(رسالة إلى ذلك التيار الممثل في "الأخ الذي احببته" وكل من يتبع خُطاه)
أصبحت تهمة الإقصاء معلبة وجاهزة للتقديم في أي وقت وكل وقت، حتى ان اتهام البعض بأنهم دواعش مسيحيون أصبح لبانة يلوكها البعض لا أفهم عن قصد أو عن غير قصد. اظننا إن أردنا أن ننتخب من يصلحون مثالاً يحتذى في عدم إقصاء الآخر بل في تقديم المحبة و"مد الجسور" حتى مع المخالفين فسيكون يسوع بن يوسف ذلك النجار والمعلم اليهودي الذي من ناصرة الجليل على رأس قائمة الناجحين وبفارق شاسع جداً عن أقرب المنافسين في القائمة، ليس فقط لما قدمه على الصليب من غفران، لكن أيضا لحياة مليئة بأوجه التسامح مع من كانوا - طبقاً لمعايير زمانهم - أيقونات لمستحقي الإقصاء فعلاً لا قولاً، بل حتى من لم يستحقوا تسامحاً ولا جسوراً تُمد اليهم.
ولعل أكثر ما يبين قلب الرب يسوع وموقفه من الأغيار هو موقفه من السامريين، ذلك الشعب الذي كان ولا يزال يكن كراهية عميقة نحو الشعب اليهودي الذي ينتمي اليه يسوع حسب الجسد، حيث جمع كلا الشعبين تاريخ طويييل جداً من الضغائن والخلافات والمكائد والحروب العرقية/الدينية، ومن يقرأ عن السامريين في التاريخ الكتابي يعرف أن إحدى أهم أسباب هذه العداوة كانت إدعاء كل طرف أنه هو الأصل ونسخته "الدينية" هي الأصل ونسخة الآخر هي التقليد. في وسط هذه الأجواء وفي روايات البشائر نجد يسوع غيرَ مرة يتصرف عكس الاستقطاب الحاصل لـ"يمد الجسور" بمحبة وتسامح.
في تلك المرة اختار السيد والمعلم – متعمداً - أن يمر بمناطق سكنى السامريين بدلاً من اختيار الطريق الذي اعتاد اليهود أن يسلكوه شرق نهر الأردن ليتفادوا المرور بمناطق السامريين ولتفادي الاحتكاك بهم (انظر الخريطة، وانقر هنــــــا لقراءة خلفية تاريخية عن هذه العداوة). في تلك المرة سار على قدميه نصف نهار كامل حتى تعب وجلس عند البئر مترقباً وصول تلك المرأة السامرية (التي يعتقد الكثيرون أنها سيئة السمعة) قادمة من مدينتها المليئة بالسامريين أعداء جنسه اليهودي. في تلك المرة فتح الرب مع السامرية حواراً سماوياً يقدم لها فيه أعماق الله الآب من جهة إرواء حياتها لتستغني عن البحث عن ملذات العالم بشبع الروح القدس (لاحظ انها امرأة مما يضيف حاجزاً إضافياً الى الحواجز العرقية والدينية). وما إن وصلت المرأة لقناعة أن هذا الرجل الذي يتحدث إليها هو "نبي" (هذا ما عبرت عنه بلسانها في يو ٤: ١٩) حتى قررت أن تجري معه "حواراً بين الأديان"، ومن البديهي أن حواراً من هذا النوع سيشمل نموذج "أنتم تقولون/ونحن نقول"، وهذا ما حدث تماماً، فقد قالت له: "آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ" (هذه نسختنا نحن السامريين من الدين)، "وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ" (هذه نسختكم أيها اليهود من الدين).
![]() |
| خبط الحنطة - كان اليهود يسافرون شرق الأردن بين اليهودية والجليل لتفادي السامرة |
كان من المتوقع أن يسوع اليهودي يستكمل "بناء الجسور" طالما أنه ساعٍ إليها، وذلك إما:
١. بكلام طيب يبحث فيه عن "المشتركات" بين اليهود والسامريين ويتفادى بذلك "نقاط التصادم"، أو حتى
٢. يتهم الفريقين بالخطأ ويستبعدهما كليهما (كما يحلو للبعض أن يفعل ليتخلص من عبء الحرج "وتبقى الرؤوس تساوت")
وهذا الخيار الثاني هو بالضبط ما فعله: "٢١يا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ (يعني نسختكم السامرية)، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ (أي النسخة اليهودية) تَسْجُدُونَ لِلآبِ....................... ٢٣ وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ". (يو ٤: ٢١ – ٢٣)
لغاية كده جميل!
لكننا نجده وسط هذا الكلام ينطق بـ"سقطة" الحوار كله والزلة التي تغلب فيها "يسوع اليهودي" على يسوع المحب المُبَشِّر (من البشارة) الذي "يمد الجسور" (أتصور هذا ما يظنه الخبراء المصابون بارتكاريا "الإقصاء" والذين يرون كل المخالفين دواعش)، حيث قال الرب للمرأة:
"أَنْتُمْ (السامريون) تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ (اليهود) فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ" ع٢٢....
وي... وي... وي... وي!
يا داهية دقي!! أخطأ الرجل! أظهر وجهاً ما كان يصح ان يظهره، لقد طغت عليه يهوديته وخسر جولة "حوار الأديان" وظهر إقصائياً داعشياً، أليس هذا ما يحلو لبعضهم تصنيف آخرين به؟ اليس هذا ما يمكن أن يقوله حكماء هذا الدهر الذين يحرصون على "مد الجسور" ويبحثون عن "المشتركات" والمشتركات فقط؟ لكن سيدي الرب يسوع الذي لا يخطئ أبداً لم يكن يقبل إلا أن يشهد للحق، وأن يقول الحق كل الحق ولاشيء غير الحق، حتى وإن كان هذا الحق لا يرضي الطرف الآخر، والحق الذي قاله يسوع هو هذا: أن "الخلاص هو من اليهود" لأن "٤لَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ،٥وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ." (رو ٩: ٤، ٥)
طبعاً لو ان واحداً يقرأ هذه القصة لأول مرة سيتصور ان الأمر انتهى بذهاب المرأة غاضبة مزبدة غيرةً منها على قومها ودينها الذين أُهينا، لكن من قرأ يوحنا ٤ قبلاً يعلم أن هذه لم تكن نقطة النهاية وأن الحوار استمر حتى انتهى بانطلاق المرأة مسرعة لدعوة أهل مدينتها قائلة: "٢٩«هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟» .٣٠فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ." (ع٢٩، ٣٠)
(اقرأ ببعض التفصيل في: المرأة السامرية - دراسة حالة)
![]() |
| خبط الحنطة - حوار يسوع والسامرية و"مد الجسور" |
+ أسلوب القَصْر وخلاص المسيح:
نقول كلام "مجعلص" شوية من المعاجم اللغوية؟
"القَصْر في اللغة معناه "الحبس"، فعندما تَقْصُر موصوفاً على صفة فكأنك تقف به عند هذه الصفة فلا يتعداها لأخرى"، أو نسميه "تخصيص شيء بشيء"، بالبلدي كده، كأني أقول: لو انت عاوز "س" يبقى الطريق الوحيد له هو "ص"، عاوز تنجح؟ يبقى لازم تذاكر، فلو لم تذاكر مافيش نجاح، أي اني قصرت النجاح على المذاكرة فقط...
يتم القصر هذا بعدة أساليب أحد أقواها أثراً: "النفي مع الاستثناء"
والروح القدس في وحي الكتاب المقدس يستخدم أسلوب "القصر بالنفي والاستثناء" للتأكيد على حق لا بديل عنه وتبيان أن مناقشة أي أمر خلافاً لهذا الحق يعتبر هراءً وتهريجاً (يعني مافيش سكة تانية):
"قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ (نفي) يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي (استثناء)." (يوحنا ١٤: ٦)
"١١هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ.١٢وَلَيْسَ بِأَحَدٍ (نفي) غَيْرِهِ (استثناء) الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ (نفي) اسْمٌ آخَرُ (أي غيره) تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ." (أع ٤: ١١، ١٢).
استخدام الوحي لأسلوب القصر هنا يفهم منه أنه تخصيص الخلاص لمن احتمى بالمسيح "فقط... فقط... فقط"، فلا طريق سوى المسيح، والكلام عن احتمالات أخرى (حتى مع تجنب تعبير "الخلاص" ومرادفاته) هو مضيعة للوقت.
![]() |
| خبط الحنطة - وحي الكتاب المقدس |
في هذه الحالة يكون "القصر" أو "الإقصاء" ضرورياً جداً، ولكن ليس الإقصاء الذي يتصوره "أخونا" ومن سار على نفس النهج، لكن
الإقصاء المطلوب هو استبعاد وتجنب الكلام عن أي فكرة "مفتكسة" غير الخلاص الذي "يحتاجه جميع البشر في المسيح".
وبسبب هذا "القصر" يصبح هراءً ذلك البحث في اي شيء سوى طوق النجاة الذي هو ذبيحة المسيح الكفارية وشفاعته في المؤمنين لكي ينالوا غفران خطاياهم ويتصالحوا مع الله فينجون من موت أبدي محقق. هذا هو المطلوب وليس "مد الجسور" حسب مفهوم إخوتنا هؤلاء.
+ اختبار اصالة الرسالة:
يقول الكتاب عمن سمعوا عظة بطرس في يوم الخمسين أنهم "لَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: «مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟»" (أع ٢: ٣٧)، هذا هو اختبار أصالة الرسالة (أي رسالة) هل هي رسالة المسيح أم لا:
مستمعوك يا أخانا وأنت "تمد الجسور" إليهم هل يَصِلون إلى الموقف الذي فيه يسألون: "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟"
لأنك يا"اخانا" في الوقت الذي تؤمن فيه أن "الكتاب قرر بوضوح أن الإيمان بالمسيح وقبوله هو طريق الحياة الأبدية والبنوة لله." (اقتباس مما كتبه اخونا)، تعود وتقرر أن الكتاب "أعلن أيضا وبوضوح أن له عارفين به وبلاهوته، في إيمان بالله الواحد الحي الحقيقي، غير الإيمان به عن طريق المسيح، ولا عن طريق موسى" (اقتباس من أخينا أيضاً). بتعبير آخر "انت عندك طريق أنت متأكد منه ١٠٠٪ (وأنا معاك)، لكن للغرابة الشديدة ترى سكة تانية بعيداً عن المسيح، صحيح مانعرفش توصل لفين لكن أهي "سكة والسلام"، وبالتالي، فلنصمت إذن لكي نحافظ على "المشتركات" ونستمر في "مد الجسور"(!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!).
من خدعك أننا لا نمد الجسور؟! نحن نمدها ولكن على إثر خطوات معلمنا الاعظم الذي لم يفشل أبداً في مد الجسور.
+ ويل لي ان كنت لا أبشر:
أنا مش هادخل في مناقشة لاهوتية عما اذا كان ينفع يكون حد مقبول عند الله بشكل أو آخر بعيداً عن المسيح واللي زي كده هايروحوا فين، ليس فقط لأن هذا عبث وسفسطة ليس منها جدوى وهي ببساطة تتسبب في حجب "خلاص المسيح" عمن هم في امس الحاجة اليه، لكن الحقيقة ده كمان تضييع للوقت واستسهال وتخدير لضمير الخادم الذي لا يريد أن يتكلم بحق المسيح أمام "الآخر". لو كان رسل المسيح قالوا لأنفسهم ما تقول لما خرجوا من أورشليم ولما وصل الإنجيل إلينا اليوم، لذلك اسألوا أنفسكم وقولوا لي بالله عليكم: مستمعوكم.... مستمعوكم، "السكة والسلام" اللي بتتكلموا عليها دي هاتوصلهم فين؟ ما يبدو شبه مؤكد أنه مش ممكن أبداً هاييجي اليوم الذي يقول فيه مستمعوكم ما قاله اليهود لبطرس "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟".
تقول إن "الإله الذي عبده بولس في قلبه والذي اظهر مجده لخلاص ديوناسيوس ودامرس وآخرين!" (اقتباس من كتابات "الأخ")، لكن تتناسى أن بولس هذا وفي نفس هذه العظة تحديداً لم يقدم تهويمات سيريالية ولا شعر أشواق لجميل الصوت يحسن العزف، لكنه كان محدداً جداً وقاطعاً جداً وهو يقدم هذا الإله مرسلاً يسوع الذي "أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (أع ١٧: ٣١)، كان بولس يقول هذا في الوقت الذي يَعْلَم فيه حق العلم أن سيرة القيامة من الأموات ستجلب استهزاء الأثينيين المستمعين، أي أنه بقوله هذا يثير عداء المجتمع أو سخريته على أقل تقدير، لكنه تكلمها ولم يَخَفْ ولم يكن حرصه على "مد الجسور" مع الأثينيين أقوى من حرصه على الشهادة للحق، تماماً كما تكلم يسوع للسامرية عن "الخلاص الذي هو من اليهود" لأن الحق أحق بأن يتبع....
بولس هذا هو الذي قال: "أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ." (غل ١: ١٠). ديوناسيوس ودامرس وغيرهما كثيرون من الذين يسمعونك احتياجهم الأكبر ليس إلى "مد جسورك" إليهم كما تتصور بل إلى الجسر الوحيد (الذي نعرفه) بين الأرض والسماء، يسوع المقام من بين الأموات! ليس احتياجهم أن تكون الخادم "الكووووول" الذي يراهم مقبولين أمام الله بشكل مشوش غير واضح الملامح في "سكة والسلام" بالضبط كما تحاول أن ترى كرنيليوس واليفاز التيماني وبلدد الشوحي، لكن حاجة مستمعيك هي أن يَصِلوا - بقيادتك - إلى السؤال: "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟"
![]() |
| خبط الحنطة - طوق النجاة الذي يحتاج إليه الناس. |
+ الهدف الوحيد لإنجيل يسوع المسيح:
"وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ." (يو ٢٠: ٣١)
يا سادة، مستمعوكم أموات يحتاجون حياةً في المسيح، فلا تشغلوا بالكم بمد جسور واهية يمكن أن تسقط في أي لحظة، لكن قدموا لهم المسيح كما قدم المسيح نفسه كطوق النجاة وكجسر بين السماء والأرض. سيبكم بقى من الترامادول الروحي والأفيون التعليمي، الذي تقنعون به انفسكم لكي تبرروا الخرس الذي يصيبكم في الوقت المطلوب منكم فيه الشهادة ليسوع المسيح.
استكمل موضوع متصل بقراءة من خرم المفتاح
#خبط_الحنطة
٢٨ يوليو ٢٠١٧ - تاريخ اول نشر في فيسبوك
اقرأ أيضاً: لبانة الاعلان العام




احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..