-->

معلومة أو خيال: متوسط عمر تلاميذ المسيح حين كان معهم

كم كان عمر تلاميذ المسيح؟

 الصور المألوفة لدينا والتي نرى فيها يسوع يحيط به تلاميذه سواء يسمعون كلامه، أو يحيطونه في المسير، أو حتى الصور الشهيرة للعشاء الرباني بكل نسخها، كل هذه الصور نرى فيها تلاميذ يسوع رجالاً بالغين كبار ذوي لحى كثيفة ومنهم من سقط شعر رأسه، بل ربما نصفهم على الأقل يكون أشيب شعر الرأس واللحية، وحتى من تصدوا للموضوع في السينما والدراما لم يعيروا هذا الشأن اهتماماً يذكر من حيث الدراسة والبحث، فهل صور هؤلاء الرجال الأربعينيين أو حتى الخمسينيين منهم تمثل فعلاً حقيقة أولئك الذين تعلموا من معلمهم الثلاثيني (لو ٣: ٢٣) والذي فارقهم بالجسد شاباً قبل أن يكمل ٣٤ سنة؟ هل هؤلاء هم من انطلقوا في وقت لاحق إلى ربوع الأرض كلها ينقلون الخبر السار لمدة الـ٤٠ عاماً التالية؟

في الأغلب الأعم كان الفنانون الذين أبدعوا هذه الصور متأثرين بعوامل واعتبارات ثقافية وفكرية كثيرة جعلتهم ينحون هذا المنحى ولم يسأل كل هؤلاء أنفسهم سؤال منطقي: هل كان التلاميذ شباباً؟ لكن بشيء من التدقيق تتكشف الحقيقة الصادمة لأسرى هذا التقليد، أنه عندما دعا الرب تلاميذه كان جلهم إن لم يكن كلهم شباباً في مرحلة المراهقة المتأخرة ما بين ١٦ سنة إلى ١٨ سنة كحد أقصى...

صورة من احد الأفلام التي صورت حياة الرب يسوع حيث نراه يسير والتلاميذ رجال ناضجين بأجسامهم الضخمة وشعور رؤوسهم ولحاهم الطويلة يسيرون خلفه بينما بعضهم يحملون في أيديهم سلال خبز.
خبط الحنطة - متوسط عمر التلاميذ وقت ان كان المسيح معهم

وكما سبق ودرسنا عن عمر إسحاق الأقرب للصحة عند تقديمه محرقة، سنقوم الآن بالتفكير ملياً في شأن العمر الحقيقي لتلاميذ المسيح، وهو الأمر الذي نحتاج فيه للنظر ملياً في المجموعة التالية من العوامل والاعتبارات.

+ متوسط عمر الانسان في العصور القديمة:

احصائياً، ولأن أطفالاً كثيرين كانوا يموتون في مراحل مبكرة، هذا جعل متوسط عمر البشر في القرن الأول الميلادي افتراضياً ما بين 30 إلى 35 سنة، لكن لو استبعدنا إحصائياً الموتى من الأطفال - والذي هو عامل مؤثر جداً – سنجد متوسط العمر يرتفع بشكل ملحوظ، أي ان الرجل (أو المرأة) الذي ينجو من احتمالية الوفاة طفلاً، كان يمكن أن يعيش ما بين ٥٠ و٦٠ سنة بل وربما حتى يصل الى سن ٧٠ سنة.

العوامل التي تحكمت في متوسط عمر الانسان:

- وفيات الأطفال:

نسبة ملحوظة من الوفيات كانت تحدث في الطفولة المبكرة، ثلث الأطفال لم يكن يكمل عامه الأول، ونصفهم لم يكن يبلغ العاشرة من العمر، وهذا تسبب في خفض متوسط الأعمار عامة. أتكلم إحصائياً. (اقرأ هذا الموضوع من موقع بي. بي. سي. عربي بعنوان هل نعيش أعماراً أطول من أعمار أسلافنا؟)

- الأمراض والأوبئة:

مع غياب النظافة العامة وغياب الرعاية الصحية المناسبة كانت الأمراض كاسحة.

- التغذية:

مدى توافر الغذاء المناسب والاختلاف الملحوظ في جودته.

- الطبقات الاجتماعية:

الطبقات الأغنى كانت تعيش أعماراً أطول.

- الحوادث والعنف:

كانت أكثر انتشاراً مما هي عليه الآن. (يمكن اعتبار استشهاد الرسل اثناء كرازتهم ضمن هذا العامل).

+ السياق الثقافي اليهودي:

في زمن يسوع، كان من الشائع أن يسعى الشبان اليهود إلى رابَّاي (معلم) ليتبعوه ويتعلموا منه. غالبًا ما حدث هذا في سنوات مراهقتهم.

المشنا، وهي مجموعة من التقاليد اليهودية الشفوية التي تم تسجيلها، تتيح لنا رؤية المراحل النمطية للحياة والتعلم في حياة الشباب اليهودي في عصر المسيح، ونفهم منها ومن كتابات يهودية أخرى ما يلي:

١. مرحلة التعليم الأولي للفتى اليهودي كانت تنتهي في عمر ١٣ إلى ١٥ سنة.

٢. ومثل عصرنا الحاضر، كان يلي التعليم الأولي أن يبحث الشاب عن التعليم الديني الأعلى، فيتقدم إلى الرابيين المتاحين أمامه (مثل الطالب الذي يقدم أوراقه إلى الجامعة في هذه الأيام)، والذي منهم يُقبَل من الراباي يتتلمذ على يديه ويستمر في مرحلة التعلم، ونعرف من كتابات بولس أن هذا كان المسار الذي سلكه شاول الطرسوسي والذي لم يكتفِ فقط بالتلمذة على يد راباي محلي في مدينته طرسوس رغم أنها كانت مدينة كبيرة، بل إنه اتجه إلى "الدراسات العليا" على يد معلم (راباي) كبير جداً في عصره (غمالائيل) وذلك في مدينة أورشليم قِبلة وعاصمة العلم الشرعي بين اليهود في وقته.

٣. أما أولئك الذين لا ينالون حظوة القبول من راباي يعلمهم فيتجهون إلى العمل في التجارة أو الحرف المختلفة، وفي الغالب يكون مصير هؤلاء هو استكمال العمل مع آبائهم في نفس مهنهم التي على الأرجح يكون قد بدأ الشاب منهم في ممارستها والتدرُّب عليها في مراحل مبكرة من صباه ومراهقته المبكرة.

٤. من النقطتين السابقتين نعرف أن الشبان غالباً ما كانوا يبدأون دراساتهم الدينية وأيضاً حياتهم المهنية في سنوات مراهقتهم فوق سن ١٥ سنة على أقصى تقدير.

٥. أما عن الزواج فقد كان من الشائع أيضًا أن يتزوج الرجال اليهود في سن مبكرة نسبياً، كان مسموحاً للشاب بالزواج بمجرد البلوغ (١٤ سنة إلى ١٦ سنة مثلاً)، لكن كان الشاب يُعطَى فرصة أن يصبح له دخل مادي ليعول اسرته الجديدة، لذلك كان العمر المعتاد للزواج في حدود ١٨ سنة، ومن يتأخر لما بعد ٢٠ سنة كان يعتبر ملعوناً من الله نفسه. (تقدر ترجع لقوانين الزواج في الموسوعة اليهودية الموجودة على الانترنت).

(انقر هنا لتتابعنا)

الأدلة الكتابية:

١. لاحظ أنه "لَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً" (لو ٣: ٢٣)، وهذا أمر له أهمية خاصة في بحثنا هنا، فحين يصل اليهودي إلى تلك السن يكون جاهزاً للخدمة وللعمل العام مثل وظائف الكهنوت والتعليم الشرعي، ومن البديهي أن يكون التلاميذ اليهود أصغر من معلمهم بفارق عمري معقول.

٢. في بعض المواضع أشار الرب يسوع إلى تلاميذه على أنهم "صغار"، مما قد يشير إلى فارق معقول في العمر بينه وبينهم. لاحظ هنا مثلاً كيف خاطبهم: "يَا أَوْلاَدِي، أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ." (يو ١٣: ٣٣). هل تعتقد انه من المقبول أن يخاطب الرب تلاميذه هكذا - حتى وهو الرب والمعلم - لو أن الشيب خط رؤوسهم حسب الصور التقليدية أو حتى لو هم قريبون­ منه في السن؟

لاحظ أن نفس الكلمة المستخدمة هنا "يا أولادي" استخدمها الرسول بولس مرة في رسلة غلاطية وكان له من العمر ٥٠ سنة على الأقل (غل ٤: ١٩)، ويوحنا الرسول وهو "شيخ" كما يصف نفسه، كتبها في ٧ مواضع من رسالته الأولى (٢: ١، ١٢، ٢٨، ٣: ٧، ١٨، ٤: ٤، ٥: ٢١).

٣. كان العديد من التلاميذ صيادين، مما يشير إلى أنهم كانوا في سن العمل، أي في سنوات المراهقة المتأخرة أو شباب بالغين. هذا كان حال العدد الأكبر من تلاميذ المسيح الإثني عشر، فها نحن نجد ٤ منهم على الأقل يعملون في صيد السمك وهي حرفتهم العائلية، بطرس وأخاه أندراوس، يعقوب وأخاه يوحنا، ولو أخذنا في الاعتبار عدد التلاميذ الذين شملتهم حادثة بحر طبرية (يوحنا ٢١) يمكن إضافة ٤ آخرين إلى فئة الصيادين ذُكِر منهم توما ونثنائيل بالاسم بينما إثنان آخران لم يذكر اسميهما (يو ٢١: ٢)، وبذلك يرتفع عدد الصيادين إلى ٨ من جملة تلاميذ المسيح الاثني عشر.

٤. حقيقة أنهم تركوا عائلاتهم ليتبعوا يسوع تشير أيضًا إلى أنهم كانوا شبانًا قادرين على اتخاذ مثل هذا القرار. لاحظ ان الرواية الانجيلية في (مت ٤: ١٨ – ٢٢) عن دعوة المسيح لتلاميذه تخالف التقليد الذي أوضحناه سابقاً، فليس التلاميذ هم من تقدموا للمعلم (أو الراباي) طلباً للتلمذة، بل هو من دعاهم: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». هل هناك احتمال أنهم كانوا متقدمين بطلبات إليه من قبل كما يروي يوحنا البشير (يو ١: ٣٨ - ٤٥) وأن دعوة الرب هذه كانت بمثابة الموافقة على طلبهم؟ جايز! عموماً إجابة هكذا سؤال لا يمكن الحصول عليها بهذه السهولة، لكن على العموم، هدفنا المنشود هنا فقط هو تقدير أعمار هؤلاء الشباب طلاب العلم والتي كانت قد تخطت ١٥ سنة وقت هذه الدعوة كما أسلفنا، لكن إلى أي مدى؟ غير معروف.

٥. كان بطرس في وقت دعوة الرب له هو الوحيد الذي اشير إليه باعتباره متزوجاً (مت ٨: ١٤)، [وطبعاً استمر متزوجاً (١كو ٩: ٥)]، أي أن بطرس ربما كان الوحيد في ذلك الوقت الذي كان قد تجاوز سن الزواج (١٨ سنة)، بينما الباقون لم يكونوا بلغوها بعد.

صورة العشاء الأخير الشهيرة ويظهر فيها غالبية - إن لم يكن كل - التلاميذ كما تخيلهم الفنان رجالاً في الأربعينات والخمسينات من العمر.
خبط الحنطة - صورة العشاء الأخير وأعمار التلاميذ كما تخيلهم الفنان.

الاعتبارات التاريخية:

١. بالنظر إلى متوسط معدلات الأعمار في تلك الحقبة من القرن الأول الذي كان في حدود ٥٠ او ٦٠ سنة (هذا إذا نجا الفرد من موت الأطفال كما أشرنا في بداية المقال)، نحن نعلم أن أكبر الرسل سناً بطرس وبولس (رغم ان بولس لم يكن من الإثني عشر)، فقد عاشا حتى استشهدا في أواخر ستينيات القرن الأول على يد نيرون (التقليد يقول أن متى أيضاً استشهد في نفس العشرية)، وبعملية حسابية بسيطة لنعود إلى سنة الصلب والقيامة، نخصم حوالي ٣٥ او ٤٠ سنة فنصل الى نتيجة مفادها أن بطرس - بأي حال من الأحوال - ربما لم  يتجاوز ٢٥ سنة في توقيت الصلب والقيامة، وهذه حسبة بسيطة ومقبولة ومنطقية لأن كل التلاميذ الذين كانوا في بدايات شبابهم وقتها عاشوا تقريباً ٤٠ سنة من العمر بعد القيامة بما يكفي لنقل تعاليم يسوع وتلمذة آخرين وكتابة الأناجيل وتأسيس كنائس وخلافه. (اقرأ أيضاً: لا تستهن بالثلاثين)

٢. المشهور أيضاً هو أن يوحنا بن زبدي كان أصغر التلاميذ عمراً، ويحكي التقليد الكنسي أنه قد عاش حتى سن متقدمة جدًا فكان آخر تلميذ حي حين موته في العام 99م أي أنه عاش حوالي ٧٠ سنة بعد القيامة، فإذا كان شاباً "مراهقاً" خلال خدمة يسوع، فإن ذلك يفسر طول عمره. فلو كان مثلاً ١٧ سنة أو أقل عندما دعاه الرب ليتلمذه ثم عاش مع الرب تلميذاً أكثر قليلاً من ٣ سنوات مثل بقية التلاميذ، بهذا يكون عمر يوحنا ٢٠ سنة وقت القيامة و٩٠ سنة عندما مات، وهذا كما ترون عمر متقدم جداً.

عمر بطرس عندما تبع يسوع:

ضريبة الهيكل أو الدرهمين هي ضريبة سنوية كان يحصلها اليهود من مواطنيهم لتمويل احتياجات الهيكل، وكانت تحصل سنوياً من كل رجل بلغ سن ٢٠ عاماً فأكثر بناءً على أمر إلهي ورد في (خر ٣٠: ١٢ – ١٦). وترد حادثة ضريبة الهيكل والمعجزة المرتبطة بها في (مت ١٧: ٢٤ – ٢٧)، وقد جرت أحداثها في كفر ناحوم، وقد تساءل بعض دارسي هذه الحادثة في كلمة الله: لماذا قال الرب لبطرس: "السَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلاً خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارًا، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ"؟ (مت ١٧: ٢٧)، لماذا "عني وعنك" فقط؟ لماذا دفع الرب عن بطرس فقط ولم يُضَمِّن بقية التلاميذ في سداد الضريبة؟

وللإجابة عن هذا التساؤل فكر الشراح في عدة احتمالات، منها مثلاً:

١. أن كل شخص مطالب بدفع الضريبة في مدينته، وأن الرب وبطرس كانا كلاهما من ساكني نفس المدينة كفر ناحوم (والحادثة حصلت في كفر ناحوم بالمناسبة).

لكن هذا مردود عليه بأن أندراوس يسكن مع بطرس أخيه في نفس المدينة ونفس البيت (مر ١: ٢٩)، بل ومتى أيضاً من كفر ناحوم (مت ٩: ١، ٩)، فإن كانت الضريبة يدفعها سكان المدينة فقط، فلماذا لم يُضَمِّن الرب يسوع أندراوس – وهو أخو بطرس - معه ومع بطرس في تسديد الضريبة؟! حتى لو افترضنا أن أندراوس لم يكن حاضراً في تلك اللحظة ليطلب التسديد عنه، هذا مردود عليه بأن بطرس نفسه لم يطالب الرب بأن يسدد عنه، لكن الرب يسوع بمبادرة منه أوجد ما يسدد لكليهما (هو وبطرس).

٢. وربما قال آخر إن الإستار الذي خرج من بطن السمكة لا يكفي فقط إلا للتسديد عن إثنين فقط.

وهذا أيضاً مردود عليه: أليس من أوجد الاستار في فم السمكة كان كفيلاً بإيجاد "استارات" غيره بما يكفي للتسديد عن كل من هو مطالب بتسديد الضريبة. أليس هو الذي أشبع الآلاف بخمسة خبزات وسمكتين؟!

لكن الاحتمال الذي توصل إليه آخرون هو أن بقية التلاميذ بخلاف بطرس (على الأقل الحاضرون حينها) لم يكونوا ملزمين بتسديد ضريبة الهيكل لأنهم كانوا دون سن العشرين..

لذلك لو أخذنا بعين الاعتبار كل ما ناقشناه بعاليه من الأدلة الكتابية، والاعتبارات التاريخية والسياقات الثقافية، كل هذا سيوصلنا إلى نتيجة نستريح إليها كثيراً مفادها أنه: عندما دعا الرب تلاميذه كان جُلُّهم إن لم يكن كُلُّهم شباباً في مرحلة المراهقة المتأخرة ما بين ١٦ سنة إلى ١٨ سنة كحد أقصى، بطرس هو الوحيد الذي "ربما" كان قد تجاوز العشرين ببضعة سنوات، حتى متى الذي كان متعاوناً مع سلطات الحكومة الرومانية لا نستطيع الجزم بأنه كان أكبر منهم بفارق يستحق الذكر بناءً على كل ما تقدم. لقد كان تلاميذ يسوع شباب، بل أكثر شباباً بكثير مما صوره لنا الفنانون في ابداعاتهم الفنية على اختلاف انواعها. (لماذا لا تلقي نظرة على بقية مقالات سلسلة: معلومة أو خيال؟)

هنا يجب أن نسجل هذه السابقة، أن الرب نفسه وثق بشكل هائل في شباب هذا السن المبكر لكي يتلمذهم فيتعلموا ثم يقوموا ويفتنوا المسكونة كما اتهمهم حاسدوهم في وقت لاحق، ولا يسعنا إلا أن نقر بالدور المهم الذي يلعبه الشباب في عمل الرب في كل مكان وكل العصور.

#خبط_الحنطة

(انقر هنا لتتابعنا)

سلسلة: معلومة أو خيال متوسط عمر تلاميذ المسيح حين كان معهم
تعليقات