في الطريق الى الصليب لم يغفل الإنجيل عن ذكر أفراد تقاطعت رحلة الرب معهم في احداث فردية بخلاف الأحداث الجماعية الصاخبة التي مرت به. وبرغم أن إنجيل مرقس هو انجيل الإيقاع السريع للأحداث المتلاحقة والجموع الكثيرة المشاركة، لكن اصحاح ١٤ نراه مصمماً على ابراز بعض هذه الشخصيات المُفردة التي تترك بصمات وسط هذه الأحداث في مواجهات شخصية مع الرب أو بمساهمات خفية كانوا اطرافاً فيها. وها نحن فيما يلي نتفحص هذه الدروس من مرقس ١٤.
تعالوا نراجعهم سوياً:
١. مريم والطيب الغالي – تقديم المال والآمال
![]() |
| خبط الحنطة - مريم والطيب |
في (مر ١٤: ٣ – ٩)
قدمت مريم تحويشة عمرها من الطيب لينسكب على رأس وجسد بل وقدمي الرب (طبقا ليوحنا اصحاح ١٢). هناك محاولات كثيرة لتقدير القيمة المادية لقارورة الطيب هذه التي قدرها يهوذا الاسخريوطي بنفسه بمبلغ ٣٠٠ دينار، والمقاربات كثيرة للوصول للقيمة المعاصرة لمثل هذا المبلغ (٣٠٠ دينار)، سنكفي منها بالآتي:
• لأن الاجر اليومي للعامل كان ١ دينار، لذلك سنقوم بمقارنة أجور العمالة في العصر الحالي (في أمريكا علشان النتائج بالدولار) مع متوسط أجر عامل ذي خبرة لمدة ٣٠٠ يوم في فلسطين في عصر المسيح.
• مقارنة رواتب الجنود الرومان في وقت المسيح مع رواتب جنود المشاة في الجيش الأمريكي. (ليه أمريكا؟ لأن هذه البيانات متاحة للدارسين ويمكن لكل قارئ تقديرها بعملته المحلية).
كل هذا وصَّلَنا الى قيمة تقريبية للدينار تتراوح بين ٦٠ الى ١٤٠ دولار امريكي (وقت كتابة هذه التأملات). وبهذا تكون قيمة قارورة الطيب هذه بين ١٨ الف الى ٤٢ الف دولار امريكي، هذا مبلغ ضخم بمعايير اليوم لكي يتم “إتلافه" على جسد الرب في مرة واحدة.
تقول بعض المصادر أن مثل هذه القارورة كانت - بالنسبة للفتاة في ذلك الوقت - "تحويشة العمر" التي تدَّخرها ليوم زواجها. لكن رغم هذا لم تجد مريم أي غضاضة او أي شكل من اشكال التردد في التقدم بها طواعية لتعطير جسد الرب قبل أيام قليلة من تقديمه للمحاكمة والموت صلباً.
(المناسبة، كسر القارورة ربما لا يعني تحطيم القارورة كلها، لكن مجرد كسر القفل الذي كان يحكم إغلاق القارورة بعد سنين طويلة من الحفظ)
لقد ردد الرب كثيراً «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ. وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ». (مر ٩: ٣١( ، وبينما يبدو أن هذه الحقيقة ظلت غائبة عن أذهان كل من سمع، لكن من الواضح أن مريم وحدها سمعت وصدقت كلمات الرب هذه وعرفت ان النهاية قد اقتربت. لقد اختبرت مريم صدق الرب قبل أسابيع قليلة أمام قبر اخيها لعازر حينما قال لمرثا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟». (يو ١١: ٤٠)، فكيف يمكن ان تشك في كلمة قالها وكررها كثيراً بعد ان صَدَقَ أمام عينيها في إقامة لعازر؟
مريم قدمت لنا نموذجا فريداً في تقديم المال والآمال:
المال من الأمور التي لها سلطان ضخم جداً في اذهاننا كبشر في عصرنا الحاضر، ونحن - بناءاً على ثقافتنا والعقل الجمعي – يرتبط لدينا المال بكل أنواع الأمان والاستقرار في الحاضر، وايضاً يحمل معاني الراحة النفسية من جهة المستقبل (المقولة الشهيرة "أمِّن مستقبلك" أو "أمِّن مستقبل الأولاد")، وتتحكم فينا هذه التصورات ان التغلب على القلق النفسي يرتبط بهذا الأمان المالي. لذلك، أن يقوم احد "بإتلاف"تحويشة العمر على الأرض في لحظات، وهي لا تعلم ما سيأتي في مستقبل الأيام فهذا "محض جنون" بالحسابات البشرية لأنها تخلت عن الأمان المالي، لكن مريم رأت دوراً أهم للمال لا يُحتمل معه التفكير المستقبلي، ف"الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ." الآن (مر ١١: ٣) فلنقدمه الآن، والرب صاحب "الآن" هو صاحب الغد وما بعده وهو يهتم بكل هذه الشؤون، وهذا الايمان يتغلب على القلق النفسي.
هذا هو الدرس الذي نراه يتكرر عدة مرات في الكتاب المقدس بنماذج إيجابية ونماذج سلبية ايضاً، الإيمان الذي يطرح الاعتماد على المال (الامان المالي) جانباً ويصبح الرب هو المعتمد الكلي. نرى المرأة التي القت الفلسين "مِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا" (مر ١٢: ٤٤)، ونرى مؤمني مكدونية الذين في "اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ" (٢كو ٨: ٢)، ونرى برنابا الذي "كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ." (أع ٤: ٣٧). وفي المقابل نرى حنانيا وسفيرة اللذين كان حقلهما في يدهما ولم يجبرهما احد على التبرع بقيمته، لكنهما لم يتمكنا من التخلص من وطأة القلق النفسي والخوف من المستقبل فقررا ان يختلسا من قيمة الحقل لتأمين ذاك المستقبل (أع ٥: ١ – ١١).
هذا هو الدرس الذي نتعلمه من مريم في رد فعل العطية العظمى والثمينة التي قدمها الرب بتقديم نفسه عنا: ان "مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ." (١ أخ ٢٩: ١٤)، فإن رغبتَ يا رب فيما لدينا لهدف يمجد اسمك فنحن نقدمه مع يقين كامل اننا بين يدي اله كريم وأب محب لن ينسانا أو يتخلى عنا، نحن في امان، يومنا وغدنا وكل المستقبل غير مبنيين على دولارات او دنانير او ريالات او جنيهات أو دراهم، ولا على عقارات او ذهب أو حتى على أولاد وأحفاد، لكنه مبني على ذاك “اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" (رو ٨: ٣٢). لم يعد الخوف على المستقبل يتحكم في افكارنا وتصرفاتنا.
اقرأ كيف يكون حل مشكلة الضيقة المادية بطريقة ثورية
(أنقر هنـــــــــا لتتمكن من قراءة موضوع مريم مستقلاً)
٢. صاحب العلية. تقديم البيت للرب
في (ع ١٢ – ١٦)
"١٢وَفِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ. حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟» ١٣فَأَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيُلاَقِيَكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ. ١٤وَحَيْثُمَا يَدْخُلْ فَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: إِنَّ الْمُعَلِّمَ يَقُولُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ ١٥فَهُوَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً. هُنَاكَ أَعِدَّا لَنَا». ١٦فَخَرَجَ تِلْمِيذَاهُ وَأَتَيَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا. فَأَعَدَّا الْفِصْحَ."
![]() |
| خبط الحنطة - الرب يسوع وتلاميذه حوله يصنعون الفصح في العلية. |
المعلومات متوفرة عندنا من سفر الأعمال عما حدث بعد يوم الخمسين تقول إنه كانت هناك اجتماعات للكنيسة تحدث في بيت أم يوحنا مرقس مثلاً، والبعض يقول ان ما يقوله سفر الأعمال عن مكان اجتماعات الكنيسة "وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ." (أع ٢: ٤٦) أنه ربما كان التلاميذ يستخدمون إحدى العليات التي كانت في داخل بناء الهيكل نفسه في محيطه الخارجي [أنظر (١مل ٦: ٥) "وَبَنَى مَعَ حَائِطِ الْبَيْتِ طِبَاقًا حَوَالَيْهِ مَعَ حِيطَانِ الْبَيْتِ حَوْلَ الْهَيْكَلِ وَالْمِحْرَابِ، وَعَمِلَ غُرُفَاتٍ فِي مُسْتَدِيرِهَا."]. لكن ماذا عما قبل الصلب؟ وماذا عن الفترة التي أعقبت الصليب مباشرة وحتى القيامة وما بعد القيامة حتى الصعود؟ لا توجد معلومات.
لم يذكر لنا أحدٌ من البشيرين اسم صاحب البيت هذا، ولست متيقناً إن كانت أي مصادر في التقليد قد ذكرت أي شيء عن اسم هذا الشخص، بعض المفسرين يقولون ان هذا الشخص قد يكون تلميذاً ثرياً موسراً مثل نيقوديموس او يوسف الرامي، لكن لا يوجد ما يؤكد هذا. كل ما نعلمه أن هناك رجلاً ربَ بيت ارسل اليه المعلم تلميذين من تلاميذه يطلب منه مكاناً ليعدا الفصح فيه واستجاب الرجل فوراً بتقديم "عليه كبيرة مفروشة معدة".
ويقول دارسوا تاريخ اورشليم والشعب اليهودي ان عدداً كبيراً جداً من الأغراب كان يحضر الى اورشليم في وقت الفصح، ولكي يمكن استيعاب هذا الكم الكبير، أي بيت في اورشليم فيه مكان فارغ لم يكن يقول "لا" ابداً لمن يحتاج ويرغب في استخدام المكان طوال فترة العيد، وكان يتم هذا بدون مقابل نقدي، لكن في المقابل كان يترك الضيوف فِراء ذبائحهم وجلودها للبيت المضيف كلفتة تعبير عن الشكر.
وضيافة الغرباء كانت دوماً – ومازالت – من الفضائل المستحبة اجتماعياً لدرجة اعتبارها واجباً مقدساً لا يمكن التقصير فيه (من صفات الاسقف إضافة الغرباء كما في ١تي ٣: ٢)، ونذكر في التاريخ المقدس شخصيات قامت باستضافة غرباء وأحداث تم فيها استضافة للغرباء مع نتائج إيجابية أوسلبية:
في العهد القديم نرى:
• إبراهيم (تكوين ١٨).
• لوط (تكوين ١٩).
• اللاوي المتغرب وجبعة بنيامين (قضاة ١٩).
• إيليا وارملة صرفة صيدا (١مل ١٧).
• اليشع والشونمية العظيمة (٢مل ٤).
في العهد الجديد نرى:
• بطرس استضاف يسوع في بيته.
• مريم ومرثا ولعازر استضافوا يسوع.
• مريم ام يوحنا مرقس التي كانت تستضيف الكنيسة في بيتها عندما خرج بطرس من السجن (أع ١٢: ١٢)
• ليديا بياعة الارجوان في فيلبي (أع ١٦)
• سمعان الدباغ الذي استضاف بطرس في يافا (أع ٩: ٤٣).
• أكيلا وبريسكلا استضافا بولس في كورنثوس (أع ١٨: ٣).
• أكيلا وبريسكلا استضافا الكنيسة في بيتهما (رو ١٦: ٥، ١كو ١٦: ١٩)
• نمفاس استضاف الكنيسة كلها (كو ٤: ٥)
نعود للشخصية التي ندرسها هنا حيث نرى شخصاً يبدو جلياً ان الرب يسوع يعرفه شخصياً، وهو يرحب بيسوع وبتلاميذه في بيته بمناسبة الفصح، وهو هكذا ربما لا يكون قد عمل ما يزيد عن غيره من اهل اورشليم، لكن تخيلوا معي بيتاً دخله الرب ووجد راحة له هناك، ترى ماذا ستكون حالة هذا البيت؟ وماذا ستؤول اليه حالته وحالة الساكنين فيه لاحقاً؟
تعالوا نفكر قليلاً ونرتب أفكارنا:
• الرب يسوع جليلي ومعظم تلاميذه جليليون أيضاً أي انهم كانوا مغتربين في اورشليم. المكان الوحيد الذي وصلوا اليه كلهم ليلة الفصح كان هذه العلية التي نحن بصددها.
• واضح ان الرب اختار المكان بعناية لأنه متأكد الا مزعج لهم في هذه العلية وهذا البيت، خصوصاً في ظروف مطاردة الكهنة وقادة اليهود له.
• لما انتهوا من عشاء الفصح خرجوا الى جثسيماني حيث هناك فجأة تم القبض على يسوع وتم سحبه إلى دار رئيس الكهنة للمحاكمة.
• لما وجد التلاميذ أن يسوع قُبِض عليه تركوه وهربوا كلهم.
• فكركم، في مثل هذه الظروف، ما هو أول مكان يمكن أن يخطر على بال هؤلاء التلاميذ "الغرباء" المذعورين؟ طبعاً هو هذه العلية التي خرجوا منها من سويعات قليلة.
• في اليومين التاليين للصلب نرى البشير يوحنا (يو ٢٠: ١٩) يصف حالة التلاميذ اثناءهما وكأن الزمان توقف وهم في نفس المكان (نفس العلية) حتى ظهر لهما الرب مساء الأحد بعد القيامة "وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!»"، أي ان هذه العلية التي استضاف فيها هذا "الشخص المجهول" شهدت آخر اجتماع جمع الرب بتلاميذه قبل الصلب، ثم شهدت – على اقل تقدير – اول اجتماع له بهم بعد القيامة حيث دخل اليهم والأبواب مغلقة.
طوباك يا هذا لأن الرب اختار أن يستأمنك وبيتك على تلاميذه ونواة كنيسته فلك بلا شك مكافأة ثمينة.. فالوحي يقول عن شخص غريب الجنس اسمه عوبيد آدوم الجتي:
"١١وَبَقِيَ تَابُوتُ الرَّبِّ فِي بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ الْجَتِّيِّ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ. وَبَارَكَ الرَّبُّ عُوبِيدَ أَدُومَ وَكُلَّ بَيْتِهِ. ١٢فَأُخْبِرَ الْمَلِكُ دَاوُدُ وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ بَارَكَ الرَّبُّ بَيْتَ عُوبِيدَ أَدُومَ، وَكُلَّ مَا لَهُ بِسَبَبِ تَابُوتِ اللهِ». فَذَهَبَ دَاوُدُ وَأَصْعَدَ تَابُوتَ اللهِ مِنْ بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ بِفَرَحٍ." (٢صم ٦: ١١، ١٢)
خد بالك ان تابوت عهد الرب دخل الى بيت عوبيد ادوم في ظروف استثنائية ومرعبة، بسبب موت "عُزَّة بن ابيناداب" لأنه أمسك بيده تابوت عهد الرب (٢صم ٦: ٧)، لكن عوبيد أدوم ذلك الجتي التزم بقبول تابوت عهد الرب بكل ترحاب ووقار واحترام في بيته، لذلك باركه الرب.
واحس داود بالغيرة لأن الرب بارك بيت عوبيد أدوم بسبب ضيافته للرب، واراد ان ينال هذه البركة، فاستعجل نقل التابوت الى مدينة داود ليكون قريباً منه. "حَسَنَةٌ هِيَ الْغَيْرَةُ فِي الْحُسْنَى كُلَّ حِينٍ" (غل ٤: ١٨) وحسن جداً ان يتسابق أولاد الله على فتح بيوتهم للرب. البيت هنا ليس فقط المكان، لكن كمان اهل البيت يكونوا للرب.
هل تريد ان تضمن بركة الرب على بيتك وعلى اولادك وعلى كل حياتك، استضف الرب في بيتك. استأمن الرب على بيتك وعلى اولادك، ليكن اختيارك هو ان يكون بيتك مضيفة للرب ومكاناً يرتاح فيه هو واولاده، تماماً كما قال يشوع قولته الشهيرة "وَإِنْ سَاءَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ، فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ.... وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ»." (يش ٢٤: ١٥)
(انقر هنــــــــا لتقرأ موضوع صاحب العلية مستقلاً)
3- بطرس - تقديم الذهن لله
"٢٧وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ.٢٨وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ».٢٩فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ!»٣٠فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ».٣١فَقَالَ بِأَكْثَرِ تَشْدِيدٍ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!». وَهكَذَا قَالَ أَيْضًا الْجَمِيعُ." (مر ١٤: ٢٧ – ٣١)
![]() |
| خبط الحنطة - بطرس ينكر يسوع |
بطرس شخص شجاع ومقدام وعنيد وقائد وصاحب شخصية مستقلة وصاحب قرار، وكما ان لمثل هذه الشخصية مميزاتها فلها عيوبها ايضاً، والعيب البادي جداً هنا – للغرابة - هو هذه الاستقلالية الكاملة، والرغبة في ان تسير كل الأمور حسب تصوره وبمفهومه، وتسرعه في اتخاذ قرارات والاندفاع وراء قناعاته لكل ما يراه صحيحاً، والتصرف التلقائي والسريع حسب هذه القناعات، والاعتداد بالنفس الكبير جداً الذي بدا واضحا في كثير من الأحداث، لقد كانت شخصية بطرس مُشْكِلَة، واستمرت هذه الشخصية (المشكلة) تظهر بين الحين والآخر، وأحد هذه المناسبات التي ظهرت فيها تلك السمة الشخصية كانت هنا في مرقس ١٤، كما في بستان جثسيماني تعالوا نشوف ابرزها:
١. ما ذكره البشير مرقس هنا عن التأكيد الشديد الصادر من بطرس «وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ!»، «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» [عقله يملي عليه هذا].
٢. ونذكر ايضاً ردة فعله على كلام الرب يسوع [لأن عقله يملي عليه هذا] عندما أخبرهم الرب عن آلامه العتيدة من شيوخ اليهود وعن قتله بأيدي الأمم، حيث نراه "ينتهر" الرب بكل ثقة بالنفس: «حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!» (مت ١٦: ٢٢).
٣. مبادرته إلى استلال السيف في جثسيماني محاولةً منه للدفاع عن معلمه [لأن عقله أملى عليه هذا].
٤. وحتى بعد أن ظهر لهم الرب في اورشليم وعرفوا بقيامته، اختار بطرس أن يعود الى مهنة الصيد لِما بدا له من عدم جدوى انتظار الرب وتعليماته الجديدة وموعد حلول الروح القدس [لأن عقله يملي عليه هذا]. (يوحنا ٢١: ٣)
٥. في نفس المقابلة وبعد الحوار السابق مباشرة، يرى بطرس يوحنا سائراً خلف الرب "فيحشر" نفسه مرة تانية "في اللي مالوش فيه" ويسأل بخصوص يوحنا: «يَارَبُّ، وَهذَا مَا لَهُ؟» (يو ٢١: ٢١)، ويرد عليه الرب (اعيد صياغة الكلام بالعامية المصرية): "انا حر أعمل فيه اللي انا عاوزه! ايه دخلك انت؟ اتبعني وخليك في نفسك!" (يو ٢١: ٢٢).
انسانياً، قد تبدو مثل هذه الشخصيات جميلة، بل إن شخصيات مثل هذه تجدها متقدمة في المجتمع كقاطرة تدفع الناس، لكن لا يصلح هذا مع الرب أبدأ، لأن الشخصيات التي بهذا الشكل – شئنا أم أبينا - تأخذ المجد لنفسها، والرب لا يظهر نفسه ومجده أبداً من خلال شخص معتد بالنفس يسلب مجده (مجد الرب) لنفسه. وقد قالها بصريح العبارة "مَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ" (إش ٤٢: ٨).
+ قاعدة إلهية أساسية:
وهي قاعدة مخالفة لمنطق البشر ولم نأتِ بها من عندنا بل اعلنها الرب بنفسه، وهي عن طريقة عمله: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ»، فالرب لا يعمل من خلال نقاط القوة البشرية ولا تلزمه، لكنه يعمل من خلال - وبالرغم من - نقاط الضعف لذلك أعلن بولس انه:
"َبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ." (٢كو ١٢: ٩)، ولذلك:
"َاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ" (١كو ١: ٢٨).
هذا المبدأ يصيب في مقتل كل أصحاب القدرات المتميزة والشهادات العالية والأفكار العظيمة، لأنها تضرب كل اعتدادهم بأنفسهم وتعتبره كلا شيء. ولقد احتاج بطرس أن يجتاز اختبارالإنكار القاسي الذي اثبت له فشل هذه القدرات البشرية وضعفها مهما قَوِيَتْ، لكي يخرج منه غير معتمدٍ نهائياً على نفسه ولا على ثقته بنفسه أو افكاره. خرج بطرس من هذا الاختبار واضعاً معرفته وكل ما يتصوره حكمة لديه عند قدمي الرب، فهم بطرس كيف أن "جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ!" (١كو ١: ٢٥) والرب بعد القيامة استخدم حادثة بحر طبرية التي ذكرناها سابقاً للتعامل الخاص مع بطرس بصفة خاصة وشخصية لمعالجة هذه المشكلة.
![]() |
| خبط الحنطة - يسوع وبطرس وتلاميذ آخرين على شاطئ بحر الجليل. |
في يوحنا ٢١ ذهب التلاميذ إلى الجليل تبعاً لأمر الرب انه سيلتقي بهم هناك (مت ٢٨ : ١٠)، وفي الجليل نرى بطرس كعادته يتململ من الانتظار، ربما يكون اليأس قد تسرب إلى قلبه ، ولو اعتبرنا حسن النية يجوز أن نقول إنه قرر أن "يستثمر وقت الانتظار فيما (يراه) مفيداً" فيسحب قسماً كبيراً من التلاميذ إلى البحر عائدين إلى صيد السمك، وهناك يكابد بطرس الفشل الذريع فيما يظنه حرفته وخبرة سني عمره كلها مع ما فيها من مهارات، وهناك لم يمسك شيئاً من السمك رغم سهر الليلِ كلِه، ثم ظهر الرب أخيراً على شاطئ البحر، وهناك تعامل الرب مع هذه السمات الشخصية لبطرس:
- أولاً فشل بطرس في صيد السمك ثم حدوث المعجزة بعد كلمة الرب، وكأن رسالة الرب له: ريح نفسك.. ليست الكفاءة وحدها تصلح لكل شيء، وبدون موافقة الرب ومباركته ستذهب جهودك في الهواء وكأنك تحرث في البحر.
- نرى الرب يسأل بطرس ٣ مرات: "أتحبني؟".
- وعندما يجيبه بطرس بنعم، يقول له في الثلاث مرات أيضاً "ارع غنمي" فمازال تكليفك القديم يا بطرس سارياً «لاَ تَخَفْ! مِنَ الآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ!» (لو ٥: ١٠)، فلم يعد لك علاقة بالسمك يا بطرس فيما بعد بل بالناس، فلماذا عَوْدَتُك إلى السمك ثانية؟
- بعدها يوجه الرب نظر بطرس إلى "حقيقة حياتية" لا مهرب منها لكنها صادمة بالأكثر لمن هم في مثل شخصية بطرس: يبدو يا بطرس أنك لا ترى كيف أنه حتى الطبيعة نفسها توضح لك انك لست دائما المسيطر وهناك أمور خارجة عن إرادتك، وإن رأيت نفسك مسيطراً اليوم فغداً لن تكون مسيطراً، والأمور ستجري عكس ما تريد، لأنك "لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ" (يو ٢١: ١٨)، أليس من الأفضل إذاً ان "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ أَعْمَالَكَ فَتُثَبَّتَ أَفْكَارُكَ."؟!! (مز ١٦: ٣)، اليس من الأفضل إذاً أن تعطي للرب الفرصة ليجدد ذهنك ويقود عقلك وافكارك بدلاً من قيادتك لنفسك والتي ستفقدها في مستقبل أيامك شئت أم أبيت؟!
- ثم قال له في النهاية كلمة واحدة فقط: «اتبعني». انت لا تحتاج سوى أن "تتبعني" والباقي كله ميسر ومُدَبَّر لا تشغل بالك به. "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ." (مت ٦: ٣٣).
بطرس تعلم هذا الدرس بعد معاناة شديدة، تعلم أن هناك اموراً تفوق قدرته الذاتية البشرية على الاستيعاب والفهم (مهما عظمت هذه القدرة)، وأن أمور الله أعطيت للكنيسة ليس باجتهادات المجتهدين لكن بإعلانات إلهية خاصة كهبة مجانية (بالنعمة)، حتى أن "الملائكة تشتهي أن تطلع عليها"، ونتيجة لهذا، نقل إلينا بطرس ما تعلمه في هذا الدرس حيث قال:
صحيح "مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ" لكن ليس لكي تُخضِعوا أذهانكم هذه لمنطقكم البشري كما اعتدتم ان تفعلوا، ليس كبطرس القديم بالذهن القديم الذي كان واثقاً طول عمره انه يعرف يحسبها صح، لكن "َأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى (النِّعْمَةِ) الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (١بط ١: ١٢، ١٣)، وهذه "النعمة" التي وهبت لكم كل شيء بغنى وبدون استحقاق أو شطارة منكم هي "الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ وَتُعْطِيَكُمْ مِيرَاثًا مَعَ جَمِيعِ الْمُقَدَّسِينَ." (اع ٢٠: ٣٢).
أخي.. أختي.. ابني.. ابنتي: الرسول بولس يعلمنا نفس هذا الدرس الذي تعلمه كل تلاميذ المسيح، أن تَصَرُّفَه في العالم لم يكن "فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ" (٢كو ١: ١٢). لذلك
قدم ذهنك واخضعه لله
لا تدع ذهنك (مهما كانت قدراتك العقلية) يسيطر عليك وإلا لن تختلف كثيراً عن بطرس القديم في أحسن حالاته التي عندها أنكر سيده. لكن اسمح لروح الرب ان يعمل فيك ليقودك ويضبط اختياراتك ويقوِّم قراراتك ويكون هو الأول والآخر.
موسى سبقنا في هذا حينما قال للرب "إِنْ لَمْ يَسِرْ وَجْهُكَ فَلاَ تُصْعِدْنَا مِنْ ههُنَا،" (خر ٣٣: ١٥).
وليكن فينا هذه الروح كسليمان الذي قال عن نفسه: "٧أَنَا فَتىً صَغِيرٌ لاَ أَعْلَمُ الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ............. ٩فَأَعْطِ عَبْدَكَ قَلْبًا فَهِيمًا لأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (١مل ٣: ٧ – ٩).
"وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ." (رو ١٢: ٢)
٤. يهوذا واسوأ الاختيارات
"١٤حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ ١٥وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ.١٦وَمِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ." (مر ١٤: ١٤ – ١٦)
"فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ." (لو ٢٢: ٤)
- القيمة المعاصرة لثمن خيانة يهوذا التي باع بها سيده.
كما في حالة طيب مريم، سنحاول تقدير القيمة المعاصرة للرشوة التي تقاضاها يهوذا، وسيختلف التقييم حسب العملة وهل هي شاقل القدس (وهي عملة دينية)؟ أم انها الدينار الروماني كما في حالة مريم:
أ - لو ان الفضة المدفوعة ليهوذا كانت عملتها من الشاقل المسمى شاقل القدس:
الشاقل = ٠,٥٠ اوقية = حوالي ١٤ جرام فضة = حوالي ٧ الى ٨ دولار هذه الأيام (في تاريخ كتابة هذه التأملات)
عندها يكون ٣٠ شاقل يعادلوا حوالي ٢٤٠ دولار امريكي حالياً
ب - لو اعتبرنا ان الفضة كانت دنانير كما كانت في حساب الطيب:
عندها يصبح قيمة ال٣٠ دينار كلهم = ١٨٠٠ الى ٤٢٠٠ دولار على اقصى تقدير (كما حسبناها في حالة مريم أعلاه).
- تعمد البشيران متى ومرقس ذكرا قصة خيانة يهوذا مباشرة بعد حادثة سكب مريم الطيب على رأس يسوع وقدميه، وفي هذا أكثر من مغزى:
أولاً: للمقارنة بين كم العطاء الذي عند هذه المرأة في مقابل كم الجشع والغِلّ عند يهوذا.
ثانياً: لمقارنة مقدار تفاهة المبلغ الذي أسلم به يهوذا الرب يسوع مع عِظَم التضحية التي ضحت بها مريم فيما قدمته وما في هذا من محبة قلبية عميقة جداً.
ثالثا: يبدو في نظر البشيرين ان حادثة "إتلاف" الطيب (حسب راي يهوذا الاسخريوطي) كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في ذهن يهوذا وجعلته يتخذ قراراً لا رجعة فيه بتسليم سيده.
(للمفارقة المدهشة، أن الكلمة اليونانية المترجمة هنا "تلف" هي نفسها المترجمة "هلاك" في صلاة الرب الشفاعية يو ١٧: ١٢، والتي قصد بها يهوذا تحديداً "وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ.")
![]() |
| خبط الحنطة - يهوذا وثمن الخيانة. |
يهوذا صنع أحلاماً في نفسه تدور حول ثورة كبيرة يقودها هذا الرجل يسوع - الذي علق عليه آمالاً كبيرة - وما يليها من حكم ووزارة وثروة طائلة وجاه متوقع، لكن كل هذا تبخر أمام عينيه، لذلك قال يهوذا لنفسه:
"هذا رجل مسرف مبذر لا يعير الأموال أي التفات يذكر وأصبح واضحاً انه لن يسعى خلف حكم او ثورة او ثروة. بعد ان عشنا ثلاث سنوات نقتات على ما في الصندوق الفقير الذي كان بالكاد يغطي تكاليفنا، وبعد ان عانينا من الترحال من بيت إلى بيت ومن قرية لأخرى ومن حقل لحقل. كان من الممكن ان تعوضنا الثلاثمائة دينار عن بعض معاناتنا السابقة وتجعلنا نصبر لوقت أطول بعد، لكن ها هي قد ذهبت ادراج الريح، فما الفائدة بعد؟"
ومتى أصبح الوضع هكذا (في تصور يهوذا)، إذاً لينتقم من يسوع هذا الذي سمح بتلف هذا الكم العظيم من الأموال على جسده:
"كما كان يسوع أنانياً ولم يفكر إلا في تعطير جسده فلنربح من ورائه آخر صفقة ونكسب من بيعه لرؤساء الكهنة وقادة اليهود آخر ما يمكن ان نكسب منه." هذا ما قاله يهوذا لنفسه.
(اقرأ أيضاً: نماذج من عند الصليب)
+ مقارنات
البشير مرقس وهو يعرض يهوذا بالتوازي مع النماذج الأخرى، يقدم لنا الوجه البغيض لما يفعله سلطان الظلمة في نفوس البشر في تناقض واضح وفاضح مع الوجه المشرق لنور المسيح وعمل الروح القدس في أبناء النور:
١) فهنا نرى مريم تقدم الطيب وتقدم لنا مثال لقمة التضحية والوعي والمشاركة مع السيد بالمتاح لديها وهي تراه قليلاً امام عمله العظيم وموته المزمع ان يقوم به "وَلكِنْ مَنْ أَنَا، وَمَنْ هُوَ شَعْبِي حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَنْتَدِبَ هكَذَا؟ لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ." (١أخ ٢٩: ١٤)....
بينما يهوذا يقدم صورة الانتهازية وتغليب المال وقانون المصلحة الذي يطغى على كل القيم والمبادئ والذي في ظله يتم التضحية بكل غالي وثمين من الحياة الروحية فضلاً عن العشرة الإنسانية في مقابل شهوة دنيئة، وباع سيدَه وعِشرةَ أكثر من ثلاث سنوات لم يرَ فيها الا كل خير من الرب، كل هذا في مقابل ثلاثين من الفضة التي لو قارناها مع تضحية مريم تتمثل لنا فعلة يهوذا جريمة دنيئة وخسيسة جداّ وكان سقوطه عظيماً.
هل يفعل كثيرون مثله؟
طبعاً يفعلون، لأن هذا هو الإنسان.
(اقرأ أيضاً: بيلاطس والمسيح)
٢) وهنا نرى يهوذا وهو يشبه بطرس في بعض الأوجه إذ نرى في كليهما ماذا يحدث عندما يسيطر "فكر" العالم و"الذهن" البشري على انسان ما ويحركه.
لكن في تصوير حالة يهوذا نرى البشيرين لوقا ويوحنا يذهبان لمدى أبعد عندما يكشفان لنا المصير الطبيعي الذي ينحدر اليه هذا الذهن البشري عندما يقع تأثير الشيطان "دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ." (يو ١٣: ٢٧، لو ٢٢: ٣) فينحدر إلى الأسوأ "فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ!" (مت ١٢: ٤٥).
بينما في حالة بطرس نرى التوبة والندم والحزن الذي هو "بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ" (٢كو ٧: ٩) وكيف يقبل ان يجدد الرب ذهنه ليجعله متوافقاً مع عمل روح الله. نرى بطرس وهو يندم على الأيام الماضية متطلعاً إلى مستقبل أفضل، الأمر الذي أعلنه في رسالته:
"٢لِكَيْ لاَ يَعِيشَ أَيْضًا الزَّمَانَ الْبَاقِيَ فِي الْجَسَدِ، لِشَهَوَاتِ النَّاسِ، بَلْ لإِرَادَةِ اللهِ.٣لأَنَّ زَمَانَ الْحَيَاةِ الَّذِي مَضَى يَكْفِينَا لِنَكُونَ قَدْ عَمِلْنَا إِرَادَةَ الأُمَمِ، سَالِكِينَ فِي الدَّعَارَةِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِدْمَانِ الْخَمْرِ، وَالْبَطَرِ، وَالْمُنَادَمَاتِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ الْمُحَرَّمَةِ" (١بط ٤: ٢، ٣).
٣) وهنا نرى في يهوذا النقيض البغيض لصاحب العلية، ذاك الرجل الذي ربما لم يلتقِ الرب إلا لسويعات قليلة، لكنه فتح بيته ليستضيفه عزيزاً كريماً، وكيف كان بيته ملجأ آمناً لنواة هذه الكنيسة الوليدة.
بينما يهوذا "رفيق الطريق" و"شريك الاحتياج" و"التلميذ المؤتمن" على الصندوق، والذي أُعْطِي سلطاناً لإخراج شياطين باسم المسيح، انقلب هذا فجأة بعد كل هذه العطايا ليصبح ألعوبة في يد عدو كل بر فيبيع السيد والمعلم وبثمن بخس.
فلتكن صلاتي وصلاتك باستمرار:
- يا رب احفظني فيك من ألاعيب الشرير وإغراءاته الباطلة التي تغرق الناس في العطب والهلاك.
- واحفظ ذهني وأفكاري تحت سلطان روحك من سيطرة المنطق الطبيعي للأشياء، ذلك المنطق الذي يحجب نظرة الإيمان التي ترى خلف الحُجُب.
- وهبني أن اعطيك نفسي وكل ما لدي دون اعتبار لحساب المكسب والخسارة، فتكون انت الأول والآخر البداية والنهاية.
(اقرأ أيضاً عن شخصيات ساهمت في احداث الميلاد.)
#خبط_الحنطة
٦ ابريل ٢٠١٨ - تاريخ النشر في فيسبوك.
اقرأ أيضاً:





احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..