في
مجتمعاتنا الشرقية، أكثر ما يشغل بال الآباء هو بذل غاية الجهد وأن يشقوا لسنوات
طوال ليُحَصِّلوا بالعرق والدم ما نسميه "تأمين مستقبل الأبناء"،
فالمقتدر مادياً يبحث عن ضمان مادي للأولاد بممتلكات أو سيولة نقدية، والذي يكون
أقل قدرة يبحث عن تسليحهم بالدرجات العلمية أو بتأمين وظائف أو أعمال تدر عليهم
دخلاً يناسبهم، والذي ينجح منا في مهمته هذه ينتابه شعور بالرضا وبأنه قد أدى ما
عليه من واجب.
|
| خبط الحنطة - العشاء الرباني والصعود |
لماذا نحزن في الفصح؟
في ذكرى أسبوع الآلام اعتادت كنائسنا على تقاليد لإحياء ذكرى احداث الصليب وما قبله وما بعده، هذه التقاليد تراكمت على مر السنين للدرجة التي فيها أصبح من الصعب علينا تخيل خلو هذا الأسبوع من أي منها، وللمفارقة نستطيع ملاحظة أن هذا أصبح سائداً حتى في الكنائس الغير تقليدية، إجراءات واجتماعات وترنيمات وتأملات أصبحت مرسومة بدقة ويحافظ عليها أصحابها بأقل قدر من التعديل أو التنوع (وانا هنا لا أكتب لغرض الاعتراض بالمناسبة). ولأنه أسبوع "الآلام"، لذلك لا تحتاج لأي نوع من الذكاء لملاحظة ان الطابع العام الغالب على فعاليات الأسبوع مأخوذ من اسمه فتكون مشوبة بالحزن والقتامة سواء في العظات أو القراءات بل حتى الترنيمات تكون مكسوة بمسحة الحزن الغالبة على كل شيء، وهي مفارقة عجيبة حيث أننا تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أنه "أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ" (يع ٥: ١٣).
لا أدري لماذا أجدني اليوم راغباً في التمرد على هذا التقليد؟ ولا أدري لماذا اختلط في بالي
مشهد علِّيّة الفصح في يوم الخميس مع مشهد مأخوذ مما تخيلته في أول هذا المقال، أي مشهد الأب الذيي يجمع أبناءه حوله ليوصيهم وقد "أمَّن" مستقبلهم فلم يعد هناك ما يقلقهم
من جهة هذا المستقبل. لقد بذل الغالي والرخيص من أجل هذه الغاية وقد توصل اليها
بالفعل وانتهى الأمر، وها هو فقط يوصيهم من جهة المستقبل وكيف يتذكرون خلاله صنيعه
من أجلهم.
الملفت
للنظر في قراءة النصوص أن الرب تعامل "يوم الخميس" مع الصليب كأنه قد
أصبح واقعاً انتهى وأصبح ملموساً بالفعل رغم أنه لم يكن قد حدث بعد حتى تلك اللحظة
"هذَا
هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ" (١كو ١١: ٢٤)، وكأن هذا تدريب عملي لتلاميذه على ما كان على وشك البدء في الأيام
التالية والذي سيستمر كروتين عادي في حياتهم إلى ما شاء الله.
الملفت
للنظر أيضاً كيف أن الرب استغل يوم الفصح تحديداً لهذا الهدف، وتقدر ترجع لمقالنا:
لماذا
الفصح وليس أي ذبيحة أخرى علشان شوية تفاصيل، المهم أن يوم الفصح في العادة
يكون يوماً "احتفالياً" بهيجاً يتم فيه تجمُّع الأسر حول بعضها حيث
يأكلون ويشربون ويقصُّون على بعضهم قصة الخلاص من عبودية مصر والانطلاق إلى
الحرية، وحيث يرنمون ترنيمات الخلاص وتسبيحات النصرة (مز ١١٣ إلى ١١٨)، هذا كله فعله
يسوع في تلك العشية مع تلاميذه وكأنه يدشن لهم ولنا من بعدهم استكمال احتفالات فرح
ونصرة الفصح الجديد على حساب ما قام به من فداء غالي وثمين. (اقرأ أيضاً: يسوع على الصليب الآن).
فرح أسبوع الآلام
وفي الحقيقة،
لقد كان هذا دَيْدَن الرب يسوع منذ البدايات الأولى، لأنه ما من مرة أخبر فيها تلاميذه
عن آلامه وموته وتركهم في حزن، بل دائماً ما كان يلحق كلامه بالرجاء والفرح
المنتظر لكيلا يتوقفوا عند عذاب الآلام وحزن الموت، فالموت لن يكون النهاية حيث أنه
سيقوم في اليوم الثالث: «إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيرًا،
وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ،
وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ» (لو ٩: ٢٢).
انظروا هذا المشهد أيضاً ونفس التوجه يسيطر عليه: "٢٠اَلْحَقَّ
الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ
يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ، وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى
فَرَحٍ.٢١اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ
جَاءَتْ، وَلكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ
لِسَبَبِ الْفَرَحِ، لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي
الْعَالَمِ.٢٢فَأَنْتُمْ كَذلِكَ، عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلكِنِّي
سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ
مِنْكُمْ" (يو ١٦: ٢٠ – ٢٢).
من هذا المشهد السابق، سامحني معلش في سؤال ساذج: أثناء الاحتفال
بعيد ميلادك، وهابي بيرث داي تو يووووو!! عيد ميلاااااد سعيييييد.... مش كان يصح برضه تغني أغنية حزينة كنوع من المشاركة الوجدانية لوالدتك بسبب آلام
ولادتها لك؟!!! أليس هذا ما نفعله ليسوع في أسبوع الآلام؟!!!
آباء اجسادنا يؤدون أدوارهم في حياتنا ثم يفارقونا إلى أجل غير
مسمى فيحق لنا عندها أن نحزن لأجلهم، لكن شوف ماذا فعل هذا الأب المحب - أو الأخ
البكر (رو ٨: ٢٩) إن شئنا تحري الدقة - جمع أبناءه يوم الخميس ليوصيهم قبل أن يموت
في اليوم التالي "الجمعة"، لكن للمفارقة نجده يجمعهم مرة أخرى بعد ٦ أسابيع فقط حيث يقول لهم: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى
انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت ٢٨: ٢٠).
افرحوا أحبائي فنحن أبناء المسيح المقام "لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ!"
(مت ٢٨: ٦)...
المسيح قام... بالحقيقة قام..
احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..