بعد أن اكتشفنا أن الصورة التقليدية لمغارة الميلاد ترسل لنا معلومات خاطئة عن وجود كل من حيوانات الحظيرة والرعاة والمجوس في مشهد واحد مع كل من مريم ويوسف والطفل الوليد يسوع نائم في المذود، وكيف اننا بالمراجعة الجادة تم تصحيح بعض المعلومات المغلوطة في هذه الصورة، هذا يجعلنا نراجع بعض الصور الأخرى التي لا تستند في الحقيقة على معرفة مؤكدة.
![]() |
| خبط الحنطة - "هل هذه الصورة دقيقة؟ عمر إسحاق عند المحرقة يقول غير ذلك |
+ كم كان عمر إسحاق حقاً عند تقديمه محرقة؟
سنأخذ اليوم قصة اسحاق وابراهيم في الكتاب المقدس، وتحديداً هذه الصورة لإسحاق الطفل الصغير الذي يحمل حزمة كبيرة من الحطب تكفي لحرق جسم بشري وهو ذاهب مع أبيه الشيخ يتسلقان جبل المُرِيَّا صاعدين إلى قمته، ثم يقوم الشيخ الكبير بحمله بين ذراعيه ليضعه على المذبح ويقيده تمهيداً لذبحه. (القصة واردة بالكامل في تكوين ٢٢: ١ - ١٩)
الحقيقة إن مفسرين معتبرين كثيرين - ومنذ زمن بعيد - قد رسموا صورة لإسحاق تختلف عن هذه الصورة تماماً، حتى التقليد اليهودي في اركان كثيرة منه يؤكد على صورة مختلفة غير صورة الطفل الصغير المتوَهَّمَة. تعالوا نفهم: هل كان إسحاق طفلاً صغيراً يحمل حزمة الحطب، أم كان شاباً قوياً؟
+ الأدلة على أن إسحاق كان شاباً:
- هناك في التقليد اليهودي من يقول إن سارة ماتت من الصدمة عندما بلغها أن زوجها العجوز قد اخذ الابن في رحلة وسيعود بدونه لأنه سيقدمه محرقة، وكلنا يعلم أن سارة ماتت في سن ١٢٧ سنة، وخبر موت سارة يرد في الأصحاح التالي مباشرة (تكوين ٢٣: ١) مما قد يدعم هذا الرأي، أي أن اسحاق كان عمره ٣٧ سنة في ذلك الوقت طبقاً لهؤلاء، حيث نعلم ان عمرها كان ٩٠ عاماً عند ميلاد إسحاق.
- يوسيفوس المؤرخ اليهودي في كتابه Antiquities of the Jews يقول بأن عمر إسحاق كان ٢٥ سنة في ذلك الوقت.
- آدم كلارك المفسر الشهير يرجح أن اسحاق كان في سن ٣٣ سنة.
- مفسرون آخرون Jamieson, Fausset and Brown (JFB) رجحوا أنه كان قد تجاوز سن ٢٠ سنة.
- وأيضاً K&D يقولان إن اسحاق كان رجلاً صغيراً (young man) في تلك الحادثة.
- الكلمة العبرية المترجمة "غلام" في وصف اسحاق (تكوين ٢٢: ٥) صحيح استخدمت في وصف طفل صغير (خروج ٢: ٦، ٢صموئيل ١٢: ١٦) لكنها استخدمت أيضاً في وصف شباب كبار دخلوا مرحلة الرجولة، مثل ابشالوم مثلاً (٢صموئيل ١٤: ٢٣)، بل وجنود أيضاً (١ملوك ٢٠: ١٤، ١٥، ١٧، ١٩)، كما أن نفس الكلمة تستخدم في نفس الاصحاح (تكوين ٢٢: ٣، ٥) للتعبير عن الخادمين الذين ذهبا مع ابراهيم واسحاق في الرحلة، ولا أظن أحداً يمكن أن يتصور أن إبراهيم الأمير الزاهد اصطحب أطفالاً ليخدموه وإبنه في رحلة كهذه.
- ثم كيف يمكن لطفل أو صبي صغير أن يحمل كمية من الحطب ويتسلق الجبل صعوداً؟ لابد أن يكون قوياً مكتمل البنية، على أضعف تقدير، في نهاية المراهقة وبداية مرحلة الرجولة ليتمكن من هذا.
لهذا فالمرجح أن عمر اسحاق في ذلك الوقت كان يتراوح بين ١٨ أو ٢٠ عاماً كحد أدنى إلى عمر ٣٠ أو ٣٣ عاماً وربما حتى ٣٧ سنة كحد أقصى.
+ الدرس المستفاد من معرفة عمراسحاق الحقيقي
ببساطة، اسحاق "كشاب قوي فتي" كان يمكنه بكل بساطة مقاومة العجوز (اللي كبر وخرف) المزمع أن يذبحه ويقدمه محرقة، لكن عوضاً عن هذا عاون اسحاق أباه في بناء المذبح، ثم صعد بنفسه وتمدد فوق المذبح، ثم قدم يديه لأبيه لكي يقيدهما بعد أن قيد الاب الرجلين، وكان مستسلماً تماماً لفكرة أن يموت ذبحاً بيد الأب الذي يتلقى أمراً من الله وينفذه. (اقرأ أيضاُ: تعالوا نفهم - هل قدم يفتاح ابنته محرقة؟)
وبهذا نرى إسحاق ليس طفلاً ضعيفاً، بل شاباً مطيعاً يمثل الابن الذي يطيع حتى الموت، لقد كان كل من ابراهيم واسحاق يمثلان بشكل عملي أقنومي اللاهوت "الآب والإبن" في عملية الفداء، واحد بالخطة والقرار والثاني بالطاعة والخضوع، وكما كان إبراهيم ممثلاً لله الآب "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ، لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ، بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ." (يوحنا ٣: ١٦)، هكذا كان اسحاق ممثلاً للابن الذي كانت صلاته في بستان جثسيماني: «يا أبَتاهُ، إنْ شِئتَ أنْ تُجيزَ عَنّي هذِهِ الكأسَ. ولكن لتَكُنْ لا إرادَتي بل إرادَتُكَ». (لوقا ٢٢: ٤٢)، هذا الابن المطيع قال لبطرس (الذي تصور أن واجبه الدفاع بالسيف عن معلمه ضد المعتدين): "أتَظُنُّ أنّي لا أستَطيعُ الآنَ أنْ أطلُبَ إلَى أبي فيُقَدِّمَ لي أكثَرَ مِنِ اثنَيْ عشَرَ جَيشًا مِنَ المَلائكَةِ؟" (متى ٢٦: ٥٣)، لكنه كان قد اتخذ قرار الطاعة بإرادته:
"الّذي إذ كانَ في صورَةِ اللهِ، لَمْ يَحسِبْ خُلسَةً أنْ يكونَ مُعادِلًا للهِ. لكنهُ أخلَى نَفسَهُ، آخِذًا صورَةَ عَبدٍ، صائرًا في شِبهِ النّاسِ. وإذ وُجِدَ في الهَيئَةِ كإنسانٍ، وضَعَ نَفسَهُ، وأطاعَ حتَّى الموتَ، موتَ الصَّليبِ." (فيلبي ٢: ٦ - ٨)
ربما هذا ما شجع "آدم كلارك"، بدعم من رمزية اسحاق للمسيح، على الاعتقاد بأن عمر إسحاق وقتها كان ٣٣ عاماً وهو ما يعادل عمر الابن المبارك عندما تقدم الى الصليب.
#خبط_الحنطة
٢١ يناير ٢٠٢٢ – تاريخ النشر في فيسبوك
اقرأ أيضاً:
وجدت داود رجلاً حسب قلبي - عبارة مفهومة غلط - تعالوا نفهم: ثامار.. ابنة من وأخت من؟ - الأطفال الكبار ومعجزة يونان.
أسئلة شائعة حول عمر إسحاق عند تقديمه محرقة
(اضغط على السؤال لقراءة الإجابة)
كم كان عمر إسحاق عندما قدمه إبراهيم محرقة؟
الرأي الشائع بين المفسرين أنه كان شاباً بالغاً، في الثلاثينيات من عمره تقريباً، وليس طفلاً صغيراً كما في معظم الرسوم التقليدية.
ما الدليل على أن إسحاق لم يكن طفلاً صغيراً؟
من أهم الأدلة أن سارة ماتت في سن 127 عاماً، وماتت مباشرة بعد حادثة المحرقة. وبما أن إسحاق ولد عندما كانت سارة في التسعين، فيكون عمره حوالي 37 عاماً. كما أن كلمة "غلام" المستخدمة في النص تستخدم للشباب البالغين أيضاً.
لماذا نرى إسحاق كطفل صغير في معظم الصور واللوحات؟
هذه صورة تقليدية شائعة وليست مدعومة نصياً بشكل قوي. التركيز الفني كان على إظهار الطاعة والتضحية أكثر من الدقة التاريخية.
ما أهمية معرفة عمر إسحاق الحقيقي؟
يظهر قوة إيمان إسحاق نفسه. لم يكن طفلاً خائفاً، بل شاباً بالغاً رضي طواعية أن يُقدم نفسه محرقة، مما يجعله صورة أقوى للمسيح.
ما أهم درس نستفيده من هذه المناقشة؟
يجب أن نعود دائماً إلى النص الكتابي بدلاً من الصور والرسوم التقليدية الشائعة، حتى لو كانت منتشرة لقرون طويلة.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..