-->

من الخمسين إلى السابع (١٠): المصادر التاريخية لعصر قسطنطين.

بين السطور أم في السطور؟ حقيقة مصادر عصر قسطنطين

عندما يأتي ذكر تاريخ الامبراطور الروماني قسطنطين الكبير، بسياسات عصره وبما يشمل الكنيسة والأحداث المتصلة بها، والجدل الأريوسي (بدعة أريوس)، ومجمع نيقية. عندها، من يقرأ لأحد أصدقائنا الليبرال أو من يصعدون على أكتافهم سواء من الملحدين أو من تلك التيارات التي تدفعها أهواء الرغبة في التقليل من صورة الإيمان المسيحي، أقول عندما يتحدث هؤلاء في الموضوع وتقرأ تلك الثقة الغريبة التي يتحدثون بها عن الرجل، يراودك الإحساس وكأن عندهم مصادرهم التاريخية التي "تناقض" ما نعرفه، و"تفضح" الرجل و"تعري" الكنيسة وتكشف "زيف" تاريخ  الكنيسة الكلاسيكي المألوف لنا جميعاً، لكن المفاجأة الصادمة تأتي عندما نكتشف أن كل عصر قسطنطين بكل ما حوى لم يكتبه إلا مؤرخو الكنيسة ولا أحد غيرهم، وان جُلَّ معلوماتنا عن قسطنطين بما له وما عليه هو ما روته الكنيسة ورجالاتها، أما كل ما كتب بعدهم، وكل من نظّر محاولاً استقراء أو وضع صورة مخالفة، كل هذا ليس إلا محاولات لقراءة ما بين المعلوم من السطور، أو فلنقُل هو "استنطاق" للسطور حتى بما لم تقله فعلاً... لأن المفاجأة تكمن في طبيعة المصادر الأولية التي يعتمد عليها الجميع – حتى المنتقدون.

يدٌ كاتبة تمسك بريشة الكاتب التاريخية وتكتب على أوراق قديمة موضوعة على طاولة خشبية عتيقة
خبط الحنطة - كتابة التاريخ والمصادر التاريخية لعصر قسطنطين

أنواع المصادر التاريخية

حسب معلوماتي المتواضعة، يقسم دارسو التاريخ المصادر التي يستمدون منها المعرفة بالأحداث إلى نوعين من المصادر: المصادر الأولية Primary Sources- المصادر الثانوية Secondary Sources.

+ المصادر الأولية: من يوسابيوس إلى أثناسيوس.. شهود العصر نفسه

المصادر الأولية هي مصادر يكون تاريخها معاصراً للأحداث المؤرَّخ لها، ممكن آثار من أي نوع (حفريات أو نقوش أو ما شابه) تنتمي لنفس العصر، وممكن كتابات (كتب أو مراسالات) لأشخاص عاصروا الأحداث وربما اشتركوا فيها. وفي حالتنا هذه (أي الجدل الأريوسي)، عندنا عدد لا بأس به من كتابات شخصيات شاركت بشكل فاعل في الأحداث:

- يوسابيوس القيصري

مؤرخ ومدافع عن الإيمان المسيحي، اختلف من جاؤوا بعده في تقييم أعماله وفي أسلوب ومدى دقة كتاباته، لكن لا يمكن تجاهل يوسابيوس – حتى ممن انتقدوه - بأي حال من الأحوال، لأن الرجل كتب كتابين من أهم الكتب التي نقلت إلينا تاريخ تلك الفترة:

"تاريخ الكنيسة": والذي ينتهي عند أحداث العام 324م (لذلك لا يعتبر من المصادر التاريخية لمجمع نيقية والجدل الأريوسي).

"حياة قسطنطين": وهذا ما حوى – ضمن ما حوى – تفاصيل الجدل الأريوسي، ومجمع نيقية، وما تلا ذلك المجمع من أحداث ومراسلات حتى تاريخ وفاة قسطنطين في العام 337م.

- أثناسيوس الرسولي

رغم ان كتاباته تميزت بالتركيز على العمق اللاهوتي، لكنها حوت تفنيداً للأفكار الرئيسية لهرطقة أريوس، كما ألمح إلى الأحداث والجدالات التي حدثت في نيقية وما قبلها وبعدها.

- ألكسندروس السكندري:

حيث وصلنا بعض مراسلاته التي ضمت أفكار أريوس والرد عليها، وضمت أيضاً إشارات لشخصيات كان لها مواقف مع أو ضد أريوس أثناء الأزمة. ورغم أن الرجل كان أسقف الأسكندرية أثناء انعقاد المجمع، إلا أن أثناسيوس، الذي كان تلميذه ومساعده كان أحد الشخصيات الرئيسية في مناقشات نيقية، وقد تولى مسؤولية كنيسة الأسكندرية بعده، أثناسيوس هذا كتاباته هي الأكثر غزارة ووفرة مما يضعها في موقع الأولوية قبل كتابات ألكسندروس نفسه.

- يوستاثيوس الأنطاكي:

واحد من كبار المشاركين في نيقية، وما كتبه وصلنا من خلال مؤرخ لاحق (ثيودوريت).

- رسائل قسطنطين نفسه:

تتوافر مجموعة كبيرة من الرسائل التي أرسلها الامبراطور قسطنطين (بعضها بخط يده) قبل وبعد انعقاد المجمع مما يلقي كثير من الضوء على شخصية الرجل وفكره ونظرته لمن يحيط به من البشر وطريقة معالجته للأمور سواء الفكري منها أو ما يدخل في مجال ممارسة الحكم.

+ المصادر الثانوية: سقراط وسوزومن لم يجدا سوى الرواية الكنسية الأصلية.

المصادر الثانوية هي كتابات لمؤرخين لاحقين في القرن الخامس (بعضهم ولد في الربع الأخير من القرن الرابع)، حيث استقوا معلوماتهم مما توفر لهم من كتابات سابقيهم مع ما أضيف لمعارفهم من مراسلات معاصرة لهم أو بالتقليد الشفاهي، أهمهم:

- سقراط سكولاستكوس أو سقراط القسطنطيني (380 - 450م)

هو أول مؤرخ للكنيسة من عامة الناس (أي من خارج الاكليروس)، كتب "تاريخ الكنيسة"، والذي غطى فيه عهود الأباطرة بدئاً من قسطنطين الأول حتى ثيودوسيوس الثاني (أي الفترة من 305 – 450م)، واعتمد في جزء منه على كتابات يوسابيوس القيصري، لكنه استعان بكتابات ورسائل الأباطرة والأساقفة اللاحقين (مثل اثناسيوس في تأريخه للجدل الأريوسي).

- سوزومن Sozomen القسطنطيني (380 – 450م)

محامي ومؤرخ من عامة الناس أيضاً، اهتم بأسلوب الكتابة الذي يقربه لعامة الناس، حيث لم يركز كثيراً على الأفكار اللاهوتية مثل معاصره سقراط.

- ثيودوريت القورشي Theodorit of Cyrrhus (٣٩٣ - ٤٦٦م)

أسقف مدينة اسمها قوروش (موقعها الحالي في شمال سوريا أو ربما في جنوب تركيا). لاهوتي ومؤرخ ولد في انطاكية، اتهمته كنيسة الأسكندرية بالنسطورية (في مجمع أفسس الثاني ٤٤٩م)، ورغم أن مجمع خلقدونية برأه من هذه التهمة لكن ما يزال يثور جدال بخصوصه وهل كان فعلاً نسطورياً أم لا. كل ما يهمنا هو ما وصلنا مما كتب من تاريخ يخص حقبة الجدل الأريوسي.

حقيقي لا أعرف من أين أتى حبايبنا أعداء كنيسة المسيح بهذه الثقة الغريبة في ادعاءاتهم؟ وسأفترض - مع حسن النية  - أنها فقط قراءة لما بين السطور، لكن واقع السطور نفسها يصرخ بصوت عالي جداً بشكل يناقض تماماً ما ذهبوا أو يحاولون الذهاب إليه، وليس لديهم مفر من التسليم بها إن أرادوا موضوعيةً وإنصافاً.

إن لم تكن قرأت، انقر لتقرأ قسطنطين في نيقية، ما له وما عليه.، كما يمكنك أن  تقرأ السلسلة من الاول.

 #خبط_الحنطة 

سلسلة: من الخمسين إلى السابع - رحلة في تاريخ الكنيسة المصادر التاريخية لعصر قسطنطين (١٠)
تعليقات