توجد مشكلة مفاهيم يواجهها بعض المؤمنين، ربما يكون أحد أسبابها لغوياً، ففي اللغة العربية نستخدم نفس اللفظ في حالتين مختلفتين تماماً، وفي الحالتين نقول "ميلاد" أو "ولادة"، بينما في اللغة الإنجليزية مثلاً نستخدم لفظين مختلفين Birth وBegetting، مما يساعد قارئ الانجليزية – على الأقل - أن يتحسس أن هناك فارقاً بين الإثنين. والمصطلحات اللاهوتية دقيقة جداً وتحمل معاني محددة، ونخطئ خطأً فادحاً عندما نتعامل معها بمثل هذه الخفة او الجهل، لذلك كان ولا يزال وسيظل التعليم الكتابي في الكنيسة مهماً جداً لكل الفئات العمرية على حسب تطورها، ولكل الفئات الاجتماعية وامكانيات الوعي والقدرات المختلفة على الاستيعاب، هذا مع الاهتمام بتبسيط التعليم ليمكن توصيله - تحت كل الظروف - حتى للأقل ثقافة وعلماً، وللأضعف من حيث الفكر والقدرات الذهنية.... تعالوا نشوف!!
![]() |
| خبط الحنطة - الكلمة لوجوس المعبرة عن الابن الأزلي |
"مولود غير مخلوق".. بين الفهم الشائع والمعنى المقصود
لعل أكثر التعبيرات التي تجسد الخلط هو العبارة الشهيرة في قانون الإيمان النيقاوي: "مولود غير مخلوق"، التي رغم أنها أكثر التعبيرات التي تتردد على ألسنة عموم المسيحيين - في الشرق تحديداً - لكنها أيضاً من أكثرها تعرضاً لسوء الفهم، حيث تحتاج لإدراك أكثر لعمق معناها، وأظن ان هناك خلطاً لا شك فيه، حاصل في اذهان الكثيرين بين الميلاد العذراوي الذي حصل في ملء الزمان بالتجسد، وبين هذه الولادة الازلية التي عبر عنها قانون الايمان مستخدماً هذا التعبير.
لماذا الحديث عن أبوة وبنوة في اللاهوت؟
سؤال يفرض نفسه، إن كان هذا الشأن خاص باللاهوت، فلماذا إذن كان من الضروري الحديث آب وإبن، وهو أمر ليس بسيطاً بدون أدنى شك؟ ولماذا الحديث عن هذه الولادة التي أصر عليها رسل المسيح وآباء الكنيسة، ولماذا تم تضمينها في قانون الإيمان بكل هذا الحرص والتفصيل؟
والإجابة ببساطة هي أن الرب نفسه ونصوص العهد الجديد كلها فرضت علينا أن نقبل هذا كأمر واقع.
- الرب يسوع لم يدخر فرصة إلا وعبر فيها عن علاقته كإبن بالآب:
على عكس ما يدعيه البعض من أن الرب يسوع لم يعبر عن كينونته الإلهية، نجد في الحقيقة أنه لم يدخر فرصة إلا وعبر فيها عن هذه العلاقة المتميزة التي تربطه بالآب.
"كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." (متى ١١: ٢٧ - أنظر أيضاً لوقا ١٠: ٢٢)
"«وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ." (مرقس ١٣: ٣٢)
"اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ." (يوحنا ١: ١٨)
"اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ." (يوحنا ٣: ٣٥)
"١٩فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ.٢٠لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ، ....٢١لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ.٢٢لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ،٢٣لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ....٢٥اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ.٢٦لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ،" (يوحنا ٥: ١٩ – ٢٦)
"وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ." (يوحنا ١٤: ١٣)
- رسل المسيح أيضاً لم يقصروا في إعلان تلك العلاقة بين الآب والإبن.
"وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ." (١كورنثوس ١٥: ٢٨)
"٥لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضًا: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا»؟٦وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ».٧وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ».٨وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ." (عبرانيين ١: ٥ – ٨)
"٢٢مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ.٢٣كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا.٢٤أَمَّا أَنْتُمْ فَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ فَلْيَثْبُتْ إِذًا فِيكُمْ. إِنْ ثَبَتَ فِيكُمْ مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ، فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَثْبُتُونَ فِي الابْنِ وَفِي الآبِ." (١يوحنا ٢: ٢٢ – ٢٤)
"وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ." (١يوحنا ٤: ١٤)
"كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا." (٢يوحنا ١: ٩)
لماذا نتكلم عن ميلاد الإبن الأزلي؟
سببان:
١. لأن نصوص الوحي المقدس لا تتكلم فقط عن علاقة أبوة وبنوة، بل أيضاً تحتوي تعبيراً صريحاً عن وجود نوع من "الولادة" في هذه العلاقة، حيث نجد النص في (مزمور ٢: ٧) يقول بصراحة: "إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ."، وقد اقتبسها كاتب العبرانيين بكل وضوح، كما أوردنا بعاليه (عبرانيين ١: ٥). أيضاً في (أمثال ٨: ٢٤، ٢٥) نقرأها من ترجمات مختلفة:
"٢٤إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ تَكُنْ يَنَابِيعُ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ.٢٥مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ الْجِبَالُ، قَبْلَ التِّلاَلِ أُبْدِئْتُ." (فاندايك)
"٢٤ولدت قبل المحيطات، وقبل الينابيع بمياهها الغزيرة.٢٥قبل ما استقرت الجبال والتلال في أماكنها أنا ولدت،" (الكتاب الشريف)
"٢٤ولدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه ٢٥قبل أن غرست الجبال وقبل التلال ولدت" (الترجمة اليسوعية)
“24When there were no watery depths I was given birth, when there were no springs overflowing with water. 25before the mountains were settled in place, before the hills, I was given birth” (NIV)
من أجل ذلك نحن مطاَلبون بمحاولة الفهم قدر الإمكان، على نفس قياس محاولتنا فهم وتفسير بقية مشتملات النص المقدس.
٢. لأن أصوات هرطوقية (أريوس) ارتفعت تنادي بأن الاقنوم الثاني، كلمة الله، الابن المبارك، حتى وإن كان في مرتبة أسمى بين المخلوقات حسب زعمهم، لكنه في النهاية غير أزلي بأزلية الله، وأنه مجرد مخلوق من الله خلقه من عدم، وأنه كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجوداً. لذلك لم يكن هناك مفر من محاولة فهم كنه هذه العلاقة بين الآب والابن خارج ذلك الحيز المادي الضيق والضحل الذي وقع فيه أريوس وحاول جذب آخرين معه، وطبعاً، كانت الإجابة مُضمَّنة في (مزمور ٢: ٧): «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ.»، حيث لم يكن على الكنيسة إلا البحث في كنه هذا الميلاد وطبيعته. (اقرأ: مجمع نيقية وتوضيح ألوهية المسيح)
مفاهيم لا مفر من التدقيق فيها
لكي ندخل في صلب الموضوع، اتصور ان هناك تعريفان ينبغي علينا أن نفهمهما جيداً، في هذا السياق، ونستوعب الفارق بينهما:
الأزلي:
الكلمة «أزلي» تعني ما هو موجود بلا بداية، وبلا نهاية، ودون أن يكون قد أُوجِد إلى الوجود بأي وسيلة أخرى. فالأزلي وجوده واجبٌ في ذاته، ومستقلّ، ولا يستمد وجوده من أي كائن خارج عنه. والله وحده هو الأزلي بهذا المعنى المطلق؛ فهو موجود قبل الزمان، وفوق الزمان، ومستقلاً عن الزمان، ومع ذلك يعمل داخل الزمان متى تطلب الأمر ذلك.
المخلوق:
هو نقيض الأزلي، أي كل ما له بداية في الوجود. فطبقاً لقراءة الموسوعة البريطانية لإيماننا المسيحي، كل ما هو مخلوق إنما وُجد بإرادة الله وسلطانه وقدرته المطلقة أن يوجده من العدم (أو "من لا شيء" ex nihilo). ولذلك فإن وجود المخلوق ليس واجبًا في ذاته، بل وجودٌ ممكنٌ يعتمد اعتماداً كاملاً على خالقه، ويستمد وجوده منه وحده، حتى لو لم يدرِ المخلوق بذلك. (اقرأ إنوما إليش، وذلك لتقارن هذا المفهوم المسيحي للخلق مع المفاهيم الأسطورية التي صورت الخلق كأنه اعادة استخدام أو إعادة ترتيب فوضى كونية كانت موجودة من عصور سابقة)
++ نوعان من الولادة
+ "الميلاد" من عذراء= تجسد الابن المبارك Birth (the incarnation)
في الحقيقة، مصطلح "التجسد" incarnation هو الأنسب للتعبير عن ذلك الميلاد من عذراء، وهو فقط "ميلاد الجسد" الذي اتخذه الابن المبارك:
"هَيّأتَ لي جَسَدًا." (عب ١٠: ٥)
"والكلِمَةُ صارَ جَسَدًا وحَلَّ بَينَنا" (يو ١: ١٤)
وهذا "الميلاد" كان حدثاً ارتبط بزمان معين في التاريخ البشري، وبأماكن معينة على وجه هذه الكرة الأرضية:
- من جهة الأماكن:
من قراءاتنا ومن التاريخ، عرفنا كل الأماكن التي ارتبط بها حدث الميلاد (أو التجسد incarnation) ما بين ناصرة الجليل وبيت لحم اليهودية:
ناصرة الجليل: "وفي الشَّهرِ السّادِسِ أُرسِلَ جِبرائيلُ المَلاكُ مِنَ اللهِ إلَى مدينةٍ مِنَ الجَليلِ اسمُها ناصِرَةُ، إلَى عَذراءَ مَخطوبَةٍ.... واسمُ العَذراءِ مَريَمُ." (لو ١: ٢٦ - ٢٧)
بيت لحم اليهودية: "وُلِدَ يَسوعُ في بَيتِ لَحمِ اليَهوديَّةِ، في أيّامِ هيرودُسَ المَلِكِ، إذا مَجوسٌ مِنَ المَشرِقِ قد جاءوا إلَى أورُشَليمَ" (مت ٢: ١)
- ومن جهة الزمان:
نقرأ عن تاريخ أحداث الميلاد (التجسد) متقاطعة مع التاريخ البشري:
ملء الزمان: "لَمّا جاءَ مِلءُ الزَّمانِ، أرسَلَ اللهُ ابنَهُ مَوْلودًا مِنِ امرأةٍ" (غلاطية ٤: ٤)
أيام هيرودس الكبير ملك اليهودية: "وُلِدَ يَسوعُ، في أيّامِ هيرودُسَ المَلِكِ" (متى ٢: ١)
"في أيّامِ هيرودُسَ مَلِكِ اليَهوديَّةِ... وفي الشَّهرِ السّادِسِ أُرسِلَ جِبرائيلُ المَلاكُ مِنَ اللهِ...." (لوقا ١: ٥، ٢٦)
على عهد أوغسطس قيصر الامبراطور الروماني: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ." (لوقا ٢: ١)
وكل هذا استطعنا تحديده زمنياً منذ حوالي ٢٠٠٠ سنة من اليوم. وهذا هو التاريخ الذي فيه قام الروح القدس "بخلق" ذلك الجسد المقدس في داخل العذراء الطاهرة، الجسد الذي ظهر فيه كلمة الله، الابن المبارك، الأقنوم الثاني من اللاهوت.
ومن أجل ذلك لا تجد الكنيسة أي غضاضة في ان تقول بأن "جسد" المسيح "مخلوق"، لأنه:
أولاً: جسد مادي من لحم ودم، وليس مجرد خيال او "هولوجرام" مثلما ادعى السابيليون.
وثانياً: لأنه مستحدث من عدم حيث لم يكن موجوداً قبل رحم العذراء.
+ الولادة الأزلية للابن المبارك
ما هي هذه "الولادة" ولماذا نقرنها مع "غير مخلوق"؟
بينما الخلق باستمرار لصيق بالمحدودية، محدودية المكان والزمان والمادة (Space, Time, and Matter)، يجب أن نفهم أننا هنا نتحدث عن ولادة مختلفة تماماً عن أي ولادة بشرية عادية، وكذلك عن الميلاد العذراوي (أو التجسد) الذي ذكرناه عاليه، لأن الإنجيل يعلمنا أن هذا الابن الذي اتخذ جسداً مخلوقاً في رحم العذراء في مكان وزمان محددين، هذا الابن نفسه موجود منذ الازل عند الله "في البَدءِ كانَ الكلِمَةُ، والكلِمَةُ كانَ عِندَ اللهِ، وكانَ الكلِمَةُ اللهَ. هذا كانَ في البَدءِ عِندَ اللهِ." (يوحنا ١: ١ - ٢)، ولأن الانجيل يعلن أن الابن أزلي، فلا يمكن أن يكون هذه الولادة من النوع الذي تعرفه مخلوقات مثلنا، بل لابد أن يكون "ولادة أزلية" تليق بالكائن الأزلي، فالبدء المكتوب في افتتاحية إنجيل يوحنا لا يشير إلى بداية زمنية، بل إلى "الازل Eternity" نفسه، أي إلى الوجود الإلهي الذي يسبق الزمان كله، أو بالأحرى خارج الزمان كله وليس مرتبطاً بلحظة معينة منه، هو الأزل أي بَدء اللا بَدء كما أشرنا في التعريف السابق، ففي الأزل لا وجود للزمن، لا بداية ولا نهاية، بل الكل هو "الآن"، "الآن" الممتد من اللابداية إلى اللانهاية. تخيل بقى لو تقدر تتخيل! (اقرأ: الله والزمن – هو خارج الزمن في حاضر دائم)
إذن "مولود غير مخلوق" (ارجع للتعريفين السابقين) تتحدث عن نوع مختلف من الولادة، نوع يختلف عن ذلك الولادة التي نعرفها ونستطيع تصورها نحن كبشر، ويختلف حتى عن ذلك الميلاد العذراوي الذي حدث في ملء الزمان (رغم أنه مُعْجِز كما نعلم).. إنه ميلاد أزلي، لا بداية له ولا نهاية، ولا يمكن أن يمر به إلا كائن أزلي فقط. لاحظ أن نص قانون الايمان لم يكتفِ بالتعبير "مولود غير مخلوق"، لكن سبقه بالتعبير "المولودِ من الآبِ قبل كلِّ الدهور"، لم يقل: "قبل آلاف السنين"، ولا "قبل خلق العالم"، بل قال: "قبل كل الدهور". أي قبل وجود الزمن نفسه، وذلك لكي يؤكد على أزلية الإبن وأزلية هذه الولادة، ومن ثم يضيف التعبير غير مخلوق لكي ينفي عنها أي شبه بما هو ملموس ومختبر في حياتنا المادية الموضوعة تحت محددات المكان والزمان والمادة (Space, Time, and Matter).
مثال "تولُّد" الضوء والحرارة من الشمس
لكي نحاول الاقتراب قدر الإمكان من هذا المفهوم، تعالوا نسترجع ذلك المثال الذي استعان به الآباء، بل ونحن أيضاً نستعين به كل يوم تقريباً: الشمس، قرصها أو جسمها، وحرارتها، وضوؤها، ورغم قصور المثال عن تصوير الحقيقة بالكامل، لكنه يقرب إلينا المفهوم قدر الإمكان. وهنا لابد أن نفترض جدلاً (لزوم المثال فقط) أن الشمس أزلية، عندها يكون الضوء "المتولد" من قرص الشمس أزلياً بأزلية الشمس، ويكون هذا "التولُّد الأزلي" - الذي لم ولا ولن ينقطع - هو من ضرورات العلاقة بين قرص الشمس وضوئها.
![]() |
| خبط الحنطة - شعاع النور يتولُّد من قرص الشمس |
الخلاصة
يجب ألا ننسى أبداً أن قانون الإيمان لم يستخدم عبارة "مولود غير مخلوق" أبداً لشرح التجسد والميلاد العذراوي بل للدفاع عن ألوهية الابن، لكن العبارة مع الأسف ترتبط – عفوياً - في أذهان البعض بالميلاد العذراوي (في التجسد)، ولو كان هذا هو المقصود، لما كان هناك معنى لإضافة "قبل كل الدهور"، ولما عاد هناك فرق بين "مولود" و"مخلوق". ولو كانت ولادة الابن من الآب قد وقع في لحظة ما، لكان الابن قبل تلك اللحظة غير موجود، وبالتالي لكان مخلوقاً، وهو ما ينقض مباشرة عبارة قانون الإيمان: "مولود غير مخلوق". لكن المقصود معنىً مختلف تماماً، حيث أن القانون يفسر نفسه بنفسه: إذ أنه يتحدث عن ميلاد أزلي لا يخص دخول الابن إلى العالم، بل يخص علاقته الأزلية بالآب، وأن بنوّة الابن الأزلية، أو كونه مولوداً من الآب، ليست حدثاً تاريخياً، ولا فعلاً وقع ثم انتهى، بل هي فعلٌ أزليٌّ قائمٌ على الدوام، لا بداية له ولا نهاية، ينتمي إلى الحياة الإلهية نفسها.
خلينا نلخص الموضوع في جملة واحدة:
حتى لو افترضنا جدلاً أنه لم يحدث تجسد، لظل الإبن إبناً، ولظل الآب أباً.
ولمن يرغب في تتبع هذا التعليم تاريخيًا، فيما يلي مجموعة مختارة من أقوال آباء الكنيسة وبعض كبار اللاهوتيين، تُظهر كيف فهمت الكنيسة عبر العصور عبارة "مولود غير مخلوق" والولادة الأزلية للابن، والقائمة يمكن أن تطول وتطول لتغطي كل تاريخ الكنيسة قديمها وحديثها.
شهادات تاريخية على تعليم الولادة الأزلية
- أثناسيوس (٢٩٣ – ٣٧٣ م.):
يقدم فيليب شاف فكر أثناسيوس بخصوص الولادة الأزلية وعلاقة الآب بالإبن كما يلي:
"إن أبوة الآب ليست علاقة عرضية نشأت في الزمن، وإلا لكان الله قابلاً للتغيّر. بل إنها تنتمي بالضرورة إلى جوهر الله وكيانه، شأنها شأن صفات الأزلية، والحكمة، والصلاح، والقداسة. ولذلك فلا بد أنه كان آباً منذ الأزل، ومن هنا تثبت الولادة الأزلية للابن. إن أبوّة الله وبنوّة الابن هما النموذج الأصلي لكل العلاقات المناظرة (أو المماثلة) لهما على الأرض. فكما أنه لا يوجد ابن بلا أب، كذلك لا يوجد أب بلا ابن." (فيليب شاف – تاريخ الكنيسة ٣: ١٢٧)
أثناسيوس تحدث عن أن "الابن" أزلي مثل الآب تماماً، كما أن ولادته أزلاً هو ضرورة حتمية، مع التأكيد على نفي فكرة خلق الإبن ونسبته إلى الزمن التي أصر عليها أريوس:
"أما الابن، فليس من جملة أعمال الله المخلوقة، بل هو المولود الخاص بالآب. ولذلك فهو كائن على الدوام؛ لأنه كما أن الآب موجود على الدوام، فكذلك ما يختص بجوهره لا يمكن إلا أن يكون موجوداً على الدوام أيضاً؛ ... فالابن هو أبداً المولود الخاص من جوهر الآب." (أثناسيوس - ضد الأريوسيين ١: ٢٩)
"من خصائص اللاهوت وحده أن يكون الآب آباً بالمعنى الحقيقي (properly father)، وأن يكون الابن ابناً بالمعنى الحقيقي (properly son). وفيهما، فيهما وحدهما، يثبت أن الآب هو الآب على الدوام، وأن الابن هو الابن على الدوام." (أثناسيوس - ضد الأريوسيين ١: ٢١)
- غريغوريوس النازيانزي (٣٢٩ – ٣٩٠م)
أكد على أن ميلاد "الابن" من "الآب" حقيقي، وأزلي لا علاقة له بالزمن، كما أنه لا شيء جسدي فيه بل ويفوق إدراك المخلوقات.
"إن ولادة الابن من الآب ينبغي أن تُوقَّر بالصمت. ويكفيك أن تعلم أنه مولود. أما كيفية هذه الولادة، فلا نزعم أن الملائكة أنفسهم قادرون على إدراكها، فكم بالأولى نحن البشر!" (غريغوريوس النازيانزي - الرسالة اللاهوتية الثالثة ٢٩: ٨)
"الآب هو الوالد، وهو أيضاً مصدر انبثاق الروح القدس، وذلك بلا انفعال (passion)، وبلا ارتباط بالزمان، ودون أن يكون ذلك على نحوٍ جسدي. أما الابن فهو المولود والروح القدس فهو المنبثق." (غريغوريوس النازيانزي - الرسالة اللاهوتية لثالثة ٢٩: ٢)
"اسألني ثانيةً، وثالثةً، متى وُلِد الابن؟ وسأجيبك دائماً: حين كان الآب غير مولود. ومتى انبثق الروح القدس؟ إن ذلك فوق الزمان، وأسمى من أن يدركه العقل، مع أننا لا نستطيع أن نتحدث عما هو فوق الزمان إلا باستعمال ألفاظٍ زمنية، على خلاف ما نود." (غريغوريوس النازيانزي - الرسالة اللاهوتية الثالثة ٢٩: ٣)
- غريغوريوس النيسي (٣٣٥ – ٣٩٥م):
ببساطة، أكد في منطقه على أنه لو أنت تسأل عن علاقة "ولادة الإبن" بالزمن، ستكون بالضبط كمن يسأل: ماذا حدث شمال القطب الشمالي؟
"إن ولادة الابن ليست حدثاً يقع في إطار الزمان، تماماً كما أن الخلق لم يسبق الزمان، لأن الزمان نفسه بدأ مع الخلق. لذلك لا يجوز بأي حال أن نُقحم مفهوم الزمن في الكائن الإلهي غير المنقسم، فنقول إنه كان هناك وقت لم يكن فيه خالق كل شيء موجوداً." (غريغوريوس النيسي - ضد يونوميوس ١: ٢٦)
- أوغسطينوس وتوما الأكويني:
ولم يتوقف التأمل اللاهوتي عند القرن الرابع، بل واصل آباء الكنيسة ولاهوتيوها شرح هذا المفهوم، فأدلى أوغسطينوس بدلوه حيث بين أن الابن هو "الكلمة" الذي به يعبّر الآب عن ذاته تعبيرًا كاملاً، تماماً مثلما تعبر كلماتنا الذهنية البشرية عنا تمام التعبير، ثم صاغ توما الأكويني هذا التعليم بلغة فلسفية أكثر دقة، مؤكدًا أن ولادة الابن ليست حدثًا زمنيًا، بل هي علاقة أزلية قائمة في ذات الله.
- أوغسطينوس (٣٥٤ – ٤٣٠م)
"وهكذا، فإن الآب، إذ يُعبِّر عن ذاته، وَلَدَ الكلمة مساوياً له في كل شيء؛ لأنه لو لم يكن الكلمة مساوياً له تماماً، لكان الآب لم يُعبِّر عن ذاته تعبيراً في غاية الكمال، بل لبقي في الكلمة شيءٌ يزيد أو ينقص عما هو في الآب." (أوغسطينوس - في الثالوث ١٥: ٢٣)
"كلمتنا الداخلية [كبشر] (the word of the mind)، التي لا يصاحبها صوت ولا حتى تصورٌ لصوت، بل هي الكلمة المتولدة من إدراكنا للشيء الذي نتحدث عنه في داخلنا، والتي لذلك لا تنتمي إلى أي لغة؛ هذه الكلمة تشبه، من بعض الوجوه وفي حدود هذا التشبيه الناقص، كلمة الله الذي هو أيضاً الله. فهي تُولد من معرفتنا، كما أن كلمة الله مولود من معرفة الآب. ومع ذلك، فإن هذه الكلمة البشرية نجد فيها شبهاً ما بكلمة الله. ينبغي ألا نغفل أن هذا مجرد تشبيه يقرب الفكرة، مع وجود فارقٍ هائل بين الكلمة البشرية وكلمة الله." (أوغسطينوس - في الثالوث ١٥: ٢٤)
![]() |
| خبط الحنطة - اللاهوتيان الشهيران أوغسطينوس وتوما الأكويني |
- توما الأكويني (١٢٢٥ – ١٢٧٤م):
باختصار، يرى توما الأكويني أن ولادة الابن (Generation) ليست انتقالًا من العدم إلى الوجود، ولا حدثًا يقع في الزمن، بل هي صدور (أو انبثاق procession) الكلمة الأزلي من الآب، تماماً كما تصدر الكلمة الداخلية inner word من العقل، طبعاً مع الفارق الشاسع اللانهائي بين الله والإنسان. هل لاحظت أن هذا الصدور أو الانبثاق يعيدنا إلى مثال الشمس المذكور سابقاً؟
"يُسمَّى صدور الكلمة في الله ولادةً. فالولادة، بالمعنى الدقيق، هي صدور كائنٍ حيٍّ من أصلٍ حيٍّ متحدٍ به... وهكذا فإن صدور الكلمة في الله يُسمَّى ولادة، لأنه يصدر بفعلٍ عقلي، وعلى سبيل المشابهة الكاملة. ولذلك يُسمَّى هذا الصدور ولادة، ويُسمَّى الكلمة الصادر الابن." (توما الأكويني - الخلاصة اللاهوتية - الجزء الأول ٢٧: ٢)
أما خير ختام مع توما الأكويني فهو بالعودة معه إلى الحبكة التي بدأنا بها مقالنا هذا، حيث نقف ثانيةً أمام الولادتين، وحيث يقول الأكويني إن ولادة الإبن أزلية (وهذا ما يعبر عنه "مولود غير مخلوق")، أما ميلاده العذراوي أو إرساليته في التجسد فهي زمنية (أي حدث في الزمن). "لمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ" (غلاطية ٤: ٤)
"إن الإرسال لا يدل فقط على صدور الابن من الآب، بل يشير أيضًا إلى ظهوره في الزمان. ولذلك فالإرسال يرتبط بالزمان. ومع ذلك، فهو يفترض الصدور الأزلي، لكنه يضيف إليه أثرًا يقع في الزمان. لأن علاقة الأقنوم الإلهي بأصله علاقة أزلية. ولذلك يمكن أن نتحدث عن صدورٍ أزلي، وظهورٍ في الزمان، لا عن علاقتين مختلفتين، بل عن حقيقة أزلية واحدة ظهرت أيضًا داخل التاريخ." (توما الأكويني - الخلاصة اللاهوتية - الجزء الأول ٤٣: ٢)
#خبط_الحنطة
اقرأ أيضاً:
إنوما إليش - أصل الكون وأساطير القدماء
أسئلة شائعة حول الولادة الأزلية والتجسد
(اضغط على السؤال لقراءة الإجابة)
ما الفرق بين الولادة الأزلية والتجسد؟
الولادة الأزلية (begetting) هي علاقة أزلية بين الآب والابن خارج الزمان. أما التجسد (birth) فهو ميلاد الابن في الزمان من العذراء مريم.
ماذا يعني "مولود غير مخلوق" في قانون الإيمان؟
يعني أن الابن مولود من جوهر الآب أزلاً، وليس مخلوقاً من العدم. هذا يؤكد ألوهيته الكاملة ضد هرطقة أريوس.
لماذا تتحدث الكنيسة عن "ميلاد" الابن الأزلي؟
لأن نصوص الكتاب المقدس (مثل مزمور ٢: ٧ وعبرانيين ١: ٥) تتكلم عن ولادة الابن، ولأن الهرطقات (مثل الأريوسية) أنكرت أزليته.
ما الفرق بين "أزلي" و"مخلوق"؟
الأزلي موجود بلا بداية ولا نهاية ومستقل في ذاته. المخلوق له بداية في الوجود حيث وُجد بإرادة الله من العدم.
هل الولادة الأزلية تعني أن الابن له بداية؟
لا. الولادة الأزلية خارج الزمان، فالابن أزلي مثل الآب. لا يوجد وقت لم يكن فيه الابن موجوداً.



احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..