-->

المرأة السامرية - دراسة حالة

يوحنا ٤: ١ - ٤٢

كل ما ذكرته البشائر الأربعة عن الحوارات الفردية للرب يسوع كانت نادرة، وما ورد منها كان لقاءات سريعة وعابرة وليست بالأحاديث المطولة، وبخلاف حوار موضوعنا اليوم، نجد الحوار الفردي المطول الوحيد كان مع نيقوديموس (في الأصحاح السابق يوحنا ٣) والذي كان قد سعى بنفسه الى الرب يسوع متعمداً وفي الخفاء، بينما نرى هنا أن الرب يسوع نفسه هو من سعى شخصياً إلى هذه المرأة السامرية في لقاء فردي كان فريداً في نوعه ويحمل لنا الكثير من الدروس في العمل الفردي وتحديداً مع هذه النوعية من الناس. [رغم أن الخادم هنا هو المستهدف الأساسي في دراستنا لكيفية التبشير الفردي، لكن لا يمنع أن تجد اسلوب الخطاب فيما يلي يتضمن المخدوم أيضاً]

كادر الصورة يظهر فقط أيدي وأرجل شخصين يجلسان متواجهين فيما يبدو انه قطار، وكل يمسك بالكتاب المقدس للمناقشة.
خبط الحنطة - المرأة السامرية - دراسة حالة

خلفية تاريخية عن السامريين

(٢أخبار ١٧، عزرا ٤، نحميا ٤)

 ١. بعد سبي السامرة وعشرة اسباط المملكة الشمالية على يد شَلْمَنْأَسَر الملك الأشوري (٢ملوك ١٧: ٣)، والذي تم في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد (٧٢٢ ق.م)، جاء آسَرْحَدُّون إبنه (عزرا ٤: ٢) بشعوب من مدن اشورية مختلفة وأسكنهم في أرض السامرة، فتزاوجوا مع بقايا اسباط إسرائيل الباقين في تلك الأماكن.

٢. كانت عبادات هذه الشعوب هي عبادات الآلهة الوثنية التي عبدوها في بلادهم الأصلية، إلى أن جاء من علمهم شريعة الرب (من نسخة الأسفار الموسوية الخمسة)، فزاوجوا بين كل تلك العبادات المختلفة (للرب وللأوثان)، إلى أن استقر الأمر بهم على ما يمكن أن يسمى "عبادة للرب يهوه" لكن في نسخة خاصة بهم تختلف عما عند يهود المملكة الجنوبية.

٣. عند عودة سبي يهوذا إلى اورشليم بعد السبي، حاول السامريون مشاركة اليهود في عملية إعادة بناء هيكل الرب بدعوى أن لهم نفس الحق الذي لليهود، لكن اليهود رفضوا، مما دفع الأمور في اتجاه نمو العداء بين الطرفين، ولنا في سفري عزرا ونحميا مشاهد متعددة صورت لنا هذا الصراع.

٤. زاد الطين بلة ان كاهنا اسمه منسى وهو ابن رئيس الكهنة طرده "نحميا" من خدمة الرب بسبب زواجه من ابنة سنبلط الوالي الذي في السامرة (نحميا 13: 28)، هذا الرجل لما طُرد لجأ للسامريين وهناك استصدر تصريحاً من الملك الفارسي ببناء هيكل خاص بالسامرين فوق جبل جرزيم، وفعلا قام بالبناء وأصبح هو رئيس كهنته، وقام السامريون بالذبح في هذا الهيكل والعبادة في اتجاهه أينما كانوا، وهكذا هم استبدلوا هيكلهم هذا على جبل جرزيم بهيكل الرب اليهودي الذي في اورشليم. (يوسيفوس يقول ان الاسكندر الأكبر كان الحاكم وقتها لكن توقيت يوسيفوس متأخر حوالي قرن عن نحميا الذي عاصره "منسى' هذا - انظر نحميا ١٣: ٢٨).

خريطة تظهر المملكتين (الشمالية والجنوبية) اللتين انقسمت بينهما المملكة بعد سليمان وحتى السبي الأشوري للمملكة الشمالية.
خبط الحنطة - مملكتا اسرائيل ويهوذا حتى السبي الأشوري (٧٢٢ ق.م.)

٥. كان السامريون (ومازال بقيتهم الذين يعيشون في مدينة نابلس) ينظرون إلى الديانة اليهودية على انها هي الديانة المحرفة (!!!)، وأن طريقة عبادتهم هم ونسختهم التوراتية هي النسخة الصحيحة.

٦. في حوالي ١٢٨ ق. م. قام يوحنا هركانوس  من زعماء اليهود من الأسرة الحشمونية (اقرأ عنهم في مقالنا عن: فترة ما بين العهدين) بالهجوم على السامرين وقام بتدمير هيكلهم هناك، فلم يبنى بعدها ابداً، ورغم ذلك مازالوا إلى اليوم يتعبدون للرب بنفس طريقتهم. ويتوجهون اثناء صلواتهم صوب موقع هيكلهم على جبل جرزيم.

علاقة سوخار بيعقوب ويوسف

سأكتفي هنا بذكر الآيات الكتابية التي توضح هذه العلاقة ولو هناك شيء غامض تقدر تسألني في تعليق هنا أو في وسائل التواصل الاجتماعي:

"فَأَتَى (يسوع) إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ، بِقُرْبِ الضَّيْعَةِ الَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ ابْنِهِ." ع٥

"وَابْتَاعَ (يعقوب) قِطْعَةَ الْحَقْلِ الَّتِي نَصَبَ فِيهَا خَيْمَتَهُ مِنْ يَدِ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ بِمِئَةِ قَسِيطَةٍ." (تكوين ٣٣: ١٩)

يعقوب مخاطباً يوسف: "وَأَنَا قَدْ وَهَبْتُ لَكَ سَهْمًا وَاحِدًا فَوْقَ إِخْوَتِكَ، أَخَذْتُهُ مِنْ يَدِ الأَمُورِيِّينَ بِسَيْفِي وَقَوْسِي" (تكوين ٤٨: ٢٢)

"وَعِظَامُ يُوسُفَ الَّتِي أَصْعَدَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ دَفَنُوهَا فِي شَكِيمَ، فِي قِطْعَةِ الْحَقْلِ الَّتِي اشْتَرَاهَا يَعْقُوبُ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ بِمِئَةِ قَسِيطَةٍ، فَصَارَتْ لِبَنِي يُوسُفَ مُلْكًا." (يشوع ٢٤: ٣٢)

دروس من المرأة السامرية

 ++ الدرس الأول: ضرورة تفرضها المحبة

"وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ." (يوحنا ٤: ٤)

"لابد":

لم يكن محتماً أن يمر الرب بالسامرة، فقد كان هناك دائماً الطرق البديلة سواء من شرق الأردن أو من أقصى الغرب والتي سلكها اليهود دوماً لتفادي المرور بالسامرة، والرب يسوع سلك تلك الطرق البديلة مرات عديدة كغيره من اليهود. أنظر إحدى هذه المرات:

 "وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذَا الْكَلاَمَ انْتَقَلَ مِنَ الْجَلِيلِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ." (متى ١٩: ١)، [انظر المسارات رقم ٢ و٣ على الخريطة]

خريطة توضح خبط الحنطة - موقع شكيم وجبل جرزيم الذي بنى عليه السامريون هيكلاً لهم، والمسارات التي سلكها اليهود لتفادي المرور بالسامرة
خبط الحنطة - موقع شكيم وجبل جرزيم والمسارات التي سلكها اليهود لتفادي المرور بالسامرة

لكن في هذه المرة تحديداً (يوحنا ٤) نرى البشير يقول إن يسوع كان "لابد" له أن يجتاز السامرة، الانجيل يكلمنا هنا عن "ضرورة" أو "حتمية" لكنها ليست ضرورة جغرافية أو اقتصادية او قومية أو أي شيء آخر، لكنها ضرورة/حتمية فرضتها محبة الرب لشعب هالك يعيش في ظلمة لقرون طويلة ويحتاج لمن ينير له الطريق، وقد جاء الوقت الذي فيه تصل رسالة الخلاص إليه.

الرسول بولس تكلم عن نفس هذا النوع من "الضرورة" حين قال: "لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُبَشِّرُ فَلَيْسَ لِي فَخْرٌ، إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ." (١ كورنثوس ٩: ١٦)

"١٤إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ، لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاَءِ.١٥فَهكَذَا مَا هُوَ لِي مُسْتَعَدٌّ لِتَبْشِيرِكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا،" (رومية ١: ١٤، ١٥).

+ الدرس الثاني: من اجل فرد واحد

"وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ." (يوحنا ٤: ٦)

- تبعاً لنظام التوقيت الذي اتبعه إنجيل يوحنا، الساعة السادسة تكون منتصف النهار (ما يعادل ١٢ ظهراً بنظامنا الحالي)، ولو افترضنا أن الرب بدأ رحلته من بداية اليوم في السادسة أو السابعة صباحاً، فهذا يعني أنه كان قد سار على قدميه ٥ أو ٦ ساعات حتى وصل إلى البئر، وبحساب الكيلومترات: يكون الرب قد قطع بين ٢٥ إلى ٣٠ كيلومتر سيراً على الأقدام.

- لاحظ أن الرب ترك اليهودية لأن صيته اتسع هناك وأصبح ينضم اليه من التلاميذ أكثر مما كان يوحنا المعمدان يتلمذ (انظر يوحنا ٤: ١)، يعني الرب ترك حقلاً كبيراً مثمراً يضم كثيراً من "المريدين" وسار نصف نهار كامل لكي يلتقي بفرد واحد، ومن هنا نعلم أن للفرد قيمة كبيرة في نظر الرب ويستحق كل الاهتمام بما لا يقل عن اهتمامه بالجموع الغفيرة. لكن أيضاً وبشيء من الفحص، نتبين أن هذا الشخص لم يكن مجرد فرد عادي، بل تلك المرأة كانت في الواقع ممثلة لجنس كامل من البشر لم يكن حتى تلك الساعة قد لقي اهتماماً من أحد، بل على العكس كان جنساً مرفوضاً مرذولاً من كل جنس اليهود منذ غزو آسرحدون. هذه المرأة كانت المدخل للمدينة كلها بل وكانت بداية دخول الجنس السامري كله إلى حظيرة الملكوت بعد أن كان محرماً عليهم الاقتراب طوال سبعة قرون كاملة.

(انقر هنا لتتابعنا)

- هذا هو قلب الرب راعي الخراف العظيم الذي لم يبخل بجهده على فرد واحد مقارنة بجموع كثيرة من البشر. هل يذكرنا هذا بالراعي الذي ترك ٩٩ خروفاً في الحظيرة ليذهب يفتش عن خروف ضال واحد؟

صورة للرب جالس على البئر والتلاميذ في خلفية الصورة ذاهبون ليبتاعوا الطعام.
خبط الحنطة - جلس الرب على البئر والتلاميذ ذهبوا للمدينة ليبتاعوا طعاماً.

- لاحظ أيضاً أن الرب حرص أن يكون وحده عندما تصل المرأة، لأن الاثني عشر تلميذاً جميعهم "كَانُوا قَدْ مَضَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبْتَاعُوا طَعَامًا" (يوحنا ٤: ٨)، ورغم أن واحداً أو إثنين منهم كانا يكفيان لمهمة التسوق هذه، لكن الرب حرص ألا يكون أحدهم موجوداً عندما تصل المرأة (تذكر أن تلميذين فقط كانا كافيين لإعداد وليمة الفصح للمجموعة كلها في لوقا ٢٢: ٨).

+ الدرس الثالث: تواصُل المحبة:

"فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً، فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَعْطِينِي لأَشْرَبَ»" (يوحنا ٤: ٧)

الرب يسوع جالس على البئر والسامرية واقفة تتحاور معه ممسكة بجرتها.
خبط الحنطة  - يسوع والسامرية على البئر

- بغض النظر عما قيل من أسباب عن خروج المرأة لتستقي في تلك الساعة من النهار، وعن احتياجاتها سواء مادية أو نفسية أو عاطفية، لكنها كانت في ذلك اليوم على موعد مع حياة جديدة، لذلك لا تستهن بأمورك العادية التي تقوم بها كل يوم، فالرب في انتظارك وسط هذه الأمور العادية، ولا يوجد شيء اسمه مصادفة، لكن خطة الله لك تتم في وسط ما يمكن أن يسمى مصادفات.

- أيضاً كمؤمن على قلبك الوصول للآخرين، لا تستهن بمن تلتقيهم في وسط أحداث يومك، زملاء وجيران وأصدقاء ومعارف من كل شكل، حتى من تجلس بجانبه في القطار أو الطائرة، بالنسبة لك هو فرصة جديدة مرسلة لك حيثما انت لتوصيل رسالة خلاص المسيح.

- «أَعْطِينِي لأَشْرَبَ» كانت بداية الحوار، ربما كان عنده حاجة فعلية للماء ليشرب بعد ارهاق السفر والمشي، وقد تكون مجرد مبادرة لبداية الحوار، لكنها كانت بداية حكيمة على كل حال. أحيانا ما يبادرنا الآخرون بالحوار، وأحيانا ما نحتاج لأن نبادر نحن بفتح حوار معهم، وفي أي من الحالتين نحتاج أن نطلب حكمة من الرب لنقدم الكلام المناسب في الوقت المناسب.

يقول الرب لتلاميذه ولنا جميعاً "فَمَتَى سَاقُوكُمْ لِيُسَلِّمُوكُمْ، فَلاَ تَعْتَنُوا مِنْ قَبْلُ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ وَلاَ تَهْتَمُّوا، بَلْ مَهْمَا أُعْطِيتُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَبِذلِكَ تَكَلَّمُوا. لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلِ الرُّوحُ الْقُدُسُ." (مرقس ١٣: ١١).

++ الدرس الرابع: عقبات على طريق الكرازة

+ العقبة الاولى: الاختلاف والعداوة:

"فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ: «كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟» لأَنَّ الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ." (يوحنا ٤: ٩)

يجب ان تكون مدركاً أن الشخص الذي تقابله يعلم جيداً أنك مختلف عنه، ودائما هذا الاختلاف واضح أمام عينيه حتى لو لم يشر اليه أحد صراحةً. الرسول يوحنا يقول إن "أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ......" (١يوحنا ٣: ١٠)، والرسول يتكلم عن نفسه وعن غيره من الرسل – وأظن كلامه يصلح أن ينطبق على كل المؤمنين - قائلاً: "صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ." (١كورنثوس ٤: ٩)

والاختلاف ليس مشكلة، لكنه يصبح مشكلة عندما يصبح "عداوة"، والرب بدأ بنفسه في الصليب بتمهيد الجو المناسب للسلام وتنحية العداوة جانباً حتى أن التعبير الكتابي المستخدم في منتهى القوة هو "قتل العداوة":

"١٦وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ." مما مهد الطريق أمام التبشير بالسلام للطرفين الذين كان بينهما عداوة "١٧فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ." (أفسس ٢: ١٦، ١٧)، فكلنا خطاة محتاجين للغفران في الصليب لنقترب إلى الله، وليس لأحدنا امتيازٌ على الآخر.

صورة طاولة اجتماعات والفريقان واقفان على الجانبين ويتصافحان فيما يبدو انه اتفاق قد ابرم.
خبط الحنطة - صنع سلاماً وقتل العداوة

تبعاً لذلك نرى الرب ينبهنا: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ." (رومية ١٢: ١٨)، ونحن لا نثير عداوة مع أحد، بل – على العكس -  إن كانت شهوة قلوبنا أن يثمر الله فينا، فالسلام هو المناخ الوحيد الذي يصلح أن يزرع فيه البر "وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلاَمِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلاَمَ." (يعقوب ٣: ١٨)، ومن أجل ذلك، ينبغي ان نحافظ على علاقة طيبة وجيدة مع الجميع "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ" (عبرانيين ١٢: ١٤)

+ العقبة الثانية: وهم الاستغناء:

"أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا»" (يوحنا ٤: ١٠).

أكبر عقبة تحجب عمل الله من أن يكون له فاعلية مع هذه النوعية من البشر هو هذا الوهم أنه مستغنٍ ولا حاجة له لأحد أو لشيء، البعض يعتمد على المال، أو العزوة والأبناء، والبعض يوهمه الحصول على قسط وافر من العلم بأنه قد بلغ المراد من رب العباد، لكن أكثر ما يعمي النفوس فعلاً عن إدراك حاجتها للمسيح هو الدين في أُطُرِه المألوفة من طقوس وفرائض وأشكال مختلفة من العبادات، خصوصاً في الحالات الشبيهة بهؤلاء السامريين (كما سنرى لاحقاً)، والصورة المعبرة عن هذا الواقع رسمها الرب نفسه عندما صور ذلك الفريسي معبراً في صلاته عن هذا الوهم: "١١اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ.١٢أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ". (لوقا ١٨: ١١، ١٢)، كما وصف الرب بنفسه فريقاً مشابهاً في خطابه إلى ملاك كنيسة لاودكية: "لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ." (رؤيا ٣: ١٧). 

لذلك، عندما تقدم رسالة "خلاص المسيح" للمحتاج إليها، هناك من يقفز إلى ذهنه هذا الوهم الغبي أن هذا الفريق أو ذاك يسعى لاكتسابه إلى صفه، فيلكس الوالي خاطب بولس «أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ» (أعمال ٢٤: ٢٥)، وأغريباس الملك قال لبولس «بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا» (أعمال ٢٦: ٢٨) [بعض الآراء تقول أن أغريباس تصور أن بولس يريد أن "يسحبه" إلى فريقه، أي ذلك الفريق المضطهد المحتقر المسمى "مسيحيين"].. (اقرأ أيضاً عن: الكبرياء).

ولكل هؤلاء يصرخ صوت الرب بكل جلاء: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا»، في الحقيقة، ورغم سعيه إليك، لكن أنت المحتاج إلى المسيح وليس هو الذي في حاجة إليك. لأن كل البدائل الخادعة تلك لا تروي ظماءً ويظل صاحبها في جفاف مميت، والحل هو في الماء الحي الذي يهبه الرب بروحه، الذي يحيي الميت، ويجعله طيِّعاً وقابلاً لعمل الله فيه.

+ العقبة الثالثة: سؤال الكيفية

مشكلة تقف أمام الكثيرين لبعض الوقت وربما لكثير من الوقت، وهي:

كــــــــــــــيف؟

"١١قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟١٢أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟»" (يوحنا ٤: ١١، ١٢)

اذن، هذه هي العقبة الثالثة التي تعطل المرأة عن قبول رسالة الرب لها ببساطة، سؤال المرأة هنا عن الكيفية: كيف؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟ وفي العادة، الأقرب إلى اذهاننا إجابةً لهذا السؤال هو دائماً المألوف بالنسبة لنا كبشر في هذا الشأن، فنفس هذا السؤال سأله نيقوديموس من قبلها:

 "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟"

وبما أن نيقوديموس انسان بشري مثلنا كلنا، لذلك نراه يضع التصور الأقرب لخياله:

"أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟" (يوحنا ٣: ٤)

لكن إجابة الرب على سؤال "الكيف" من نيقوديموس كان يحمل بكل بساطة معنى ألا يشغل نيقوديموس نفسه بالكيفية، "اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ." (يوحنا ٣: ٨)

التلاميذ أيضاً أصابهم إحباط عندما وقفت أمامهم عقبة "الكيفية" هذه لما رأوا انه لا أمل إطلاقاً لأحد في دخول ملكوت السماوات، هذا حصل عندما صدمهم الرب بأن "دُخُولَ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!»."، وكانت نتيجة احباطهم أن قالوا "فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟"، وكان سبب هذا الإحباط هو تلك النظرة البشرية المحدودة "للكيفية" التي تصوروها. لكن كما حصل مع نيقوديموس، أفهمهم الرب ان لله طرقاً لا نقدر عليها ولا يدركها أو يستوعبها الناس: «غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ». (لوقا ١٨: ٢٥ - ٢٧)

في مخيلة السامرية إذن أن الله لا يمكن أن يعمل إلا بنفس طريقتنا وبنفس مصادرنا ووسائلنا، وهي استشهدت بتراث قديييييييييم من الخبرات المتراكمة منذ "أَبِينَا يَعْقُوبَ"، وكلها تُوَجِّه إلى نفس الكيفية: فهي عند الحاجة للماء تخرج إلى البئر وتنزل الدلو فيه لتملأ ثم ترجع إلى بيتها حاملة جرة الماء، لذلك كان لابد للرب أن يوجه نظرها إلى أن طرق الله ليست مثل تلك التي للناس، وطبعاً لم يُغفِل أن يعرفها أنه هو شخصياً "المسيا" أي أنه ليس كباقي الناس.

صورة نبتة خضراء خارجة من بين حجارة حائط صخري
خبط الحنطة - لا تهتم بالكيف بل استقبل المعجزة.

كمتلقٍ لكلام الرب ومستقبلٍ لهباتِه، تحتاج أن تتخلص مما هو عالق بذهنك مما يربطك بالماضي وبالخبرات السلبية والتعاليم التي كبلت ذهنك وروحك عن الانطلاق إلى "حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ" (رومية ٨: ٢١) التي يعلنها لك المسيح. دعك من التحفظات واقبل ما يتكلم به الرب إلى قلبك وتجاوب معه فتجد راحة وسلام لن تنالهما إلا لو فعلت هذا.

بتعبير آخر، استقبل معجزة منه!

دعك من التعاليم الناموسية (التراثية) التي تم برمجتك عليها:

أن تتمسك بتراث بالي من الآباء والأجداد (أبينا يعقوب هنا).

 أو

أنك تحتاج – مثلاً - ان تُقَطِّع نفسك في الصلوات والصيامات وأن تعطي كل ما بجيبك من أموال في شكل صدقات لكي تكون مَرْضيّاً لدى الله. (وهي أمور حسنة ولكن ليست جوهرية على الإطلاق)

وكثير من الأمور النمطية التي آمن بها الناس وتداولوها.

وتذكر أن الفريسي كان الأكثر التزاماً بمثل هذه الأمور من جاره العشار، ومع ذلك نزل العشار إلى بيته مبرراً دون الفريسي، الأمر الذي لم يكن ليخطر على بال إنسان من مستمعي الرب في تلك الساعة (لوقا ١٨: ١٠ - ١٤).

++ الدرس الخامس: هؤلاء يحتاجون المسيح:

وانت يا من تهتم بالناس وترغب أن توصل لهم البشرى السارة والحياة الابدية، ستقابلك كثير من هذه الشخصيات:

فهناك مثلاً أسير تراثه الشخصي والقومي والديني، الذي أصبح الله بالنسبة له محصوراً في قالب سياسي أو ديني معين، بل إنه حتى يتصور الله يقبل الناس فقط بأنماط معينة، ماذا يحب؟ وماذا يكره؟.... كما تجد ذلك الشخص الذي يصعب عليه أن يستوعب بسهولة كيف يمكن لله سبحانه أن يتجسد وهو المتعالي البعيد عن الناس...... الخ.

كل هؤلاء يحتاجون المسيح الفريد.. الذي لا يقدم ما يقدمه الناس، ولا يخضع لمنطقنا البشري ولا لترهات العقائد الدينية، يحتاجون فقط لأن تنفتح عيونهم على المسيح "اللي مش أي حد" ولا مثل باقي الناس، والذي لا تعوزه الحيلة متى أراد تغيير البشر.

++ الدرس السادس: قدِّم اللؤلؤة الثمينة

"أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا»....... ١٣أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا.١٤وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ»." (يوحنا ٤: ١٠، ١٣، ١٤)

- الرب يعلم جيداً قيمة ما عنده بالمقارنة مع ما يعطي العالم "لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا." (يوحنا ١٤: ٢٧)، "١٨عِنْدِي الْغِنَى وَالْكَرَامَةُ. قِنْيَةٌ فَاخِرَةٌ وَحَظٌّ.١٩ثَمَرِي خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ وَمِنَ الإِبْرِيزِ، وَغَلَّتِي خَيْرٌ مِنَ الْفِضَّةِ الْمُخْتَارَةِ.٢٠فِي طَرِيقِ الْعَدْلِ أَتَمَشَّى، فِي وَسَطِ سُبُلِ الْحَقِّ،٢١فَأُوَرِّثُ مُحِبِّيَّ رِزْقًا وَأَمْلأُ خَزَائِنَهُمْ." (أمثال ٨: ١٨ – ٢١)، حتى نيره هين وحمله خفيف (متى ١١: ٣٠).

- أيضاً شهادة اختبارنا تصرخ بأننا محاطين بـ"تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ" (متى ١٥: ٩)، وانها ْفَلْسَفَات ما أنزل الله بها من سلطان، "وَغُرُور بَاطِل حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ" (كولوسي ٢: ٨).

لذلك، كخادم وكشاهد يجب أن تظل مؤمنا أن ما عندك هو أسمى - بما لا يقاس - مما هو في العالم، لأن إحدى تحديات الكرازة والوصول للبشر برسالة المسيح هي أن عندهم كثير من الفلسفات وما يبدو براقاً لامعاً مزيناً بزخرف الكلمات والمعاني الطنانة، التي تبدو جميلة خادعة يتبادلونها فيما بينهم بكل إعجاب، لكنها - في الحقيقة - فارغة من جوهر حقيقي، ما يجعل للورود قيمة حقيقية هو رحيقها الذي يخرج منها بالطبيعة فيتكامل مع الشكل الجميل، لكن الورود الصناعية تبدو جميلة المنظر، لكن عندما تقترب منها بحثاً عن أي رائحة جميلة فيها لن تجد ما تبحث عنه، بالمثل، وجود روح الرب بقدرته الفائقة في حياتنا هو ما يجعل لما نقوله معنى، حيث سلطان الله تكون للكلمات معنى حقيقي، حياة على الأرض، وليس مجرد عبارات بلاغية جميلة منمقة متى بحثت عن خلاص فيها لا تجد.

فمثلاً، تجد من يتحدث عن رحمة الله وكيف انه يغفر الذنوب، لكن لو غُصت في أعماقه لن تجده "مالي إيده" من غفران الله لذنوبه، وهو في رعب من خاطر ملاقاة الموت إن لقيه حالاً، وتجد آخر يتحدث عن السعادة والرضا والطمأنينة، بينما هو يغلي من داخله في جحيم من القلق والأفكار المرعبة وعدم اليقين حيث أنه لا يقف على أرض صلبة.

طفلة ألقاها ابوها في الهواء لأعلى وذراعاه ممدودتان لاستقبالها.
خبط الحنطة - ثقتنا مبنية على عمل المسيح الذي لا يستقصى لأجلنا

+ الدرس السابع: ما الذي يصنع الفارق؟

المسيح هو الفارق!! لأن العهد الجديد يعلمنا كيف أن ثقتنا في نعمة الله العاملة فينا مبنية على عمل المسيح من أجلنا، ليس فقط للغفران، بل للحياة الحاضرة والأبدية أيضاً:

"١إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ.٢لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ." (رومية ٨: ١، ٢)

"وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ." (٢كورنثوس ٢: ١٤)

"٦وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٧لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ." (أفسس ٢: ٦، ٧)

أيها الخادم: لا تهتم بماذا تقول، فقط قدم الرب يسوع... هذا هو ابن الله، واثقاً أنه الحامل كل الأشياء بكلمة قدرته، والذي ليس كمثله شيء، وهو كفيل بالباقي.

++ الدرس الثامن: دور كاشف الأسرار

"١٦قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى ههُنَا»١٧أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالتْ: «لَيْسَ لِي زَوْجٌ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ،١٨لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ».١٩قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ!" (يوحنا ٤: ١٦ – ١٩)

معرفة السرائر والأسرار لا يقدر عليه إلا الله وحده، وتَمَكُّن يسوع من هذه المعرفة لم تأتِ له كخادم أو نبي عادي لكن لأنه الله الظاهر في الجسد، وبديهي أن هذه الامكانية لا تتوفر لكل كارز او مبشر أو خادم آخر، إذ أن الخادم عاجز عن هذه الجزئية لأنها دور الله الذي يقوم به "الروح القدس" مع كل إنسان نتعامل معه دونما امكانية للاجتهاد منا.

(انقر هنا لتتابعنا)

والرب يسوع في موقف السامرية هنا عملها بنفسه بما له من سلطان، وفي الحقيقة الرب عمل امرين:

١. كشف المرأة أمام نفسها

وضع أمامها مرآة تشاهد فيها حقيقة نفسها، ومطالباً إياها – بالمتوارب كده – ان تفتح قلبها أمامه، أن تعترف مُقِرَّةً بكل تاريخها وواقعها أمامه.. والرب لا يرغب ابداً في التعامل مع من يكذبون على أنفسهم، بل هو يحترم جداً الصادقين مع النفس، وأول مظاهر الصدق مع النفس أن نعترف بنقاط الضعف فينا - بما فينا من الخطايا والزلات - بكل انفتاح أمامه.

"مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ." (أمثال ٢٨: ١٣).

"أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي." (مزمور ٣٢: ٥)

٢. قدم لها أوراق اعتماده كالمسيا الآتي إلى العالم:

في الحقيقة، من العلامات التي كان يتوقعها اليهود في المسيا ويحكون عنها أنه "يعرف الخفايا":

"١وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ،٢وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.٣وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ،" (اشعياء ١١: ١ – ٣)

وهناك حادثة تاريخية شهيرة يليق أن نذكرها في هذا السياق، حيث كان هناك دجال يهودي شهير اسمه "باركوكب" (اثناء حكم الامبراطور "أدريان" أي بعد حوالي قرن من المسيح)، هذا الرجل خدع الكثيرين لمدة سنتين قائلاً بأنه المسيا، ثم أخيراً فكروا في عمل اختبار له ليعلموا مدى صدق ادعائه بأنه المسيا، ذلك بأن أحضروا امامه مجموعة من الرجال لم يكن يعرفهم، بعضهم كانوا شريرين جداً، وطلبوا منه أن يكشف لهم عن هؤلاء الأشخاص، فلما لم يعرف قاموا جميعاً عليه وقتلوه.

رسم يبين شخصاً منحنياً ينظر في كهف على شكل قلب وكأنه يستكشف ما فيه.
خبط الحنطة - كاشف الأسرار

معرفة خبايا القلوب هنا ومخاطبة الضمير بما لا يعرفه الا صاحب الشأن نفسه هو واحد من مفاتيح عمل الله لخلاص النفوس، ومن أجل هذه الامكانية (معرفة الغيب)، لما قال الرب للمرأة عن خفايا حياتها، تعرفت عليه بشكل مختلف «يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ!"، ثم لما ذهبت لتشهد لأهل مدينتها، كانت شهادتها ببساطة هي اختبارها الشخصي عن هذه المعرفة الخارقة: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟». (يوحنا ٤: ٢٩)

والرب - في تعاملاته معك – يوقفك أمام نفسك الحقيقية - وهو قادر على هذا: "أُوَبِّخُكَ، وَأَصُفُّ خَطَايَاكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ." (مزمور ٥٠: ٢١)، ويطالبك بأن تَصْدُق مع نفسك ومعه لكي تتيح له فرصة ان يغيرك ويشفيك ويرفعك. هذا يتم في حوار داخلي يقوم به الروح القدس الأمر الذي لا أحد من البشر يقدر عليه ابداً.

ومن أجل هذا ليست لبراعة فيك ككارز أو خادم أن يتوبخ أحدهم او أن يكتشف جمال الرب أو سمو التعليم المقدم اليه عندما تقدمه للناس، لكن هذا دور الرب نفسه حيث يقوم بعمله في قلب الناس وهو نفسه الذي يضمن نتائج الكلمة في داخل قلوبهم. فلا تهتم كثيراً بمثل هذه التفاصيل، لأنها شأن إلهي والرب هو الذي يهتم بالنتائج.

"إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي." (١ كورنثوس ٣: ٧، ٨)

لذلك، وكمتكلم برسالة الحياة، لا تغفل إطلاقاً عن تلك الحقيقة أن من يعلمك ويقودك هو "الرُّوحُ الْقُدُسُ.... فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يوحنا ١٤: ٢٦)، وهو - وليس أنت - القادر على الوصول لأذهان وقلوب وضمائر المتلقِّين من حيث أنك لا تستخدم أدوات الحكمة البشرية بل أنت متسلح بــ"سَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ." (أفسس ٦: ١٧).

"أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ. هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ، لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي." (رؤيا ٣: ٨)

++ الدرس التاسع: مناورة الجدل العقائدي:

"آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ." (يوحنا ٤: ٢٠)

- أنتم تقولون.. ونحن نقول!

- كتبكم تقول.. وكتبنا تقول!!

- من منا الأفضل؟ من منا الأقرب إلى الله؟

- نتجه إلى الشرق أم الغرب؟

- أنتم تلبسون هكذا ونحن نلبس هكذا..

- السياسة وخلطها بما هو ديني.... الخ

كل هذه أمثلة لأمور تُثار اثناء الحوار، وهو نوع من التشويش على ذهن المتلقي للرسالة ليبتعد به عن صُلب عمل الله وجوهره الأساسي. ولا حل لهذا التشويش إلا البقاء مركزين دائما على كل ما هو روحي وكل ما يخص الله والحياة الأبدية.

الرب في حواره مع تلك المرأة ظل مسيطراً على الحوار بالبقاء مركزاً على كل ما هو إلهي وروحي:

"٢١قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ............. ٢٣وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ." (يوحنا ٤: ٢١، ٢٣)

رسم توضيحي مكون من يدين مفتوحتين يحصران بينهما بؤرة تركيز تصوير في اشارة إلى حصر النظر والتفكير في اتجاه واحد
خبط الحنطة - ركز على الروحيات ولا تستدرج للجدالات العقائدية

- ابق النظر موجهاً نحو السماء والسماويات، ولا تدع المستمع يستدرجك لتبقى أسيراً للأرض والأرضيات، بل ارفع النظر عن كل اهتمام بالأرض وشؤونها التي ستفنى إلى السماويات التي ستبقى وهي الأولى بالانتباه.

- فكر في كم هو العمر قصير ومهما تمتعت فيه فستذهب السكرة وستبقى الفكرة، فكر كم هي طويلة الأبدية وأين ستقضيها؟ فكر أن الله روح ولا مصلحة له البتة فيما تكنزه من أموال أو سعي نحو الملذات، وأنك انت المضار الوحيد من هذا السعي الباطل حينما تنتهي الشهوة وتبقى نتائجها المرة.

"٢٠فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ،٢١الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ." (فيلبي ٣: ٢٠، ٢١)

- لو أنك خادم، عليك ان توجه أنظار الشخص إلى عدم اليقينية التي يعانيها في ممارسته لعبادته (إن كان هناك عبادة)، مع المقارنة مع يقين الخلاص الذي لنا في المسيح. ينبغي هدم كل نوع من أنواع البر الذاتي التي يتمسح بها المتدين لأنها في الحقيقة لن تفيده بشيء، وهو يعلم صحة هذا الكلام يقينا في ضميره.

++ الدرس العاشر: لا مجاملة في الحق:

"أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ." (يوحنا ٤: ٢٢)  (من فضلك اقرأ يسوع والسامريون والإقصاء – ماذا نمد؟ الجسور أم طوق النجاة؟)

كانت الآية السابقة جملة اعتراضية وسط الكلام، لو فكرنا ملياً لوجدنا انه ربما كان يمكن الاستغناء عنها تماماً دون أي تأثير على مجرى الحديث، لكن الواضح ان الرب لم يتحجج بالدبلوماسية او الكياسة أو بالصوابية السياسية او بمحاولة كسب الطرف الآخر بمسك العصا من المنتصف، بل أراد ان يشهد للحق ويبين حقيقة مهمة: ان موقفهم كسامريين غير صحيح بالمرة من أي جهة، وأن خطة الله للخلاص كانت ان يأتي المسيح من الخط اليهودي من التاريخ، وأي محاولة لانتحال الصبغة اليهودية او محاولة نزع الشرعية عن ذلك الخط التاريخي والتوراتي المهم لليهود لن تجدي نفعاً بالمرة.

ان الرب في حواره مع المرأة السامرية لم يجاملها في الحق، والرب وهو يعلن هذه الحقيقة لم يكن متعصباً لجنس اليهود الذي ينتمي إليه بالجسد، بل هو فقط يشهد للحق الذي لابد أن يصل كاملاً للمستمعين دون مواربة، لأن الميوعة في هذه الأمور لا توصل لشيء، الحق هو الذي يضع المستمع في موقفه الصحيح ليفحص ذاته، ولكي يقطع عليه أي احتمالية أن يكون الخط الذي يسير فيه أو العبادة التي يتعلق بها يمكن أن يمنعه من الوصول إلى علاقة صحيحة مع الله.

منظر سبورة مرسوم عليها متاهة بينما سهم مستقيم يخترق المتاهة ويقسمها نصفين متجهاً إلى الهدف مباشرة
خبط الحنطة - لا مجاملة في الحق

هكذا كان الرب يسوع يفعل أثناء تقديمه الشهادة، كما كان في مواجهته لليهود صريحاً وواضحاً وغير مجامل بالمرة، كذلك هو هنا بنفس الصراحة مع السامرية والسامريين، وأيضاً كان صريحاً في مواجهة المحققين معه اثناء المحاكمة، ولا يمكن في هذا السياق ان ننسى عبارة "الحق الحق أقول لكم" التي هي من أشهر العبارات عن يسوع المسيح على وجه الإطلاق. (اقرأ أيضاً: ليبرال عصر المسيح).

رسل المسيح ساروا على نفس النهج، فها نحن نرى بطرس يوم الخمسين وهو يواجه اليهود في عقر دارهم:

"هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ." (أعمال ٢: ٢٣)

وها هو بطرس مرة ثانية يواجههم برفقة يوحنا:

"١٤وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ.١٥وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ." (أعمال ٣: ١٤، ١٥).

ثم في اليوم التالي لنفس الحادثة متحدثاً لرؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل:

"٨«يَا رُؤَسَاءَ الشَّعْبِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ، ١٠............ أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا (الأعرج) أَمَامَكُمْ صَحِيحًا.١١هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ.١٢وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ......»." (أعمال ٤: ٨ – ١٢)

++ الدرس الحادي عشر: التلميذ يتلقف مهمة الكرازة:

"٢٨فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ:٢٩«هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟».٣٠فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ." (يوحنا ٤: ٢٨ – ٣٠)

لقد ثبت بالدليل العملي أن الأكثر كفاءة في الكرازة لقوم هو شخص منهم والأسباب واضحة:

١. الشهادة تكون أقوى عندما يرون التغييرات الحاصلة في شخص الكارز نفسه، والتي لا يمكن أيضاً الطعن فيها، فالمولود أعمى مثلاً كانت معجزته أوضح ما يكون لأهله ولكل من عرفه في عماه من قبل.

٢. يفهم لغتهم ويفهمون لغته.

٣. يعرف خلفياتهم وكيف يفكرون، لذلك يستطيع الوصول إليهم سريعاً.

المرأة السامرية وقد التف حولها أهل المدينة يسمعونها تشهد لهم عن المسيح.
خبط الحنطة - السامرية تكرز لأهل مدينتها

هذه المرأة كانت قد جاءت متسللة تحمل جرتها في الخفاء وتحتمي بوقت الظهيرة الغير مناسب لخروج أحد ليستقي، فوقت الظهيرة ليس من الأوقات المرغوبة للحركة خارج البيوت في البلاد الحارة، لكن نفس هذه المرأة تركت جرتها بعد ساعة وعادت في نفس الطريق مناديةً بعلو الصوت تخبر أهل مدينتها بأنها قد وجدت المسيح، نفس الشعب الذي كانت تتهرب من مواجهتهم ربما  بسبب احساس بالخزي أو لتراكمات سنين من العداوة والتحفز، هذا الجمهور هو نفسه الذي ذهبت إليه مناديةً إياهم في شوارع المدينة، والحاضر يبلغ الغايب، ليخرجوا لملاقاة ذلك الشخص المجيد المتميز الذي قابلته، والذي للغرابة قال لها "كُلَّ مَا فَعَلْت" والذي كانت ربما تخجل من مواجهة أهل المدينة بسببه.

 ما أعظم هذه النعمة المُغَيِّرة التي تُكَسِّر الحواجز وتطهر الضمير المثقل بالذنب فيرتفع الرأس وينطلق اللسان بالحمد وبالشهادة عن معجزة التغيير.

++ الدرس الثاني عشر: اعمل دورك ولا تهتم للنتائج:

"٣٥أَمَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَأْتِي الْحَصَادُ؟ هَا أَنَا أَقُولُ لَكُمُ: ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ.٣٦وَالْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَةً وَيَجْمَعُ ثَمَرًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، لِكَيْ يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا.٣٧لأَنَّهُ فِي هذَا يَصْدُقُ الْقَوْلُ: إِنَّ وَاحِدًا يَزْرَعُ وَآخَرَ يَحْصُدُ.٣٨أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ»." (يوحنا ٤: ٣٥ – ٣٨)

تخيل معي الرب وهو جالس عند البئر والتلاميذ يحيطون به بينما يشير إلى حقول القمح المحيطة وجماهير السامريين القادمين من كل حدب وصوب يزحمون الحقول فتختفي عيدان القمح من المشهد ولا يبقى إلا جمهور السامريين بدلاً منها، فيلتفت للتلاميذ ويبدأ كلامه: "ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ...." (يوحنا ٤: ٣٥)

نرجع ونقول إن الرب وهو يدعو تلاميذه ويدعونا من خلالهم هو الذي يعمل في الكل ويستخدم الكل وهو الذي يضمن ان تأتي الكلمة بالثمر وليس هناك امتياز لأي شخص أبداً. فقط عش يومك واعمل ما تجده يدك لتعمله في هذا اليوم "فِي يَوْمِ الْخَيْرِ كُنْ بِخَيْرٍ، وَفِي يَوْمِ الشَّرِّ اعْتَبِرْ." (جامعة ٧: ١٤). عندما تلقي بذرة انت لا تعلم إن كنت انت من سيقطف ثمرها أم شخص آخر، لكنك تلقي البذرة، وعندما تقطف ثمرة، انت في الحقيقة ربما تجني نتيجة زرع وتعب آخرين سبقوك، لكن في النهاية "يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا." (يوحنا ٤: ٣٦) بالثمر الذي هو نتيجة تعبهما كليهما.

رسم بياني للتضاعف العددي في شكل شدري يبدأ بواحد وينتهي بأعداد أكثر كثيراً.
خبط الحنطة - الحقول قد ابيضت للحصاد

قد لا ترى نتيجة سريعة لجهودك ولشهادتك، لكنك تعمل فقط الدور الذي انت مكلف به، وقد ترى نتيجة بأقل جهد ممكن، ليس لأن كلماتك "لها مفعول السحر" مثلاً، لكن فقط لأن غيرك غرس وآخر سقى وها انت تحصد.

ألم يكن هذا ما قاله الرسول بولس؟

"٧إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي.٨وَالْغَارِسُ وَالسَّاقِي هُمَا وَاحِدٌ، وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ." (١ كورنثوس ٣: ٧، ٨) "فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ." (غلاطية ٦: ٩)

نحن نشارك الرب في عمله فيشرفنا برؤية الثمار: "لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ." (إشعياء ١١: ٩)

#خبط_الحنطة

٢٤ مارس ٢٠٢٢ – تاريخ بداية النشر في فيسبوك.

اقرأ أيضاً: 
تعليقات