-->

معلومة أو خيال: بيت لحم ام الناصرة؟ طفل أم صبي؟

كل منا ترسخت في ذهنه صورة مغارة الميلاد التقليدية وفيها كل من مريم ويوسف والطفل يسوع الوليد نائم في المذود وحوله رعاة الغنم من جهة والمجوس حكماء الشرق من جهة أخرى، وأيضاً نرى في الصورة حيوانات الحظيرة في خلفية المشهد.

المشهد التقليدي لمغارة الميلاد والرعاة والمجوس يحيطون بمريم والطفل يسوع في المزود
خبط الحنطة - مشهد مغارة الميلاد.

لكن بالتدقيق في كلمة الله نجد مجموعة من الملاحظات التي قد تظهر مناقضة لصورة ميلاد يسوع التقليدية كما تناقض بعضها البعض:

١. في (لو ٢: ٢٢) نقرأ عن رحلة العائلة المقدسة الى الهيكل “لَمّا تمَّتْ أيّامُ تطهيرِها، حَسَبَ شَريعَةِ موسَى"، ونحن نفهم ان هذا حدث بعد ٤٠ يوم من ولادة الطفل الذكر طبقاً للناموس (لا ١٢: ٤ - ٨).

٢. بعدها "لَمّا أكمَلوا كُلَّ شَيءٍ حَسَبَ ناموسِ الرَّبِّ، رَجَعوا إلَى الجَليلِ إلَى مَدينَتِهِمُ النّاصِرَةِ." (لو ٢: ٣٩)، أي انهم تركوا بيت لحم بعد ٤٠ يوم من الولادة الى اورشليم ومنها الى الناصرة.

٣. لكن البشير متى في الاصحاح الثاني من بشارته يحكي لنا عن زيارة المجوس ورؤياهم "الصَّبيَّ مع مَريَمَ أُمِّهِ." (مت ٢: ١١) وسجودهم وتقديمهم الهدايا، ومن بعض التفاصيل والاحداث نستنتج ان هذا "الصبي" المعني لا يمكن ان يكون طفلاً وليداً عمره اقل من ٤٠ يوم، يعني مش ممكن يكون المجوس زاروا الطفل الوليد يسوع في بيت لحم في وقت متزامن مع زيارة الرعاة ولا حتى لاحقاً لهم بعد الولادة بأيام او حتى اسابيع.

٤. وإذا كانت العائلة المقدسة عادت الى الناصرة بعد زيارة الهيكل (لو ٢: ٣٩) فكيف يمكن أن نتصور أن زيارة المجوس كانت الى بيت لحم من الأساس؟

++ حل المعضلة من خلال فهم مستنير لنصوص البشيرين متى ولوقا؟

+ ملاحظات عامة:

١. البشارات الاربعة (على الاقل الاناجيل الإزائية الثلاثة) تم تدوينها قبل ان ينقضي الجيل الذي شهد حياة وخدمة يسوع والذي كان معاصراً للأحداث، وكانت تفاصيل القصة معروفة قبل التدوين ويتم تناقلها شفاهة بين المؤمنين في الكنيسة الاولى، وفي سعي البشيرين نحو تسجيل البشارة لم يكونوا حريصين على تسلسل زمني لما ذكروه من تفاصيل مفضلين بالأحرى ان يذكروا ما يخدم الإطار العام الذي اختاره كل منهم وطبقاً لخطة الكتابة او السياق الذي اختاره كما سيلي ذكره.

ملحوظة: ربما لوقا كان الأكثر التزاماً بترتيب زمني لرواية الأحداث طبقاً لما قاله هو بنفسه في (لو ١: ٣) "رأيتُ أنا أيضًا،.....، أنْ أكتُبَها إليكَ، يا صاحِبَ العِزّةِ ثاوفيلُسُ، حسَبَ تَرتيبِها الصّحيحِ،" (الترجمة العربية المشتركة)

٢. لازم نكون فاهمين ان كل واحد من البشيرين لم يكن يروي القصة التاريخية بكل تفاصيلها، لكن كل واحد منهم كان يريد ان يوصل "قصة الفداء الالهي" من وجهة نظر معينة ولفئة مستهدفة من جمهور القراء، لذلك انتقى كل منهم من القصة التاريخية ما يناسب وجهة النظر التي اراد التركيز عليها. 

+ نظرة سريعة على أحداث الميلاد طبقاً للبشيرين متى ولوقا.

    أ- البشير متى:

كان يخاطب جمهور من بني جلدته اليهود لذلك تركيزه كله كان منصباً على توضيح كيف ان يسوع هذا هو مسياهم المنتظر، وهو الملك ابن داود، وهو مركز نبوات العهد القديم، شيلون، والاسد الخارج من سبط يهوذا، وكما كان موسى وناموسه هما مركز العهد القديم هكذا يسوع أيضا - في تعليمه وعظمته ومعجزاته - هو ذلك "النبي" الذي اشار اليه موسى كمثيل له (تث ١٨: ١٥، أع ٣: ٢٢، أع ٧: ٣٧).

+ بناءً عليه:

 - حرص متى على ذكر رحلة المجوس الحكماء العظماء صانعي الملوك، وسؤالهم عن "ملك اليهود" وارتباك هيرودس عند سماعه هذه الاخبار، كما أن حدوث هذا في اورشليم تحديداً له مغزاه الخاص لما لأورشليم من مكانة في التاريخ المقدس وفي الفكر اليهودي.

- كذلك ذكر متى الهدايا التي قدمها هؤلاء المجوس وما تحمله من اشارات ورموز تتماشى مع الصور والاحداث والنبوات التي في العهد القديم.

- أيضاً تركيز متى على بيت لحم "مدينة داود" لما لها من مكانة في النبوات ولصلتها التاريخية بداود الملك وبعائلته الملوكية، وأيضاً لصلتها بالنبوات المسيانية (مت ٢: ٦، مي ٥: ٢). (اكتفى متى بالإشارة الى الناصرة إشارة سريعة في وقت لاحق فقط ليخدم نفس الفكرة)

    ب - البشير لوقا:

بعمق ثقافته اليونانية وبخلفيته الطبية التي لمست الضعف الانساني استهدف لوقا مخاطبة الجنس الانساني كله، الأمم من غير اليهود ممثلين في ثاوفيلس اليوناني (لو ١: ٣، أع ١: ١) لينقل لهم خبر "الانسان" كما ينبغي أن يكون "وابن الانسان" يسوع المسيح الذي تجلت فيه كل القيم والمبادئ والمشاعر الانسانية الحقيقية التي افتقدها البشر بالسقوط. وما نتج عن هذا السقوط من معاناة وألم.

+ بناءً عليه نلاحظ:

- تركيز لوقا على ذكر احداث البشارة بالميلاد المعجزي في مدينة "محتقرة" (الناصرة).

- وذكره “عناء" السفر أثناء الحمل. (اقرأ: ميلاد المسيح.. صيفاً أم شتاءًا؟)

- وبؤس الحال الذي تعرض له هذا الطفل الفادي مما ادى للولادة في مذود بقر بسبب عدم وجود مكان بالمنزل ربما بسبب ضيق ذات اليد أو حتى بسبب ان الأسرة الفقيرة لم يكن لها أولوية متقدمة حتى في وسط العائلة، وهذا هو الحال مع كثيرين من البشر.

- وأيضاً ذكر لوقا لسلسلة نسب يسوع التي تنتهي بآدم ابي البشرية.

+ نرجع لزيارة المجوس وزيارة الرعاة بين البشيرين متى ولوقا ونلاحظ التالي:

١. البشير لوقا يستخدم مصطلح "طفل" حديث الولادة عند الحديث عن زيارة الرعاة، بينما البشير متى يستخدم مصطلح "صبي" عند الحديث عن زيارة المجوس، وهذا المصطلح "صبي" يمكن ان نستنتج منه عمر أكبر من مجرد طفل حديث الولادة.

٢. زيارة المجوس جاءت بعد زيارة الرعاة بزمن كبير (سنتان في بعض التقديرات طبقاً لما ورد في مت ٢: ١٦).

٣. هيرودس سأل رؤساء الكهنة ومعلمي الشعب وعلم منهم ان المسيح من المقرر طبقاً لنبوة ميخا ان يولد "في بَيتَ لَحْمِ اليَهودِيّةِ" (متى ٢: ٥)، ولذلك نرى أن ما فعله هيرودس مع المجوس أنه “أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ" (مت ٢: ٨) لكن البشير متى نفسه لم يذكر مطلقاً ان المجوس "وصلوا" الى بيت لحم بل بدلاً من ذلك قال إن النجم بنفسه اوصلهم الى "حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ." (مت ٢: ٩)

٤. بيت لحم قريبة من اورشليم أي ان الوصول إليها لا يستغرق وقتاً طويلاً، لكن الملاحظ انه ليس في سياق النص لغوياً ما يفيد بشكل مؤكد ان المجوس وصلوا بسرعة الى موقع وجود الصبي (لو في الأصل اليوناني شيء أنا ماعرفوش أكون سعيداً لو حد فهمني)، لذلك من الممكن جداً ان تكون رحلة المجوس الى حيث كان الصبي استغرقت يومين او ثلاثة أيام وهي المدة الكافية للسفر من اورشليم الى الناصرة "فلمّا سَمِعوا كلامَ المَلِكِ اَنْصَرَفوا. وبَينَما هُمْ في الطّريقِ إذا النّجْمُ الذي رَأَوْهُ في المَشْرقِ، يَتَقَدّمُهُمْ حتى بَلَغَ المكانَ الذي فيهِ الطِفلُ (في الناصرة) فوَقَفَ فَوْقَه." (متى ٢: ٩)

٥. اتفق كثير من الشراح على أن نجم الميلاد لم يكن نجماً عادياً مرتفعاً في السماء لكنه كان ظاهرة فلكية مختلفة فريدة وقريبة من الأرض بحيث أمكن للمجوس ان يتبعوه حتى وصلوا بواسطته الى مكان الصبي حيث وقف النجم فوقه، الأمر الذي لم يكن ممكناً لو انه نجم عادي.

(انقر هنا لتتابعنا)

صورة المجوس يقفون أمام الملك هيردس الجالس على كرسي عرشه
خبط الحنطة - هيرودس والمجوس

+ سيناريوهات مقترحة:

من اجل التمسك بفكرة ان زيارة المجوس تمت في بيت لحم اقترح المفسرون عدة سيناريوهات لما حدث، منها:

١. ان العائلة المقدسة عادت الى بيت لحم بعد زيارة الهيكل (في لوقا ٢) واستمرت فيها مدة أطول بحيث تمت زيارة المجوس أثناء بقائهم هناك لكن لوقا البشير أغفل ذكر تلك الفترة من روايته طبقاً لهذا السيناريو لعدم وجودها في قائمة اولوياته.

٢. ان العائلة المقدسة عادت الى بيتها في الناصرة لكنهم استمروا في العودة لزيارة الأهل في بيت لحم بشكل دوري (بالتزامن مع زيارة اورشليم في الأعياد مثلاً)، وان زيارة المجوس حدثت أثناء إحدى هذه الزيارات لبيت لحم.

٣. التالي هو السيناريو المرجح لدي شخصياً والاقرب لفهم النص بأقل قدر من الاجتهادات التفسيرية يسير حسب الترتيب التالي:

 أ) بعد ان انتهى يوسف ومريم من طقوس تطهيرها وتقديم الطفل يسوع في الهيكل، عادت العائلة المقدسة الى الناصرة محل سكنهم الدائم “وَلَمَّا أَكْمَلُوا كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ نَامُوسِ الرَّبِّ، رَجَعُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى مَدِينَتِهِمُ النَّاصِرَةِ." (لو ٢: ٣٩).

 ب) لما حضر المجوس الى اورشليم (بعد سنتين مثلاً) سأل هيرودس عن المكان "المقرر" لميلاد المسيا طبقاً للنبوات، ولما عرف من "رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب" (مت ٢: ٤) عن بيت لحم أطلق المجوس موجهاً اياهم هناك.

ج) المجوس بعد خروجهم من اورشليم لم يتجهوا الى بيت لحم حيث تشير نبوات الميلاد وحيث ارسلهم هيرودس،  لكن "إِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ" (مت ٢: ٩) حيث كان قد اختفى بعد رؤيتهم السابقة له في المشرق "فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا." وهو الذي استرشدوا به وساروا خلفه "حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ." يسوع فعلاً وقتها في ناصرة الجليل (مت ٢: ١٠). إذن، فقد كانت زيارة المجوس في الناصرة وليس في بيت لحم.

د) هذه التطورات الجديدة لم يكن هيرودس على علم بها وما كان أمْرُه بقتل أطفال بيت لحم الا بناءً على آخر ما وصله من معلوماته بخصوص النبوة والتي بناءً عليها أعطى ارشاداته للمجوس.

+ هنا نفترض اعتراضين ونجيب عنهما:

الأول: لماذا خاف يوسف على الطفل مما حدا به الى الهرب لمصر؟ لم يكونوا ساكنين في اليهودية بل في الجليل، فلماذا الخوف؟

والإجابة بسيطة، لأن هيرودس الكبير ظل حاكماً لكل المنطقة، اليهودية وادومية والسامرة والجليل والعشر مدن، أي ان الجليل كان يقع ضمن نطاق نفوذه، ولم يتم تقسيم هذه المناطق على ابنائه الا بعد موته، وهذا ما يفسر هروب يوسف بالطفل يسوع الى مصر رغم انهم لم يكونوا مقيمين في اليهودية وقتها.

والثاني: لماذا لم يرسل هيرودس جواسيس خلف المجوس ليتأكد من خط سيرهم؟

والجواب كما يبدو بسيط، فقد كان هيرودس متأكداً تماماً من ذهاب المجوس إلى بيت لحم حيث أنه هو بنفسه أرشدهم بناءً على قراءة رؤساء الكهنة والكتبة لنبوة ميخا. لم تهتز قناعته بصدق النبوة فلماذا يشك في تغير المكان؟! كما ان ارسال الجواسيس خلف المجوس ربما يلفت نظرهم ويقلقهم من جهته حيث كان يرغب في عودتهم اليه بالتفاصيل.

++ الخط الزمني لميلاد المسيح (مقترح):

أفضل طريقة لفهم أحداث الميلاد والظروف المحيطة به هو رسم خط زمني نرتب به هذه الأحداث ونربطه بالشواهد الكتابية في البشارتين حسب متى ولوقا بما يحل تناقضات بيت لحم والناصرة:

١. بشارة الملاك لزكريا وحبل أليصابات - اورشليم وحبرون. (لو ١: ٥ - ٢٥).

٢. بشارة الملاك للعذراء مريم - الناصرة. (لو ١: ٢٦ - ٣٨)

٣. الملاك يظهر ليوسف في حلم - الناصرة (مت ١: ١٨ - ٢٥).

    زيارة مريم لأليصابات - حبرون (لو ١: ٣٩ - ٤٤).

٤. ميلاد يوحنا المعمدان - حبرون (لو ١: ٥٧ - ٦٦).

٥. رحلة الاكتتاب وميلاد يسوع - من الناصرة الى بيت لحم (لو ٢: ١ - ٧).

٦. الملائكة والرعاة وزيارة الرعاة للمذود - بيت لحم (لو ٢: ٨ - ٢٠).

  ظهور النجم للمجوس وبداية رحلتهم - مكان ما في بلاد فارس. (مت ٢: ٢)

٧. ختان الطفل يسوع في اليوم الثامن - بيت لحم (لو ٢: ٢١).

٨. تقديم يسوع في الهيكل وطقوس تطهير أمه - اورشليم (لو ٢: ٢٢ - ٣٨).

٩. عودة الأسرة الى الناصرة. (لو ٢: ٣٩).

١٠. وصول المجوس ومقابلتهم لهيرودس - أورشليم (مت ٢: ١ - ٨)

١١. ذهاب المجوس لمشاهدة الصبي يسوع وتقديم الهدايا ثم انصرافهم الى بلادهم دون العودة إلى اورشليم - الناصرة (مت ٢: ٩ - ١٢)

١٢. هرب العائلة المقدسة الى مصر - الناصرة - مصر. (مت ٢: ١٣ - ١٥)

١٣. قتل أطفال بيت لحم بناءً على معلومات هيرودس القديمة. (مت ٢: ١٦ - ١٨)

١٤. عودة العائلة المقدسة الى الناصرة. (مت ٢: ١٩ - ٢٣).

#خبط_الحنطة

٢٤ ديسمبر ٢٠٢٠ – تاريخ النشر في فيسبوك.

اقرأ أيضاً:

شخصية على هامش الميلاد - هيرودس

العهد مع داود لكن العلامة للرعاة

وجدت داود رجلاً حسب قلبي - عبارة مفهومة غلط

تعالوا نفهم: ثامار.. ابنة من وأخت من؟

الأطفال الكبار ومعجزة يونان.

سلسلة: معلومة أو خيال بيت لحم ام الناصرة؟ طفل أم صبي؟
تعليقات