ملكوت السماوات؟
استخدم متَّى هذه العبارة الفريدة "ملكوت السماوات" التي تكررت في انجيله ٣١ مرة، وعندما أقول عبارة "فريدة" أقصد ان متَّى وحده استخدمها حصراً، فلم يستخدم أي كاتب يهودي قبله ولا أي كاتب آخر في العهد الجديد هذه العبارة بالتحديد أبداً، نقدر نقول انه هو من صك "ملكوت السماوات" الذي لم يسبقه إليه أحد من كتاب عصره.
لو كان يسوع قد استخدم هذه العبارة في تعليمه بالقدر الذي يستخدمها متَّى، لكان المرء يتوقع أن يجدها مرة واحدة على الأقل في مكان آخر في مرقس أو لوقا (أو حتى يوحنا). ومع ذلك، فإن الأناجيل الثلاثة الأخرى تذكر أن يسوع استخدم عبارة "ملكوت الله". في الواقع، يبدو أن متَّى يحذف "ملكوت الله" من المصادر التي يعتقد انه نقل عنها ويستبدلها بـ"ملكوت السماوات" في اثنتي عشرة مرة في روايته لأحداث موازية مذكورة في الأناجيل الموازية.
![]() |
| خبط الحنطة - تجربة يسوع في البرية |
التفسير التقليدي الشائع
التفسير الشائع لهذه الظاهرة عند متَّى والذي لجأ إليه بل وأجمع عليه كثير من المفسرين كان بالإشارة إلى ذلك التقليد اليهودي القديم في تجنب استخدام لفظ الجلالة "الله" - سواء في نسخته العبرية "يهوة" יְהוָה أو في نسخته اليونانية "ثيوس" θεός- وقد كان اليهود يتجنبون النطق بلفظ الجلالة "يهوه" تقديساً له فيستبدلونه بـ"أدوناي" أي الرب، وقد نقلت الترجمة السبعينية اليونانية نفس التقليد فكتبته "كيريوس". بناءً عليه اعتقد الكثيرون أن متَّى اتبع نفس التقليد ولكنه هذه المرة استخدم "السماء" و "السماوات" لكيلا يكتب "الله" (ثيوس θεός)، ولا يزال يتم نشر هذا التفسير في كتابات الكثيرين عن إنجيل متَّى حتى اليوم.
بعض المعضلات التي تلاقي هذا التفسير:
١. باستخدام وسائل الحصر العادية نجد أن متَّى في الواقع يستخدم لفظ الجلالة "الله" (ثيوس) ٥١ مرة!
٢. لا يوجد دليل من الكتابات المعاصرة لمتَّى في القرن الأول ولا قبله يثبت أن استخدام "السماء" للإشارة إلى "الله" كان أمراً معتاداً او أن أحداً عملها.
٣. إذا كان متَّى يتجنب "ملكوت الله" لتجنب استخدام اسم الله كما يُعتَقد، فلماذا لديه ٤ حالات مذكور فيها "ملكوت الله" نصاً في الأصل اليوناني في مت ١٢: ٢٨؛ مت ١٩: ٢٤؛ مت ٢١: ٣١، ٤٣؟ [مت ٦: ٣٣ لا يحتوي على لفظ الجلالة في النص اليوناني رغم وروده في الترجمة العربية]، وفوق هذا نجد متَّى يستخدم كلا التعبيرين "ملكوت السماوات" و"ملكوت الله" في عددين متتاليين في نفس إنجيله (١٩: ٢٣ – ٢٤) "٢٣فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ!٢٤وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!».".
هذا يثبت أن متَّى لا يبدو أنه من نوع الكتاب الذين يتجنبون ذكر لفظ الجلالة. إذن، ما هو السر في استخدام متَّى لـ "ملكوت السماوات"؟ لابد أنه جزء من موضوع أدبي أكبر ينتشر في الإنجيل.
أربعة ملامح لاستخدام متَّى للسماء
١) الاستخدام الكثيف للسماء وخصوصاً في صيغة الجمع "السماوات":
- اجمالي المرات التي تكرر فيها تعبير: "السماء" بتصريفاته المختلفة (السماء - السماوات - السماوي) ٨٢ مرة (٨٠ مرة في ترجمة فاندايك العربية). تخيل ٨٢ مرة في متَّى وحده!، لكن الملاحظ أيضاً أن ٥٥ مرة منهم ترد "السماوات" بصيغة الجمع، واستخدام السماء في صيغة الجمع لم يكن مألوفاً في عصره، حيث كان المتبع هو استخدام صيغة المفرد "السماء".
- في مقابل هذا الاستخدام الكثيف لمتَّى ستجد "السماء" في مرقس ١٨ مرة (١٩ في فانديك)، بينما في لوقا ٣٥ مرة (٣٥ في فاندايك)، ويوحنا ١٨ مرة (١٧ مرة في فاندايك).
- زد على ذلك أن ٥٨ مرة وردت "السماء" في متَّى في مناسبات ليس لها نظير في الأناجيل الأخرى. لذلك من الواضح أن متَّى له قصد معين لاستخدامه "السماء".
٢) متَّى وثنائية السماء والأرض:
يستخدم متَّى أيضًا ثنائية "السماء والأرض" في جميع أنحاء إنجيله (مت ٥: ١٨؛ مت ٦: ١٠؛ مت ١١: ٢٥؛ مت ١٦: ١٩؛ مت ١٨: ١٨-١٩؛ مت ٢٣: ٩؛ مت ٢٤: ٣٠، ٣٥؛ مت ٢٨: ١٨) - أمثلة:
- قال الرب يسوع "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ." (مت ٥: ١٨).
- في الصلاة الربانية، "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ." (مت ٦: ١٠).
- كما قال أيضاً "أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ." (مت ١١: ٢٥)
- بعد اعتراف بطرس، قال يسوع "كُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ»." (مت ١٦: ١٩).
- أمر يسوع التلاميذ، "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت ٢٣: ٩)..
- وينتهي الكتاب بـ "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (مت ٢٨: ١٨).
هذه مجرد لمحة سريعة عن مدى انتشار ثنائية السماء/الأرض في الإنجيل.
٣) تكرار تعبيرات "الأب الذي في السماوات"، و"الأب السماوي"
أ. يستخدم متَّى عبارة "الآب الذي في السماوات" ١٥ مرة (مت ٥: ١٦، ٤٥، ٤٨؛ مت ٦: ٩؛ مت ٧: ١١، ٢١؛ مت ١٠: ٣٢-٣٣؛ مت ١٢: ٥٠؛ مت ١٦: ١٧؛ مت ١٨: ١٠، ١٤، ١٩، مت ٢٣: ٩).
ب. يستخدم الإنجيل أيضًا "الآب السماوي" ٥ مرات (مت ٦: ١٤، ٢٦، ٣٢؛ مت ١٥: ١٣؛ مت ١٨: ٣٥).
٤) تعبير "ملكوت السماوات":
والذي ورد ٣١ مرة في إنجيل متَّى وحده دون غيره كما ذكرنا.
يقدم إنجيل متَّى الأرض على أنها في مملكة الشيطان والسماء على أنها مملكة الآب، في مقابل الآب السماوي ومملكته تبدو الأرض كأنها تحت سلطان الشيطان. أنظر في قصة التجربة في البرية وكيف يعرض الشيطان على الرب يسوع "جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا" (مت ٤: ٨). كيف يجرؤ الشيطان على تقديم ممالك العالم ليسوع ما لم يكن مسيطراً عليها بالفعل؟
(انقر هنا لتتابعنا)
الحبكة المحورية لإنجيل متَّى
مملكتان متعارضتان. إحداهما تعمل وفقًا لمشيئة الآب في السماء. والأخرى تعمل وفقًا للشيطان والحكمة الأرضية. وفي هذا السياق يسأل الإنجيل القراء في عصر تدوين الإنجيل كما يسألنا الآن: "هل أنت مع ملكوت الله الذي يعمل وفقًا للمشيئة الإلهية السماوية أم أنك تتصرف وفقًا لقيم سلطان الشيطان؟"
(اقرأ أيضاً: أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره)
أمثلة:
١. رواية تجربة البرية في مت ٤: ١-١١ مهمة جدًا. في هذا المقطع تتصادم المملكتان مع بعضهما البعض بشكل مباشر. إنها معركة ملكية، ملكوت الله الذي دشنه يسوع يتعارض بشكل مباشر مع ملكوت الشيطان. في النهاية، ينتصر يسوع وملكوت الله يهزم الشيطان. وعلى الرغم من أن الشيطان قد خسر هذا الصراع المباشر، إلا أنه يواصل مهاجمة يسوع ولكن بشكل غير مباشر.
٢. بعد أن تنبأ الرب يسوع لتلاميذه بآلامه الوشيكة وموته، يحاول بطرس منعه من الذهاب إلى الصليب: "حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!" (مت ١٦: ٢٢). فيجيبه الرب "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ" (مت ١٦: ٢٣). كلام صعب، مش كده؟ ولكن السبب واضح وهو أن الشيطان يحاول تحقيق هدفه المتمثل في إحباط مهمة ملكوت الله من خلال أحد تلاميذ يسوع أنفسهم. الشيطان يجرب يسوع مرة أخرى، ولكن هذه المرة بالوكالة. حتى التلاميذ تصرفوا أحياناً وفقًا لمجموعة القيم الدنيوية الخاطئة لمملكة ابليس بدلاً من الملكوت السماوي الذي جلبه يسوع (قارن مت ١٨: ١-٤؛ مت ١٩: ١٣-١٥).
٣. يبدو أيضًا أن القادة اليهود كانوا ينفذون مهمة الشيطان. فكما نرى في الأصحاح ٤ كيف جاء الشيطان "ليجرب" يسوع في البرية، نرى في مرات تالية كيف استخدمت كلمة "التجربة" نفسها عدة مرات للإشارة إلى القادة اليهود الذين "يجربون" الرب يسوع (مت ١٦: ١؛ مت ١٩: ٣؛ مت ٢٢: ١٨، ٣٥). وكما أطلق تعبير "الشرير" على الشيطان (مت ١٣: ١٩، ٣٨)، كذلك أيضاً وفي عدة مرات يسمى قادة اليهود "أشراراً" أو يفكرون "بالشر" (مت ٩: ٤؛ مت ١٢: ٣٤، ٣٩، ٤٥؛ مت ١٦: ٤؛ مت ٢٢: ١٨). وهكذا، كما كانت معركة ملكية في (مت ٤: ١-١١) نرى هذه المعركة تستمر بطول الإنجيل كله إذ يواصل الشيطان مهاجمة يسوع في محاولة لإحباط الخطة السماوية. (ممكن تقرأ أيضاً: تجربة وتجربة)
٤. كل ما تقدم يعطينا رؤية كاشفة حول سبب كون التجديف على الروح القدس جريمة خطيرة في سياق هذا الصراع بين المملكتين (قارن مت ١٢: ٢٢-٣٢)، انظر كيف يتهم الفريسيون يسوع بإخراج الشياطين بقوة بعلزبول (رئيس الشياطين). لقد مثل سكنى الأرواح الشريرة واقعاً قوياً ومؤلماً ثم أتي ملكوت الله الذي أحضره ودشنه الرب يسوع ليطرد ويهزم تأثير وسلطان الشيطان على الأرض، لكننا في قلب هذه الأحداث نرى المفارقة الساخرة حيث يصبح يسوع متهماً بإخراج شياطين الشيطان بقوة الشيطان، الأمر الذي تطلب من الرب يسوع القول: "إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ!" (مت ١٢: ٢٨)، لأنه في سياق هذا الصراع بين المملكتين، ملكوت الله لا يدعم سلطان الشيطان على الأرض بل يهزمه ويطرده، وإذا كان الشيطان يُطرد، فهذا دليل على أن ملكوت الله قد أقبل علينا.
(*) هذا ملخص لرؤية د. جوناثان بننجتون: آمل أن يكون هذا العرض كافياً عما يحدث في إنجيل متَّى. فمتَّى لا يستخدم "ملكوت السماوات" لتجنب استخدام لفظ الجلالة "الله". بل يستخدم العبارة في سياق موضوع أشمل ومقصود ويستمر بطول إنجيله كله، هذا الموضوع عنوانه "السماء والأرض"، ورؤية متَّى النهائية هي "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ." (مت ٦: ١٠). ونحن كتلاميذ هذا العصر الحاضر مازال رجاؤنا هو رجاء تلاميذ الكنيسة الأولى، أن يستمر ملكوت الله في التغلب على ممالك العالم حتى نعيش بالكامل في ملكوت السماوات. هل تتفق معي أنه رجاء مبارك وجميل؟؟!!!
#خبط_الحنطة

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..