا لله تحت أي ظروف.
درس أغريباس الملك
(أع ٢٥، ٢٦)
أنظر لكل ما يمكن أن نضيفه لحسابه:
١. يهودي ومش يهودي (من أصل أدومي يعني أقرب للأمم من اليهود).
٢. كان يعرف الدين لكنه تعامل معه من منطلق براجماتي صرف، من منطلق استخدامه للتقارب مع الشعب اليهودي ليستطيع سياستهم.
٣. في موقع سلطة.
٤. هو الذي طلب ان يرى بولس ويسمعه.
٥. استمع لبولس ويبدو أن الكلام ربما كان له تأثير عليه، لأنه هو من قال لبولس: «بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا» (أع ٢٦: ٢٨). [كلمات أغريباس هنا يمكن أن تفهم على وجهين، أحدهما "البيان" أي انه يقول انه قاب قوسين أو أدنى أن يصير مسيحياً، والوجه الآخر هو "الاستنكار" أو السؤال الاستنكاري، أي انه رأى مجرد خطاب او عظة من بولس ليست بالقدر الكافي الذي يجعله يقنع بخبر الإنجيل].
٦. كانت شهادته في صالح بولس «كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ هذَا الإِنْسَانُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ» (أع ٢٦: ٣٢).
لكن كان يعوزه شيء واحد:
أن ينحي جانباً كل المعوقات ويتجاوب مع صوت الرب الذي وجه إليه من خلال ذلك الأسير الذي وقف يشهد بين يديه.
لكنه – مع الأسف – تجاهل كل ما يجتذبه نحو الله وقرر أن يطرد كل النوازع الإيجابية التي تدفعه أن يؤمن، لأن حسابات المكسب والخسارة عنده رجحت كفة أن يظل على حاله.
بولس الرسول
في (فيلبي ٣: ٤ – ٦) نجد الرجل الناضج المجرب بولس وبعد ان مرت به السنون يعدد ما كان له في الماضي واعتبره يوما ما ربحاً وامتيازات:
- مختون حسب الناموس وهي علامة الانتماء لشعب ميزه الرب
- مسجل نسبه إلى سبط إسرائيلي (بنيامين) لم يتمرد ضد يهوه مع بقية الأسباط العشرة، لذلك لا شك في انتمائه هذا.
- عبراني أباً وأماً ولم يختلط دمه بدماء أممية رغم ميلاده وسكناه في مدينة اممية شهيرة.
- من جهة التدين وحفظ الشريعة فهو ينتمي لأكثر التيارات الدينية تشدداً وتحفظاً في عصره.
- أثبت غيرته على شرع الله ووصاياه بمحاربته العملية والدموية لكل من تصورهم انحرفوا عن الطريق القويم وانتموا إلى ذلك الطريق الذي يقال له شيعة الناصريين.
- وقد كان مخلصاً مدققاً من جهة السير في كل ما أوجبته التعليمات والوصايا والفرائض والطقوس والالتزامات الأخلاقية.
لكن مع كل هذا جاءت اللحظة الفاصلة التي اكتشف أنه يعوزه شيء واحد، وقد رأى هذا الشيء أميز من كل ما سبق بل وأفضل شأناً، ألا وهو:
"فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ"
والذي أمام هذا الفضل "حَسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً"... بل و"حْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ يرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في ٣: ٨)
الشيء الواحد الناقص
أقول الصدق في المسيح ولا أكذب ومن خبرة سنين تراكمت، ليس لي وحدي بل لخبرات شهود كثيرين أعرفهم وأكثرين لا أعرفهم: إن من حسبها بأي طريقة أخرى هو الخاسر، و"عاديك" على إحساس الندم على سنين مرت بتراكم أحاسيس الخسارة. ومن هذا المنطلق اكررها أخيراً:
إن أنت من ذلك الفريق الذي يرى هذا التعبير موجه إليه "يعوزك شيء واحد".
إذن هو "قرار" كل ما يتطلبه منك الرب ان تتخذه، ألا تستسلم لمخدر الشهوة الوقتية والسعادة المزيفة، بل تترك الطريق الذي لم ولن تكسب من ورائه إلا الندم والألم والخسارة، وتلتحق بقافلته وتسير في طريقه.
خليك فاكر أنه يعوزك شيء واحد، ابحث واعرف ما هو هذا الشيء الوحيد الناقص. (اقرأ أيضاً: العلاقة مع الله)
#خبط_الحنطة

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..