-->

حذاري من خداع المشاعر

شخص يغطي نصف وجهه بصورة مبتسمة بينما نصفه المكشوف مُكَشِّر او عابس.
خبط الحنطة - حذاري من خداع المشاعر

حاجة ملاحظها من فترة ومشغول أقولها

لكن قبل ما اتكلم في ملاحظتي، خليني اسأل سؤال

حد يعرف مين أريوس الهرطوقي الشهير ويعرف اي حاجة عنه؟

بالاختصار كده، من لا يعرف أريوس يكفيه أن يقرأ العبارة التالية ليدرك تأثير هذا الرجل

"مر وقت من الأوقات كاد فيه العالم كله تقريباً أن يصير أريوسياً لولا اثناسيوس"


س. لماذا كان تأثيره شديداً هكذا؟

ج. شخصيته

المؤرخون يقولون إن أريوس كان:

        -  شخص مثقف جداً

        -  يتمتع بمظاهر الورع والتقوى

        -  معتد بالنفس مع حماسة شديدة وحب للنضال.

        -  محَدِّث لبق وخطيب مُفَوَّه

        -  استخدم الأشعار لأجل الترويج لآرائه ونشرها بين الجماهير التي تغنت بهذه الأشعار.

باختصار كده، كان شخصية كاريزمية فيها كل الصفات التي تستطيع اكتساب محبة الناس وتعاطفهم. استمال أريوس قسماً لا يستهان به من المسيحيين المعاصرين له بل وصل تأثيره إلى الإمبراطور الروماني نفسه مما جعله - في مرحلة ما - ينفى القديس أثناسيوس لأن أثناسيوس كان رأس حربة مهماً جداً في مقاومة بدعة أريوس. (انتظر مقالاتنا عن هذا الامبراطور وأريوس ومجمع نيقية في سلسلة تاريخ الكنيسة).

لهذه الدرجة وصل تأثير الرجل؟!!!........... طبعاً لهذه الدرجة!

أكثر من تأثر بحركة أريوس

من هؤلاء اللذين كانوا أكثر الناس تأثراً بأريوس والذين بدأ بهم حركته؟ بديهي، يكون الفئتان الأقرب اليه والمحتكتان به مباشرة: زملاء دراسته وشعب كنيسته.

١. زملاء دراسته:

ومن هؤلاء الزملاء من ترقى إلى رتب كهنوتية متقدمة جداً في الكنيسة (أساقفة) وهم الذين عضدوه ودفعوا به للمضي في طريق الكفاح لأجل نشر أفكاره.

٢. شعب كنيسته التي رُسِم فيها في الأسكندرية.

لماذا هاتان الفئتان؟

ببساطة شديدة، لأن هؤلاء هم من احتكوا به عن قرب وتأثروا بشخصيته فانقادوا تلقائياً لفكره المنحرف وانساقوا وراءه، والله وحده أعلم كم من آلاف أو ملايين من هؤلاء هلكوا لا لشيء إلا لأنهم "انبهروا بشخص" فانساقوا خلفه.

هنا أتذكر كلام الرسول بولس في رومية ١٦: ١٨ لما حذر من الذين "بالْكَلاَمِ الطَّيِّبِ وَالأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ يَخْدَعُونَ قُلُوبَ السُّلَمَاءِ (يعني البسطاء)".

يا عم قول كلام غير ده! "كلام طيب" و"أقوال حسنة" يخدعوا بيها؟

طبعاً! انت فاكر اللي هايخدع هايقول كلام صعب أو جارح أو عنيف! أكيد هايكون كلامه كله "طيب" و"معسول".

بولس كان يقصد من بهذا الكلام؟

قصد من يأتون بـ"التعليم" المخالف (تقدر ترجع للعدد السابق مباشرة ع١٧).

وكلنا عارفين ان التعليم محتاج ايه؟

محتاج "عقل"، التعليم يحتاج "عقل"!! تحتاج أن ترفع صلاة مخلصة للرب ليرشدك بالروح القدس وينير "عقلك" لتفهم كلامه وتقبله.

طيب "قلبي" و"مشاعري" اللي تحترم هذا الرجل وتقدره، مكانهم فين؟

معلش ياعم أنا آسف، مالهاش مكان في "التعليم"

الناس اللي زي أريوس ده، ما هي البوابة التي يدخلون منها للناس؟ "القلب والمشاعر"، علشان كده قال عنهم الرسول بولس في الآية اللي فاتت إن مدخلهم هو "قلوب" البسطاء (أو السذج  naive)

(اقرأ أيضاً: يسوع والسامريون والإقصاء.. ماذا نمد؟ الجسور أم طوق النجاة)

نرجع للملاحظة؟

كما تعرفون نمر بمرحلة غريبة الشكل من........ نسميها إيه؟ نسميها مثلاً "اجتهادات فكرية" صادمة، وخلالها استباح البعض - بدون مبررات لاهوتية حقيقية - ثوابتنا الإيمانية (التي "تعلمناها")، ونشكر الرب ان هناك من يرد عليهم ويناقش فرضياتهم بشكل "عقلاني" يستند إلى "التعليم" المستمد من نصوص كتابنا المقدس، يعني - في الواقع – نحن بصدد مناظرة مفتوحة "تعليمية" و"عقلانية" حتى وإن لم يرغب أحد الأطراف فيها لكنها فعلاً مناظرة.

 (انقر هنا لتتابعنا)

طيب وما الهدف من هذه المناظرة؟

هدفها هو "عقلك" أنت أيها القارئ، وعقل الأجيال الجديدة من أولادنا وبناتنا، علشان تشغَّل عقلك وتطلب سيطرة روح الرب عليه بإرشاد وهداية.

لكن وسط هذا كله، هل لاحظتم مثلي المظاهرات المكونة من "بوستات التأييد" لهذا الأخ أو ذاك (بدون ذكر أسماء)؟  بوستات ذكرتني بإعلانات التأييد أثناء الانتخابات، كلٌ يؤيد إبن الدائرة أو مرشحه المفضل. "بوستات التأييد" تعكس "مشاعر" الإخوة والأخوات المبهورين والمتأثرين بشخصية الأخ منهم، مظاهرات تركز على الصفات الشخصية والخصال والإنجازات لهذا الأخ أو ذاك الأخ، كلام عن تاريخ كل منهم، وكم أنه شخص مملوء من الروح القدس (حسب شهادة من يشهد طبعاً)، وكيف يصلي بالروح بخشوع وتقوى، وكيف اثر بحياته وبفكره في الكثيرين، وكيف ساعد الكثيرين...... إلخ.

كله.. كله.. كله تعبير عن "مشاعر" ومكنون "قلوب" الناس تجاه هؤلاء الإخوة، لكن يبقى السؤل قائماً: هل هذا مجال مشاعر أو كاريزما شخصية؟ طبعاً لا وألف لا، وإلا فنحن في خطر تكرار مأساة أشخاص مثل أريوس مرات ومرات.

ألا ترون أن أريوس تمتع ببعض هذه الصفات الشخصية إن لم يكن كلها؟

كاريزما أريوس:

لكن ترى ماذا كانت مشكلة أريوس؟

"فكر" مغلوط، "تعليم" مخالف، قراءة خطأ لنصوص الكتاب المقدس، كل هذا مغلف باريزما تجلب الإعجاب الشخصي. (اقرأ بالتفصيل عن الجدل الأريوسي ومجمع نيقية والامبراطور قسطنطين)

يا حضرات ليس هذا مجال مشاعر شخصية، لسنا في مجال الإعجاب بشخص طيب أو ذكي أو مثقف أو واعي أو متعلم أو قارئ أو ينزل عليه ألسنة من نار أو صاحب خدمة مثمرة أو عظات نارية أو مؤلفات عديدة أو مؤتمرات بالآلاف... لكن هذا مجال حق الهي معلن وواضح، إن قبلتم التلاعب فيه "تَسْقُطُوا مِنْ ثَبَاتِكُمْ" (٢ بطرس ٣ : ١٧)

الرسول يوحنا قال "امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟" (١ يوحنا ٤: ١) ومش هاينفع تمتحن وتدقق وتقيِّم التعليم وأنت أسير مشاعر الإعجاب والوله بشخصيات الناس، بالتأكيد هاتحكم غلط.

الاعجاب الشخصي والهرطقة يعميان البصيرة.

كمان الرسول بولس كان حاسماً جداً حين حدد الموقف المطلوب من المؤمنين تجاه من يشكُّون أنهم يتلاعبون بالتعليم لما قال "لاَحِظُوا (امتحنوا وشغلوا عقولكم بدون تأثير لمشاعر الإعجاب) ...... وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ (أعطوهم القفا لا الوجه بدون جدال كتير)" (رومية ١٦: ١٧). بالضبط كما هرب يوسف تاركاً رداءه.

طيب يا رب قد يصيب أو يخطئ في محاولاته التفسيرية وقد أتفق أو أختلف معه في بعض أو الكثير من افكاره، لكن انت شايفه شخص ممتاز، مثقف ومخه كبير وله حضور!

طيب يا رب هذا عزيز عليَّ جداً وأثر فيَّ وفي كثيرين، هو صحيح يخطئ أحياناً، لكن مين فينا لا يخطئ؟

طيب يا رب ده له انجازات عظيمة يشهد بها الجميع لدرجة أنى صعب أتخيل الكنيسة من غيره!

الرسول بولس بنفسه يرد على كل هذه الدعاوى ويقول كلام صادم وقاسي جداً:

لو جه ملاك من السماء، أو لو أنا بولس (من علمتكم الإيمان وولدتكم في المسيح)، لو حضرت اليكم مرة أخرى ورأيتم مني تعليما يخالف ما علمتكم به سابقاً، عندها جنبوا كل المشاعر التي تكنونها لي جانباً ولا تقبلوا مني هذا التعليم، بل اعرضوا عني ينبغي التمييز بين التعليم والشخصية.

"إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ (أنا بولس) أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!" (غلاطية ١: ٨)

المقال ده ليس موجهاً الى "س" أو "ص" أو "ع" ممن نجادلهم بسبب ما يخرج منهم مما نراه يخالف التعليم الصحيح، لكن هذا الكلام موجه اليك يامن تقرأ وتسمع ما نقول وما يقولون ويكتبون، لا تعط للمشاعر أو لتقديرك للشخصيات أي فرصة للتأثير على تعلمك لحق الإنجيل.

#خبط_الحنطة    #حذاري_من_خداع_المشاعر

١٢ أغسطس ٢٠١٧ -  تاريخ نشره على فيسبوك

اقرأ أيضاً:

لبانة الاعلان العام

هرطق يهرطق هرطقة

من خرم المفتاح

تعليقات