-->

لماذا نحتاج لتفسير الكتاب المقدس؟ (عرض مقال*)

هل الكتاب المقدس يحتاج تفسير؟ ألا يمكننا ببساطة أن نقبل ما يقوله الكتاب المقدس كما هو؟ أليس واضحاً بما فيه الكفاية؟ هل نحتاج حقاً إلى آخرين لمساعدتنا في تفسير الكتاب المقدس؟ هذه الأسئلة ترد على أذهان البعض ويطرحوها متسائلين، البعض منهم – في الغالب من الملحدين - يكونون مدفوعين بسوء نية مبيت يقصدون بأسئلتهم هذه تجريد النصوص الكتابية من معانيها المستقرة ليأخذوها هم في الاتجاه الذي يرغبون فيه، وقد يكون هدفهم هو الطعن في مرجعية "معاني" النص الكتابي معتبرين إياها خرافات متناقلة عبر القرون ويجب تجريد "صريح النص" منها، أي أن لسان حال هؤلاء يقول: "لماذا نُحَمِّل النص الكتابي بتفسيرات بينما يمكننا قراءته كما هو لنفهمه كما هو؟!!"

صورة الكتاب المقدس باللغة العبرية وعدسة فاحصة تمر فوقه لتكبير وفرز النص
خبط الحنطة - تفسير الكتاب المقدس

تحديات فهم الكتاب المقدس

لكن من يهمنا بالأكثر هو حَسَن النية الذي يعبر عن اهتمامه بتفسير الكتاب المقدس ويزعجه وجود العديد من الكنائس المختلفة والتفسيرات المتنوعة لكل كنيسة على حدة، وصديقنا هذا يريد أن يعرف لماذا نحتاج إلى شخص يفسر لنا كلمة الله. مثل هذا الصديق لسان حاله يقول: "يبدو لي أن كلمة الله، إرادة الله، يمكن أن تُفهم بدقة بشكل غريزي، بديهياً وبدون إعمال تفكير، وذلك من خلال "الصوت الداخلي" الناتج عن معرفتي بالله وعلاقتي به. بمعنى آخر: أنا أؤمن أن الله قادر على صنع المعجزات، ألا يمكنه صنع هكذا معجزة؟ أي أن الشخص المؤمن ممكن يختبر معاني كلمة الله الحقيقية ويعرفها ويدركها ويفهمها دون الحاجة إلى شخص آخر ليساعده أو يفسر له. فلماذا لا ارى هذه المعجزة إذاً؟ لماذا يوجد في العالم - وهل نحتاج - أناسٌ يرون أنفسهم مفسرين لكلمة الله؟"

وبصراحة، هذا النوع من التساؤل مشروع ويستحق الاستكشاف. كلنا نعلم أنه منذ القرن السادس عشر - وتحت شعار الكتاب المقدس وحده (Sola Scriptora) – كان من أهم أهداف الإصلاح ألا يعود الأفراد في حاجة إلى وسيط بينهم وبين الله، وأيضاً لم يعودوا مضطرين للاعتماد على تفسير الكنيسة للكتاب المقدس. لقد أصبح كل فرد قادراً على قراءة كلمة الله بنفسه ويترك المجال لله ليتحدث إليه، وحفز هذا الإيمان جهود ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات القومية للشعوب في جميع أنحاء أوروبا (لم يكن الكتاب يقرأ إلا باللاتينية وفي الكنائس فقط). لكن مع هذا كان المصلحون أنفسهم على دراية بأن ليس كل ما في الكتاب المقدس هو بنفس القدر من الوضوح، ولذلك، سواء كنا نتحدث عن لوثر أو كالفن أو زوينجلي أو غيرهم، فقد اقترب هؤلاء الرجال للنص الكتابي "بمبادئ تفسيرية" معينة، كما كانوا جميعاً على دراية باللغات الأصلية التي كُتب بها الكتاب المقدس.

الكتاب المقدس نفسه يُعلِّمنا أن نبحث عن المساعدة

نحن نتعلم من الكتاب نفسه أننا بحاجة إلى آخرين لمساعدتنا على فهم رسالته بشكل صحيح:

+ تلاميذ يسوع احتاجوا إلى إرشاده لفهم معاني المكتوب، فبعد أن ظهر يسوع للتلميذين على طريق عمواس وشرح لهما، نجدهما لاحقاً يقولان لبعضهما: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِباً فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟» (لو ٢٤: ٣٢). ثم يظهر يسوع لتلاميذه في العلية ويتحدث معهم عن ضرورة تحقيق ما كُتب عنه في ناموس موسى والأنبياء والمزامير (أي العهد القديم). ثم يأتي الخبر التالي: "حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ." (لو ٢٤: ٤٤-٤٥).

+ بعد تأسيس الكنيسة، يذكر سفر أعمال الرسل حادثة فيلبس الشهيرة، حيث يأخذ الروح فيلبس (الشماس والمبشر في الكنيسة الأولى) إلى خصي حبشي يركب مركبته ويقرأ سفر إشعياء، فيسأله فيلبس: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فيجيبه الخصي: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟» (أع ٨: ٣٠-٣١).

عموماً، موضوع الاحتياج إلى تفسيرات ومفسرين هو موضوع يستحق أن يُكتب فيه كتب كاملة، لكننا سنكتفي فيما يلي بتقديم بعض الجوانب المهمة التي تستحق الالتفات.

أي عملية تواصل تتطلب تفسيراً

عندما نقرأ رسائل البريد الإلكتروني المرسلة من أحدنا للآخر نحن في الواقع نفسر ما يقوله صاحب الرسالة. أحياناً نفهم الرسالة بدقة لكن وارد أيضاً أن نُسيء فهم ما نقرأ.

عملية التواصل هذه (من خلال الايميل او غيره) أهم ما يُساعد فيها:

١. استخدام لغة واحدة مشتركة.

٢. الانتماء إلى خلفية ثقافية مشتركة.

رسم تعبيري عن رجل وامرأة يتبادلان الأفكار من خلال عقليهما المفتوحين
خبط الحنطة - حتى عمليات التواصل الشخصي تتطلب تفسيراً.

ومع ذلك، كل هذا يمكن أن يضيع بسبب أن التواصل يتم "بالقراءة والكتابة" فلا نستطيع رؤية تعبيرات الوجه أو إشارات اليد أو سماع نبرة الصوت، وعلينا أن "نستنتج' من الكلمات "المكتوبة" ما إذا كان المكتوب أمامنا يحمل نبرة طيبة أو ساخرة أو نبرة آمرة مثلاً. عملية الاستنتاج هذه هي "التفسير". حتى مع أفضل النوايا، قد يُسيء أحدنا فهم الآخر، لكن من خلال التواصل والاستفسار والأخذ والرد نصل إلى تفسير دقيق لما يعنيه الآخر.

وبما أن الكتاب المقدس وثيقة مكتوبة، فإن هذا يجعل التفسير ضرورياً ولا غنى عنه.

أهمية اللغة والثقافة في تفسير الكتاب المقدس

إذا قال الأمريكي "100 bucks" ، قد يظن الانجليزي أنه يتحدث عن ١٠٠ من ذكور الغزلان، بينما يكون قصد الأمريكي في الحقيقة هو "١٠٠ دولار".

ويستخدم الإنجليز التعبير "bonnet" عند الحديث عن غطاء محرك السيارة ("الكبُّوت" في اللهجة المصرية)، بينما الأمريكان لا يستخدمون نفس الكلمة إلا في التعبير عن غطاء الرأس.

 (انقر هنا لتتابعنا)

والمفتاح الوحيد لتفسير وفهم التعبيرات اللغوية المختلفة هو السياق الذي تُذكر فيه هذه الكلمات.

كلمة "كثير" وما يقابلها في 4 لهجات عربية مختلفة
خبط الحنطة - نحتاج مقالات لحصر الكلمات المتقابلة في اللهجات العربية المختلفة

ومن جهة الثقافة أيضاً، طريقة استخدام الكلمات تُحدث فارقاً ضخماً، فلكل ثقافة تعبيرات اصطلاحية قد لا تُفهم في لغة أو ثقافة أخرى حتى لو كانت تتحدث نفس اللغة. كل هذا يتطلب تفسيراً – أحياناً بوعي، وأحياناً دون وعي (يمكننا هنا الإشارة إلى عشرات أو مئات الكلمات ذات الأصل الفرعوني في اللهجة المصرية، وذات الأصل السرياني في لهجات دول الهلال الخصيب).

(لماذا خبط الحنطة؟)

الكتاب المقدس كُتب بلغة وثقافة وزمن مختلف

هذا عامل ثالث إضافي يدخل عند تعاملنا مع الكتاب المقدس، عامل قد لا يكون ذا تأثير ملموس في التواصل العادي الذي تحدثنا عنه، هذا العامل هو عامل الزمن، فنحن مع الكتاب المقدس نتعامل مع وثيقة كُتبت:

بلغة(١) أخرى  -  في ثقافة(٢) أخرى  - وفي زمن بعيد(٣)

هذه العوامل الثلاثة تشكل تحديات تفسيرية. إن كنت لا تقرأ العبرية أو اليونانية التي هي اللغات التي كُتِب بها النص الأصلي للكتاب المقدس، هذا معناه أن ما تقرأه إنما هو ترجمة عربية أو انجليزية أو فرنسية أو قبطية أو لاتينية.... الخ، هذا تلقائياً يعني أنك تقرأ تفسيراً للكتاب المقدس، فالترجمة تشمل تفسير بدون أدنى شك حيث أنه لا توجد ترجمة حرفية بين اللغات وبعضها.

بعض الكلمات في لغة ما قد يوجد لها عدة نظائر في لغة أخرى، والعكس أيضاً صحيح. مثلاً، اليونانية تحتوي على ثلاث كلمات تعبر عن الحب، بينما لدينا كلمة واحدة في الإنجليزية، وبعض التعابير العبرية أو اليونانية لا تعني شيئاً في اللغة التي نقرأها، لذلك على المترجم نقل "المعنى" وليس "الحرف"، وهذا يعني أن المترجم يقوم بتفسير النص عند نقله إلى اللغة التي يترجم لها. فالعلاقة بين تفسير الكتاب المقدس والترجمة علاقة وثيقة ولا يمكن تجاهلها.

مثلاً: في (١صم ١: ٥) يقول النص العبري أن ألقانة أعطى لزوجته حنّة "نصيب" "אַף"(af)، وهذه الكلمة معناها المفرد "أنف" (كما أنها أيضاً تُرجمت لمعاني مختلفة مثل "غضب، طويل الروح، بطيء الغضب، وجه أو وجوه، أمام، في أنف...)، فإذا تعاملنا مع الكلمة حرفياً "نصيب أنف" تكون العبارة لا معنى لها، بينما يعتقد أن المعنى المقصود هنا "نصيباً مضاعفاً" ("نَصِيبَ اثْنَيْنِ" في ترجمة فان دايك).

أيضاً سفر التكوين هو مثال ممتاز لأهمية التفسير، نجد الآية الثانية منه مثار جدل بين الترجمات: هل "روح الله" يرف على وجه المياه؟ أم "ريح عظيمة" تهب؟ الكلمة العبرية المترجمة "روح" يمكن أن تعني كليهما، والكلمة المترجمة "الله" يمكن أن تعني "عظيم" أيضاً. لذا تجد بعض الترجمات تختار "روح الله" وأخرى تختار "ريح عظيمة". وهكذا نبدأ "التفسير" من أول آيات من أول أصحاح في اول سفر في الكتاب المقدس. 

خطأ تفسيري شائع: إسقاط أسئلتنا الحديثة على النصوص القديمة

وهو خطأ يقع فيه كثيرون حيث تجد البعض – مثلاً - يقرأون (التكوين١) لمحاولة الرد على نظرية التطور أو الانفجار العظيم، رغم أن النص لم يُكتب لهذا الغرض، وبالتأكيد لم يكن داروين في ذهن الكاتب!. (اقرأ أيضاً: سفر التكوين.. دعهم هم ينشغلون)

مخطوطات من لفائف البحر الميت معلقة ليمكن قراءتها.
خبط الحنطة - لفائف البحر الميت هي أقدم وثائق تحوي نصوص العهد القديم

أهمية معرفة النوع الأدبي للنص (Genre)

سنة ١٩٣٩ تم تقديم كتاب هـ. ج. ويلز "حرب العوالم" في الإذاعة في شكل نشرة أخبار، من حضر افتتاحية البرنامج كان يدرك أن كتاب ويلز يتم تقديمه في صورة درامية، لكن من بدأوا الاستماع الى البرنامج متأخراً قليلاً أساؤوا فهم نوع النص وظنوا أن غزواً فعلياً من المريخ يحدث، فعم الرعب والفوضى العديد من المدن بطول أمريكا وعرضها. لا تنس أن الرسالة العاطفية تُقرأ بشكل مختلف عن دليل الهاتف، ونقرأ الرواية بشكل مختلف عن القصيدة الشعرية، وهكذا. كذلك عندما نرغب في فهم الكتاب المقدس. يجب أن نُدرك نوع النص الذي نتعامل معه (الكتاب المقدس يحتوي على عدة أنواع من النصوص وليس نوعاً واحداً)، فإذا لم نفعل فسنقع في الخطأ الذي وقع فيه أولئك الأمريكان. كلنا نقترب من النصوص المكتوبة (أي نصوص) واضعين في اعتبارنا افتراضات مسبقة، وتفسيرنا للنص ينتج عن تلك الافتراضات المسبقة، لذلك، علينا أن نسأل أنفسنا أولاً: ما هو نوع النص الذي نقرأه؟ لأن هذا مفتاح أساسي للتفسير الصحيح للكتاب المقدس (اقرأ أيضاً: العهد الجديد بين الكتابة والتسليم)

الخلاصة

حقيقة أن هناك اختلافات بين الكنائس والأشخاص في فهم الكتاب أو بعض فقراته هو مثال واضح على:

    ١. أن هناك أموراً في الكتاب لا تفهم بمجرد قراءة كلمات النص المباشرة، بل تحتاج إلى دراسة أعمق بسبب الفروقات الزمنية والثقافية واللغوية.

  ٢. أن البعض لا يتبع قواعد التفسير الصحيحة، فيُحرِّفون المعنى.

    ٣. نعم، أؤمن أن الله يتحدث إلينا، ولكن غالباً يحدث هذا عندما نبذل جهداً لفهم كلمته، فالاعتماد فقط على "الصوت الداخلي" أمر خطير لأنه قد يقودنا إلى تفسيرات ذاتية متناقضة.

   ٤. أي شخص يدرس اللغة والثقافة والسياق الزمني للنص لديه فرص أكبر للوصول إلى التفسير الصحيح، ومن يُكرّس وقتاً لفهم الكتاب يبرهن بشكل عملي أنه يقدّره. لذلك ندرك أهمية اللغة والثقافة في تفسير الكتاب المقدس إذا أردنا أن نفهم الكلام كما قصده الله حقًا.

على كل حال، وتحت كل الظروف.. ليكن الكتاب المقدس غذاؤنا، وليكن نداؤنا في كل حين: "لنحيا بالكلمة".

 (انقر هنا لتتابعنا)

(*) ترجمة بتصرف لمقال "راندي ماكراكين" بعنوان Why Do We Have To Interpret the Bible.

تعليقات