-->

إيمان وإيمان

 اقرأ: دا ٦: ١ –٢٤

معلومة تاريخية: بدأ حكم داريوس المادي بعد سقوط بابل في ٥٣٩ ق.م.، هذا يعني ان دانيال كان عمره ٨٢ سنة كحد أدنى، عند تولي داريوس الحكم واسناده الوزارة لدانيال. 

رسم تعبيري عن شخص يقف متجهاً بنظره إلى طريق يواجهه مليء بالحواجز، بينما ظهره جهة المشاهد.
خبط الحنطة - إيمان وإيمان

+ إيمان داريوس:

تعالوا نلاحظ لمحات الايمان في كلمات داريوس:

"أجابَ المَلِكُ وقالَ لدانيآلَ: «إنَّ إلهَكَ الّذي تعبُدُهُ دائمًا هو يُنَجّيكَ»." (دا ٦ : ١٦)

"فلَمّا اقتَرَبَ إلَى الجُبِّ نادَى دانيآلَ بصوتٍ أسيفٍ. أجابَ المَلِكُ وقالَ لدانيآلَ: «يا دانيآلُ عَبدَ اللهِ الحَيِّ، هل إلهُكَ الّذي تعبُدُهُ دائمًا قدرَ علَى أنْ يُنَجّيَكَ مِنَ الأُسودِ؟»" (دا ٦ : ٢٠)

- لاحظ نوعية الإيمان هذا الذي كان عند داريوس. هو مجرد ايمان معرفة. انتج عنده تعاطفاً، وربما أمِل داريوس أن ينقذ الله دانيال عبده من الموت، لكن هذا الايمان نفسه لم يدفع داريوس لأن يتنازل عن كبريائه وينقذ موظفاً حكومياً مهماً بالنسبة له وللدولة، وثق فيه وأسند إليه مهام جليلة.

- لاحظ الكبرياء الذي كان متغلغلاً في ذهن وكيان داريوس، وربما هذا ما أبطل أي مفعول للإيمان الذي عبر على ذهن داريوس، حيث  لعب رجال القصر على كبرياء داريوس لتدبير مكيدتهم، وهذا الكبرياء هو الفخ الذي يصطاد به العالم وعدو الخير كل من هم في متناول ايديهم.

+ إيمان دانيال:

لاحظ نوعية الايمان الذي كان عند دانيال:

- هو نفس هذا الإيمان الذي صاحبه منذ أن كان مراهقاً، ولكن رغم صغر سنه "جَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ." (دا ١: ٨).

- هو نفس الإيمان الذي صاحبه رجلاً ناضجاً يواجه ملكاً هو الاعظم في عصره قائلاً: "لذلكَ أيُّها المَلِكُ، فلتَكُنْ مَشورَتي مَقبولَةً لَدَيكَ، وفارِقْ خطاياكَ بالبِرِّ وآثامَكَ بالرَّحمَةِ للمَساكينِ، لَعَلَّهُ يُطالُ اطمِئنانُكَ»." (دا ٤ : ٢٧)

- هو نفسه الايمان الذي رافقه شيخاً فيرفض عطايا بيلشاصر الملك "وَقَالَ قُدَّامَ الْمَلِكِ: «لِتَكُنْ عَطَايَاكَ لِنَفْسِكَ وَهَبْ هِبَاتِكَ لِغَيْرِي." (دا ٥: ١٧).

- وهو نفس الايمان الذي بسبب تمسكه به، وبعد شهور من حادثة بيلشاصر السابقة، نجده هنا في حادثتنا هذه "لَمَّا عَلِمَ... بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمَدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ." (دا ٦: ١٠).

 (انقر هنا لتتابعنا)

+ الإيمان العامل

لقد كانت حياة دانيال هذا شاهدة شهادة عملية عن إيمانه... الذي هو نفس الايمان العملي الذي أصر عليه الرسول يعقوب في رسالته، الايمان الذي ينتج => "دوافع" يخرج منها=> "قرارات" وقد تكون هذه القرارات مصيرية، بالإضافة إلى أعمال قوية لا يمكن تصدر إلا ممن يؤمن إيماناً حقيقياً، ومترسخ فيه هذا الايمان بحيث يخرج هذه القرارات وينفذ هذه الأعمال.

- أنظر كيف أن "إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي." (عب ١١: ٨). و"قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ" (يع ٢: ٢١).

- وانظر كيف أن "رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ." (عب ١١: ٣١)، والرسول يعقوب يستشهد بها أيضاً – كما بإبراهيم أيضاً - حيث وضعت حياتها على كفها في موضوع لا يحتمل الخطأ إذ "قَبِلَتِ الرُّسُلَ وَأَخْرَجَتْهُمْ فِي طَرِيق آخَرَ" (يع ٢: ٢٥).

لأجل ذلك ميز الرسول يعقوب بين الإيمان الذي هو مجرد أصوات تخرج من حناجر، وذلك الذي يثمر قرارات واعمال تتحدث عن أصالته بشكل لا يقبل أي شك.

لأجل ذلك، حذاري حذاري! فقد تكون ممن يمطرونا بسيل من الايات الكتابية والترانيم والعظات في كل منشور من منشوراتك، وقد تكون مستخدماً للوسائط الروحية كتعويذة حماية او سعياً وراء بركات لاحتياجات اليوم او غدٍ، أو سعياً خلف استحسان الناس ومدحهم، لكن عند الجد يتبين ان هذه كلها مظاهر ايمان يفتقد الجوهر، والذي ينفضح أمام "هُمومُ هذا العالَمِ وغُرورُ الغِنَى وشَهَواتُ سائرِ الأشياءِ" (مر ٤ : ١٩)، فيتبين انه بلا ثمر، ايمان ميت اجوف فارغ بلا أي معنى حقيقي.

#خبط_الحنطة

تعليقات