-->

الصلاة العلنية - ملاحظات مهمة

متى ٦: ٥ - ٨

"٥«وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!٦وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.٧وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ.٨فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ."

مجموعة من المؤمنين يصلون رافعين أياديهم وهم وقوف.
خبط الحنطة - الصلاة العلنية. ملاحظات مهمة

اقرأ الأعداد السابقة (٥ الى ٨) بتركيز لأن فيها يحدد الرب مشكلتين يواجهان الصلاة (أو المصلي) ويوجِّه بأفضل علاج لهما، (وسنكتفي بالتركيز هنا على الصلاة الجماعية العلنية):

١. لمن تصلي؟

هل توجه صلاتك للرب أم للناس:

المراؤون الذين يبحثون عن موقع مناسب لأداء الصلاة رغبة في الحصول على رضا الناس وإعجابهم وشهادتهم، هؤلاء لا يوجهون صلاتهم للرب في واقع الأمر بل هم يستهدفون أسماع وأنظار البشر المحيطين. وهذا يحدث تحديدا في الصلاة الجهرية العلنية سواء اثناء اجتماعات الكنيسة العادية أو أثناء الاجتماعات المخصصة للصلاة فقط.. ويكون لفت الأنظار بعدة طرق، ففضلا عن اختيار المكان الظاهر الذي ذكره الرب هنا، هناك أيضاً:

١. من "لعلة" يطيل الصلاة ومن ينمقها ويبحث عن كل المحسنات البديعية الممكنة رغم أن هذه كلها قد تكون مطلوبة في الخُطَب البشرية لكن ليس في كلامنا الى الله.

٢. من يقدم عظة صغيرة متكاملة الأركان أثناء صلاته (هل يعقل أن نعظ الله!؟).

٣. من يروي اختبارات أو بطولات أو من يتحدث في سياسات او فزلكات فلسفية.

٤. من يحاول صبغ صوته بأداء تمثيلي ليؤثر في المستمعين ويعطيهم انطباعا عاطفيا زائفا.

تطبيق مبدأ "أدخل الى مخدعك" في الصلاة العلنية:

ماذا نستفيد من أمر الرب أن "أدخل الى مخدعك وأغلق بابك"؟

قد يكون تفسير دخول المخدع مفهوماً في ممارستنا للصلاة الخاصة والخلوة الشخصية، لكن في أثناء الصلاة الجهرية يستحيل أن يتحقق – حرفيا – مسألة الدخول الى المخدع هذه (لنتذكر أن الصلاة الجهرية هي صلاة شفاعية في المقام الأول ينوب فيها المصلي عن باقي الجماعة في رفع الطلبات)، لكن يمكننا استيعاب فكرة الدخول إلى المخدع لو فهمناها بشكل رمزي حيث يحتاج المصلي لأن يدخل مخدع نفسه، أي أن يختلي بالله بطريقة باطنية داخلية، وهذا ما يجنبه "الرغبة المستعرة" لاستعراض الذات أمام الآخرين.

نفس هذا المبدأ يطبق بشكل أو آخر في الصدقة، فأمر الرب هو: "وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ" (متى ٦: ٣)، وأتذكر هنا ما قاله أحد خدام الرب الأتقياء، حيث قال ألا تعرف شمالك ما تفعل يمينك ليس فقط كناية عن عدم تعريف أقرب الأقربين بما تفعل، لكن ألا تحاول أنت نفسك استحسان ما تفعل، أو إطراء نفسك بسببه.

هل تذكر كيف أن هيرودس طرب لنفاق الصيدونيين والصوريين وتمجيدهم له حتى أنه قبل أن يدعوه إلهاً لا انسان ولم يعط مجداً لله، وكيف كان عقابه؟ "٢٢فَصَرَخَ الشَّعْبُ: «هذَا صَوْتُ إِلهٍ لاَ صَوْتُ إِنْسَانٍ!»٢٣فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ للهِ، فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ." (أعمال ١٢: ٢٢، ٢٣).

أحد العيوب القاتلة لهذا النوع من الرضى عن النفس واستعذاب إطراء الناس هو أنه قد لا يظهر للعلن ولا يدركه الا صاحبه فقط (هذا إن هو قبل تبكيت الروح القدس في داخله)، وهو من أكثر المخاطر المدمرة لأي خدمة أو أي ممارسة روحية، بل أقول انها مدمرة لأي موهبة أو كفاءة، لذلك يصلي المرنم "السهوات من يشعر بها من الخطايا المستترة أبرئني" (مزمور ١٩: ١٢)، ولهذا يقول الرسول بولس أن الرب أعطاه شوكة في الجسد وقايةً له "لكيلا يرتفع من فرط الإعلانات" (٢كورنثوس ١٢: ٧).

(معلومة ممكن تكون مهمة في هذا الصدد: كلمة مخدع في اللغة الأصلية تعني "الخزانة" أو مكان وضع الأشياء الثمينة)

٢. ماذا تصلي؟

يجب أن تؤمن أن الرب الذي تصلي له يعلم طلباتك قبل أن تطلبها ويستجيب لها، لذلك لا حاجة بك لأن تطيل الصلاة أو أن تدخل في تفاصيل مملة أو تكرر الطلبات بلا داعي.

نلاحظ هنا الفارق بين داعي إطالة الصلاة التي نتحدث عنها هنا، وبين داعي إطالة الصلاة التي تحدثنا عنها في النقطة السابقة. في النقطة السابقة كانت كلمات الصلاة موجهةً للمستمعين وذلك للحصول على استحسانهم، بينما هنا نتحدث عن الإطالة في الحديث الموجه للرب لضمان أن يسمع الصلاة ويستجيبها، وقد كان بعض معلمي اليهود في عصر المسيح يُعَلِّمون أن "البار التقي هو من يطيل الصلاة، وأن إطالة الصلاة تضمن الاستجابة"، وقد كان – ومايزال - البعض في أيامنا هذه يعتقد أنه كلما كرر الكلام في الصلاة فإن طلباته تُسمَع، لذلك تجده:

- يغرق في التفاصيل التي لا داعي لها.

- أو يكرر الكلام نفسه مرارا وتكرار.

- أو يكرر مرادفات لنفس المعنى (نمجدك – نعظمك – نباركك – نسبحك – نجلك – نرفعك ..... الخ)

الكلام ده كان ومازال موجوداً في ممارسات عبادة كثيرة، وهو كان - ومازال - موجوداً في ممارسات العبادة الوثنية لأنه نابع من عدم وجود ايمان كافي بأن الإله يمكن أن يسمع ويفهم ويستجيب من أول مرة.

[تذكر أنبياء البعل في (١ملوك ١٨: ٢٩) وهم يصرخون "يا بعل أجبنا"، واستمر صراخهم هذا طول اليوم من الصباح حتى موعد إصعاد التقدمة المسائية، حين بدأ إيليا إجراءات تقديم ذبيحته (ع٢٩)]..

هذا الاعتقاد بضرورة التكرار نجده مندساً في ثنايا تلافيف عقول بعض من المسيحيين أيضا وإن كان يتخذ صوراً متنوعة، فنحن نجد البعض في اجتماعات الصلاة والصلوات الجهرية وسط الاجتماعات يفعلون أحد الصور التالية:

- فهناك مثلا من يسهب في تفاصيل التفاصيل للدرجة التي فيها - مثلاً - ممكن أسرار بيوت بتطلع في الصلوات، وأظن أن هذا نابع من توهّْم هؤلاء بأن الرب لن تصله الصورة كاملة إن لم يوضح كافة التفاصيل (أتصور أنه يلزمنا أن نفهم أن اجتماعات الصلاة ليست جلسات مشورة وليست أيضا كرسي اعتراف)

- وهناك من يعيد تكرار نفس الطلبة التي طلبها أخوه مرة ثانية وثالثة ورابعة.

- وهناك من تسمعه يعظ الرب نفسه فيذكره بمدى صعوبة الموقف وازاي – مثلا - الموظفين ممكن يتشردوا لو الشركة خسرت، أو البيت ممكن يخرب.... الخ.

 (انقر هنا لتتابعنا)

خليك فاكر: تجنب التكرار في الصلاة

رغم أننا تعلمنا من الكتاب المقدس أن نذكِّر الرب بمواعيده التي نطالبه بتحقيقها وبأياديه علينا وبمدى احتياجنا له، لكن التمادي في هذا الأمر أحيانا ما يكون بصورة مبالغ فيها تعكس مقدار عدم ايماننا بأن "الرب يعلم" (متى ٦: ٨).

هو أمر من الرب فيه نراه يجيب عن مشكلة الرغبة في تكرار الكلام هذه، فيُذَكِّرنا لنطمئن بأن أبانا ليس في حاجة لمن يشدد عليه بهذا النوع من التكرار ظناً منه أنه بهذا يضمن معرفة الرب بالطلبات: "٧وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ. ٨فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ." (متى ٦: ٧، ٨).

نصائح عملية للصلوات العلنية:

١. أن نبحث دائما أن نكون مرضيين عنده باستمرار، لأن الإحساس بأنني غير طاهر أو أن هناك خطية أحتفظ بها داخلي ستعيق أي نوع من أنواع اليقين بسماع الرب لصوتي "١٨إِنْ رَاعَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي لاَ يَسْتَمِعُ لِيَ الرَّبُّ.١٩لكِنْ قَدْ سَمِعَ اللهُ. أَصْغَى إِلَى صَوْتِ صَلاَتِي.٢٠مُبَارَكٌ اللهُ، الَّذِي لَمْ يُبْعِدْ صَلاَتِي وَلاَ رَحْمَتَهُ عَنِّي." (مزمور ٦٦: ١٨ – ٢٠)

٢. أن نؤمن أولا أن الرب يرغب بل يشتاق لأن يسمع أصواتنا ويستجيب لها، فهو الذي علمنا "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!" (متى ٧: ١١)

٣. أن نتعلم كيف تكون طلباتنا متفقة مع ملكوت الله. القول الشهير جدا للرب يسوع "لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ." (متى ٦: ٣٣)، هذا القول يضع أيادينا على الوصفة السرية للصلاة المستجابة، أن يكون طلبنا ملكوت الله أولا، ثم ما يأتي بعد ذلك سيزاد لنا ربما حتى بدون أن نطلبه.

٤. أن صلواتنا يجب أن تكون عفوية ومباشرة و"مُهَدَّفة" وواضحة المعالم وأن نخليها من الحواشي ومن الزيادات التي لا تقدم ولا تؤخر.

٥. لاجتماعات الصلاة: تجنب تكرار طلبات صلى غيرك من أجلها، ولنتعلم أن يكمل بعضنا صلوات البعض، فاجتماعات الصلاة فرصة نادرة لأن نشترك جميعا بنفس واحدة كما تعلمنا كلمة الله: "هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ". (أعمال ١: ١٤). وعندما تكون جماعة المؤمنين بنفس واحدة:

‌أ. يكمل كل منهم الآخر: فتظل الصلاة في نفس الموضوع ولكن بدون تكرار في جملتين أو ثلاثة، إلى أن يتم تغطية الموضوع كله، بعدها ينتقلون الى موضوع آخر.

‌ب. ويؤمِّن كل واحد على صلاة الآخر: مطلوب ألا ينشغل المصلون الصامتون بأي شيء آخر، لا بالتفكير في ماذا سيصلي لاحقا ولا حتى بصلاة شخصية سرية، بل يكون الكل مستغرق ومنصت لمن يصلي بصوت عالي حتى يؤَمِّن على طلبات أخيه.

‌ج. ولا يحتاج أن يكرر أحدهم طلبة سبق أن طلبها وغطَّاها أخوه بالكامل.

 نصائح إضافية لاجتماعات الصلاة:

١. الاتفاق والتماسك والتناغم والتجانس مطلوب، أولاً: لكل مصلٍ على حدة (داخل نفسه بين مبادئه وأفكاره ورغباته وبين ما يصلي لأجله)، وثانياً: بين المصلين بعضهم بعضاً، وأي عدم تناغم أظنه يؤدي الى فشل مريع للصلاة.

٢. استخدم لغة الحوار البسيطة العادية، فلا حاجة لبلاغة لغوية لتسمع الصلاة.

٣. ان وردت الى ذهن أحد المصلين آية أو آيات مرتبطة بموضوع الصلاة فليصليها، لأن هذه احدى الوسائل التي يوجه بها روح الله صلواتنا.

٤. صل بصوت مرتفع بما يكفي ليسمعك الآخرون، وعلى صاحب الصوت المنخفض أن يتجنب تنكيس رأسه لأسفل حتى يمكِّن الآخرين من سماعه.

٥. لا تندفع للمشاركة بصلاة لمجرد ملء فترة صمت. فالصمت أمر عادي ويجب أن نقبله مادام في حدود المعقول.

٦. لو أن أحداً لا يرغب في الصلاة بصوت مسموع فلا حرج عليه ان هو اكتفى بالصلاة السرية والتأمين على صلوات إخوته الآخرين.

٧. هناك البعض ممن يفضلون ألا يختم كل مصلٍ فقرته (مثلاً، باستخدام عبارة "في اسم يسوع... آمين")، وذلك للحفاظ على تتابع وتواصل الصلوات من كل المشاركين، بحيث يمكن أن يقوم قائد الاجتماع بهذا الختام "بإسم يسوع... آمين" عندما يحين موعد انتهاء الاجتماع .

تعليقات