(١)
تفتح عينيها متثاقلة، تلتقط أنفاسها بصعوبة، الهم كبير جاثم على صدرها مما يجعل حتى حركة أنفاسها صعبة، تتمنى لو أنها لا تقوم من الفراش، تنهض متثاقلة وتذهب إلى كوة الغرفة لتفتحها، شمس الصباح في مدينتها الصغيرة على ساحل البحر أكثر حرارة من المعتاد، لم تفاجأ بهذا حيث أصبح معتاداً منذ شهور. الاشجار في الخارج تحول ما بقي من أوراقها إلى اللون الأصفر والفروع نفسها جفت وبهتت خضرتها. لم يشهدوا في مدينتهم مطراً طوال الشتاء وها هو الشتاء قد لملم اهبته واستعد للرحيل ليترك لهم صيفاً حارقاً للمرة الثانية على التوالي بدون مطر.
تلقي نظرة على الصبي الصغير النائم في فراشه ويزداد الاحساس بالهم إلحاحاً، لم تتوقف يوماً عن أن تُسائل نفسها لماذا شاءت الآلهة أن يموت الزوج ويتركها وحيدة بهذا اليتيم الصغير الغض؟! تُرى أما كانت أفضل حالاً الآن لو كان الزوج باقٍ يساندها في وقت عصيب كهذا؟!
![]() |
| خبط الحنطة - مشكلتك لها حل |
تتذكر الشهور القليلة الماضية وكيف كانت تستيقظ كل يوم آملةً أن يحمل لها اليومُ رجاءً ان تسقط الأمطار حاملة للمنطقة كلِّها الارتواء ونمو الزروع بعد أن جفت الدنيا، لكن ها الموسم الثاني للأمطار أوشك على الرحيل ولم تسقط قطرة واحدة، وأصبحت الايام تُبعِد الرجاءَ عنها بدلاً من تقريبه اليها. هذا ما يجعلها تتساءل متعجبة: لماذا آلهة بلادها – وكبيرهم إلهُ الخصوبة والامطار – لم يرسلوا لهم مطراً طوال ما يزيد عن السنة الآن؟ لقد ظلت تشاهد كهنتهم يذبحون ويسجدون للآلهة لعلها تأتي بالمطر لكن دون جدوى.
لم يعم الجفاف المملكة الصغيرة التي تسكنها فقط، لكن ما نما الى مسامعها أن الجفاف عم أيضاً ممالك مجاورة لهم، فقد بلغها أن الجفاف ساد أيضاً المملكة المجاورة لهم من جهة الجنوب، لم يكن غريباً أن تتابع هذه الأرملة اخبار الجيران الجنوبيين، ليس فقط لان حدوداً مشتركة وعلاقات تجارية تربط المملكتين، وليس فقط لأن علاقة مصاهرة تمت بين الاسرتين الحاكمتين في البلدين، لكن ما استرعى انتباهها اكثر كان ما سمعته عن إلهٍ مقتدرٍ في الفعل تتم عبادته في الجنوب، والغريب في الأمر أن لا احد رأي صورة لذلك الإله لأنه نهى عابديه عن عمل أي صورة او تمثال، لقد اعتادت المرأة أن ترى شكل المحارب على تماثيل إلهها إله المطر والخصوبة، لذلك فهي لا تستطيع استيعاب كيف يوجد إلهٌ بلا صورة او شكل! الأغرب جداً هو أن نفس ذلك الإله الذي يحكون أنه انزل طعاماً من السماء لشعبه لم يحمِ عُبَّاده في الجنوب من الجفاف الحاصل في المنطقة كلها، فالأمر يبدو لها وكأن كل الآلهة اتفقت على حرمان الارض من المطر.
(٢)
تربت بحنان بالغ على رأس الصبي داعية إياه للاستيقاظ من النوم ثم تنهض لروتينها المنزلي اليومي الذي يبدأ بالذهاب إلى الكرار (مستودع الغذاء في البيت).
المعتاد عندها أن تُخرِج تموين القمح الاسبوعي من صومعة القمح (وعاء فخاري ضخم بحجم برميل البترول) وتقوم بطحنه دقيقاً تضعه في صومعة الدقيق الاصغر حجماً لتستهلك منه الأسبوع كله، هذه المهمة في الأسابيع الأخيرة أصبحت تزيد من كآبة قلبها بشكل متزايد، لأنها مضطرة لمراقبة ما يتبقى من قمح في الصومعة، وقد كان الهم يزداد بداخلها كلما وجدت القمح يتناقص في الصومعة اسبوعاً بعد اسبوع، بينما المطر لم يأتِ بعد ولا يبدو في الأفق أيَ املٍ في أن تجد قمحاً أو شعيراً جديداً في حقلٍ أو في سوقٍ لتعيد ملء الصومعة.
تتذكر انها اصبحت في الشهور الأخيرة تقلل من كميات الدقيق اليومية التي تستهلكها فتقل كمية ما تأكله هي وابنها أملاً في إطالة زمن الاستفادة قدر الإمكان، لكن القمح ظل يتناقص ويتناقص ولابد سيأتي اليوم الذي ينتهي فيه القمح والزيت من الكرار. (اقرأ أيضاً: لماذا لا ينجح أسلوبك)
في السابق، لم تعتد أن ترُدَّ أحداً من جيرانها متى احتاجوا لشيء، لكنها مضطرة أخيراً لصد أي محتاج، و...."يا روح ما بعدك روح".
وها هي اليوم تتوجه للكرار لترى ما تبقى من قمح فإذا بالموجود بالكاد يكفي دقيقاً لهذا الاسبوع فقط، وليس حال الزيت المتبقي بأفضل من هذا. طحنت القمح ووضعته في صومعة الدقيق وهكذا بدأ العد التنازلي للأسبوع الأخير من حياتها وحياة ابنها.
لكن صوتاً داخلها يقول لها: "لا تخافي! سأرسل لكما ما يكفيكما ولن تجوعا"
تحاول تتبع خيالها الى أبعد ما يمكن لتتصور من اين يمكن أن يأتي الطعام الاسبوع القادم؟ هل من قصر الملك في العاصمة؟ لكن لماذا يرسل الملك إليها هي تحديداً من بين كل الناس! لا صلة قرابة ولا نسب، ولا هي ذات منصب هام في الدولة، ولا هي من إحدى العائلات الأرستقراطية المتميزة، ولم يكن زوجها في أي من هذه المواقع! ثم إن ما تعلمه أن الجفاف عام على الكل ولم يميز بين الرعاع والأسرة الحاكمة، فمن أين للملك أن يرسل لها أو لآخرين؟ ولماذا هي بالذات؟ وكم من الوقت سيستطيع، إن هو فعل؟
لكن ظل الصوت يتردد في أذنيها:
"لا تخافي! سيصلك ما يكفيكما ولن تجوعا"
(٣)
في هذه الأثناء كان رجل الله ينتهي من خلوته الصباحية ويخرج من تلك المغارة الصغيرة التي اختارها لنفسه ملجأً ومخبأً لما يزيد قليلاً عن العام، وهي في المنطقة البريَّة القريبة من محل ميلاده حيث لا يوجد بشر يمرون قريباً، وحيث لا مصادر للطعام متاحة، وحيث لم يكن لديه الا رافد صغير من الماء العذب يجري بجواره، والذي إليه كان ينزل ليأخذ احتياجاته من الماء. لكن ها هو النُهَير يكاد يجف ماؤه. نظرة سريعة إلى السماء الزرقاء الخالية من السحب وشمس الصباح الحارقة كعادتها طوال الشهور الماضية يبدو معها جلياً أن المطر محتملٌ أن يظل مقطوعاً شهوراً وربما سنين.
اثناء استغراقه في هذه الملاحظات إذا بالصوت يتكلم إليه، ليس صوتاً غريباً عليه، لكنه نفس الصوت الذي اعتاد سماعه لسنين طوال، وبنفس الأسلوب الذي لا يمكن أن يخطئه ابداً، الصوت الذي أمره أن يأتي ليختبئ في هذه البرية منذ شهور هو الآن يأمره أن يتحرك في اتجاه شمال غرب إلى مدينة صغيرة خارج حدود بلاده، ويخبره الصوت السماوي العميق الجميل الذي يصعب وصفه أن هناك في تلك المدينة امرأةً أرملةً لديها أمر بأن تهتم بكل أموره.
لفت نظر رجل الله أنه مأمور أن يذهب ليعيش في بلاد أجنبية وسط شعب غريب، ورغم ان وجود المخبأ خارج البلاد قد يبدو أمراً مفهوماً، لأنه بهذا سيكون بعيداً عن العَسَسِ وعيون الملك الذي بلا شك يبحث عنه الآن باستماتة، إلا ان هذه الأمور لم تكن أبداً ما يمكن أن يشغل تفكيره حيث لم يعتد أن يعير كثير اهتمامٍ لمثل هذه التفاصيل، لأنه يعلم يقيناً كيف ان الرب صالح ويحب البشر ويعتني بهم وقد ثبت له ذلك عملياً بشتى الطرق، إلا أن ما حيره فعلاً هو أن المكلف بالاهتمام بأموره ليست فقط امرأة بل هي أيضاً أرملة.
يتذكر رجلُ الله كيف أحسن الرب إليه لسنين طويلة بشكل غير عادي، وكثير من تعاملات الله غريبة لا يمكن أن تخطر على بال إنسان، آخرها هذه البرية القاحلة حيث يأتي إليه الطعام بمعجزة صباحاً ومساءًا، لم ينقطع ولا مرة، وها هو يقضم رغيف الخبز المحشو لحماً الذي وجده باكراً كالمعتاد. لكن ما شغل فكر رجل الله فعلاً هو خط سير هذه الرحلة القادمة وكيفية السفر لمسافة تتجاوز ١٥٠ كيلومتراً، طبعاً هو موهوب بقدرة عجيبة على العدو بسرعة خارقة يمكن ان تختصر له زمن الرحلة بشكل كبير جداً، لكن إن هو فعل هذا فسيلفت الأنظار إليه وهو لا يرغب في هذا حفاظاً على أمنه، لذلك كان قرارُه أن يسافر ماشياً بشكل طبيعي مثل بقية البشر، الأمر الذي سيستغرقه أياماً، لكنه هكذا لن يلفت النظر إليه.
(٤)
جمع حاجياته القليلة وقام منطلقاً في التو في رحلة السفر التي رآها فرصة جيدة لمراقبة احوال الناس الذين سيمر في وسطهم. لم يحمل رجل الله هماً ابداً، لم يرتبك ابداً أو يقلقه همُّ اكلٍ او شربٍ أو ملبسٍ، فقد اعتاد منذ نعومة أظافره على الاتكال على الرب منذ اتخذ قرار اتِّباعه له وفي كل الاوقات والحالات. طلباتُه بسيطة واحتياجاتُه محدودةٌ، ملابسُه ينسجها من وبر الإبل ويستعمل حزاماً من جلود الحيوانات يشد به وسطه، كل ما يشغله هو ان يرى اهتمام الناس بإرضاء الرب في كل طرقهم في علاقة حقيقية معه وبالتالي ينالون من هذا الإله الجوَّاد الخير الجزيل الذي يُعِدُّه لهم، لكن شرور البشر وزيغانهم عنه في وثنية مستترة بأشكال عديدة تحجب خيرَ الرب وعنايتَه عنهم، وهذا ما تسبب في موجة الجفاف القاتلة التي تمر بها المنطقة كلها.
ازعجَ رجلَ الله كثيراً أن يرى كيف أن جُلَ اهتمام الناس ينصب على طلباتهم المادية وسداد احتياجات أجسادهم من اكل وشرب وجنس وامتلاك "أشياء" هم يعلمون جيداً أنهم سيتركونها لغيرهم عند موتهم، ينزعجون كثيراً اذا لم يمتلكوا "الأشياء" فيسعون إليها بعصبية وقلق، ويبيعون الرخيص والغالي - حتى اقرب الاقربين - ليمتلكوها، وحتى الله - الذي يدَّعون عبادته - لا يجدون له وقتاً وسط مشغولياتهم، والمدهش أن انزعاجهم يزيد حينما يستشعرون خطر فقدان ما امتلكوه، فتنقلب أيامُهم خوفاً ولياليهم أرقاً واحلامُهم كوابيسَ مرعبة، الذي منهم يملك القليلَ يحسد من يملك اكثر منه وهذا بدوره تأكله غيرتُه ممن يملك الأكثر. دائرة من العذاب لا تنتهي، ورغم ذلك يتشبثون بها بكل ما أوتوا من قوة وكأنها آلهة تضمن لهم الحياة رغم خوائها من أي حياة أو فائدة حقيقية. حتى ما يعبدون من آلهة – في الوثنية الصريحة – فهذه الآلهة تستثمر هذه الدائرة الشهوانية الجهنمية فيهم، فهم في عبادتهم يذبحون ويأكلون حتى التخمة ويشربون حتى الثمالة، وكاهناتُ الجنس متاحات في هياكل الاوثان إرضاءً لآلهة الخصوبة والنماء والمطر.
من أجل كل ذلك يرى رجلُ الله انه من المنطقي أن يحرمهم الرب من مُعْتَمَدِهم الباطلِ كلِّه ليستفيقوا من اوهامهم ويدركوا حاجتَهم الحقيقية والمصدرَ الوحيد لكل شبع واستقرار وأمن. الحل الوحيد هو تجريدهم من قدراتهم الشخصية وإمكانياتهم الاقتصادية والسياسية واللوجستية وكشف آلهتهم الزائفة الخادعة التي لا تملك لنفسها ولا لهم شيئاً، كل هذا بالتأكيد سيساعد على فتح عيونهم على الجوهر الحقيقي للحياة الحقيقية.
رجل الله يجد نفسه مقتنعاً أشد الاقتناع أنه من اجل كل تلك الاسباب امتنع المطر عن السقوط وسيظل الحال هكذا طالما ظل أهل المنطقة مستغنين عن الإله الحي الحقيقي ومتشبثين باجتهادات شخصية يحلون بها مشكلاتهم، طوال رحلته رأى الكثيرين وقد انهمكوا في حفر الآبار بحثاً عن المياه، لكن كل هذه الآبار سطحية تعتمد على الأمطار لتمتلئ، ولو انقطعت الأمطار، من البديهي أن تجف هذه الآبار سريعاً، كما بلغ اسماع رجل الله أن الملك أمر رجاله بالبحث في اي مكان بعيد أو قريب يكون فيه مرعىً باقٍ لإنقاذ ما تبقى من الخيل والبغال لما لها من أهمية لأعمال المملكة. كل هذا يراه رجل الله ويسمع به ولا يرى أي فائدة جوهرية من كل هذه الحلول، لكن مع الاسف، طالما بقيت محاولاتٌ في جعبة البشر سيظلوا مكابرين لا يعودون إلى الرب بتوبة طالبين معونته.. يتأمل كل هذا ويقول لنفسه متأسفاً: "يا خسارة! لم يحن وقت الافتقاد بعد".
(٥)
وسط زحمة أفكاره هذه، تلوح المدينة الهدف في الأفق البعيد، يبدو أن ساعتي النهار المتبقيات لن تكفيانه للوصول، لذلك، سيحتاج لمسيرة اضافية ساعة أو أكثر قليلاً في الصباح الباكر ليصل لأبواب المدينة عند فتحها صباحاً، ويعود يلح عليه السؤال الذي لم يزعج نفسه من قبل بالبحث عن إجابة له: ترى لماذا امرأة لتعوله وهو الرجل؟ ولماذا أرملة؟ ومن تكون تلك المرأة الأرملة؟ وكيف ستتمكن من إعالته لمدة يبدو أنها ستكون طويلة؟ من اين ستأتي بالطعام الكافي؟ ولماذا ارسله الرب لخارج البلاد؟ لعل المطر مازال يسقط على هذه البلاد المجاورة لذلك عندهم طعام؟ لكن لو كان هذا حقيقياً لذهب كثيرون من مواطنيه في هجرة مؤقتة أو حتى ليستجلبوا لأنفسهم طعاماً من هناك ويحلوا مشكلتهم، الأمر الذي لم يحدث فعلياً. أضف إلى هذا أن هذه المملكة المجاورة هي واحد من ضمن أسباب انهماك مواطني بلاده في العبادة الوثنية التي أرسلها لهم الجيران الشماليون مع المصاهرة الملكية، وبلد بهذا الشر ينبغي أن يقع عليها ما على باقي شعوب المنطقة لعلهم يستفيقوا ويتوبوا.
إنه صباح اليوم السابع إذاً، وها هو رجل الله يقترب من اسوار المدينة وهو يحادث نفسه بأن المرأة التي أرسله الرب إليها ربما تكون أرملة موسرةً من عائلة كبيرة، أو رحل عنها زوجٌ غنيٌ تاركاً لها املاكاً ومخازنَ تحوي الكثير من الغلال وثمار الحقل! وإن كانت هكذا، فلماذا سترحبَ برجل أجنبي وتعطف عليه وتقوته؟ عند هذا السؤال عادت إليه ذكريات اختباراته العديدة فلم يتمالك نفسه من السخرية من سخافة التساؤل، لأنه رأى بعينيه كيف سخَّر الرب "الآكِلَ" ليُخرِج” أُكْلاً“، فكيف سيصعب عليه أن يجعل امرأة أجنبية تعوله!
يسترجع رجل الله تاريخ الأجداد اثناء اقترابه من باب المدينة ويضع علامة لنفسه مثلهم: إن المرأة التي يطلب منها ان تسقيه ماءً فتستجيب له تكون هي التي أشار إليها الرب.
(٦)
هو صباح اليوم السابع إذاً! وها هي تستيقظ من نومها متثاقلةً مجدداً ونفس الهم باقٍ لم يزل، بل كان الهم يتضخم باضطراد طوال هذا الأسبوع المنصرم، إنه الاسبوع الاخير تبعاً للحسابات الاقتصادية، فبواقي الدقيق في الكرار تناقصت سريعاً خلال الأسبوع كما هو متوقع، والزيت الذي يضفي طعماً مقبولاً لأي طعام أو خُبز ما عاد منه إلا النذر القليل، الموجود بالكاد يكفي أكلةً واحدة لهذا اليوم وبعدها ستلقى هي وابنُها مصير الكثيرين من جيرانها الذين سبقوها للموت. تُسائل نفسها عن الوعد الذي ظلت تسمعه من ذلك الصوت الذي تردد داخلها، ولماذا لم يتحقق منه شيء؟ لابد انها كانت تخدع نفسها، كانت اضغاثُ احلامٍ إذاً! ليس هناك من يهتم بها، لا إنسانٌ ولا إلهٌ يهمه أمرَها وأمرَ اليتيم الصغير، لم يطرق بابها اميرٌ ولا غفير، لم يسأل عن حالهما جار قريب ولا مسؤولٌ بعيد، الكل مشغول في هم نفسه، الكل يقول لنفسه مثلما قالت هي يوماً: "يا روح ما بعدك روح"، والآن ها هم يموتون كلٌ مع نفسه، وها هي ستلقى نفس المصير، هي مسألة وقت إذاً، اليوم أو غداً أو بعد غد.
تتحرك متثاقلةً وتفتح الكوة وتنظر السماء الخالية من اي سحب في الخارج، تنظر الشمس الحارقة التي تعودتها طوال الشهور الماضية، تتنسم الهواء النقي القادم من الخارج لعله يفك عن صدرها الاختناق الذي تعانيه، من خلال دموعها تنظر الى اليتيم النائم فتثقل يدها عن الامتداد إليه لإيقاظه، لو استيقظ سيطلب طعاماً وليس في البيت طعام، لتتركه نائماً مؤقتاً حتى تتدبر أمرها، لم يعد لديها إلا هذه الدموع رفيقٌ دائمٌ، تذهب الرحلة اليومية الأخيرة إلى الكرار لتتأكد من الباقي هناك، تعبر في الطريق على الفرن حيث تخبز خبزها فلا ترى هناك حطباً للخَبْز، لم يعد أحد يجلب لها الحطب كما في السابق. ستخرج إذاً قبل صهد الظهيرة لتجد لنفسها بعض فروع الأشجار حيث اعتادت في الأسابيع الأخيرة على الخروج لاجتلاب الحطب بنفسها من أفرع الأشجار الساقطة في الطريق، وإن لم تجد فهي تخرج إلى الحقول خارج باب المدينة.
تخرج من البيت ونظرها متجه لأرض الطريق لترى اي ما يصلح حطباً، تلتقط ما يقع عليه نظرها وتستكمل طريقها نحو باب المدينة، لم تلحظ في البداية هذا الرجل الغريب الداخل من الباب، لكن اجتذب سمعها صوتُه يطلب منها قليلَ ماءٍ للشرب، ترفع عينيها عن الطريق لترى في غبشة الدموع رجلاً اجنبياً مظهره وحشي وابعد ما يكون عن الأناقة، يلبس زياً خشناً، ولحيته وشعره طويلان بشكل مبالغ فيه. تتذكر ما سمعته عن أولئك المتنسكين اتباع ذلك الإله المجهول في الجنوب وها أحدهم الآن واقف قبالتها بل ويطلب منها ماءًا ليشرب.
(٧)
لا تدري المرأة لماذا استحضر صوتُ الرجلِ الذي يكلمُها الآن ذكرى ذلك الصوت المطمئن الذي تردد في ذهنها كثيراً في الأيام الماضية واعداً بالمعونة، لكن للمفارقة، الرجل هو من يحتاج للمعونة، يحتاج أن يشرب! عموماً لا بأس فهو لم يطلب الكثير وماء الشرب مازال متاحاً بعكس الطعام، لذلك لن تخسر شيئاً إن هي قدمت هذه الخدمة البسيطة لهذا الوافد الغريب.
ما إن استدارت لتذهب لإحضار الماء له حتى ناداها:
"هاتي لي كسرة خبز في يدك"...
آاااه... اتينا للمحظور! لقد ظلت ممسكة يدها على ما عندها وامتنعت منذ شهور عن بذل شيء للآخرين إتِّباعاً لمبدأ "يا روح ما بعدك روح"، ورغم هذا تناقص الطعام عندها يوماً فيوماً، فهل يأتي هذا الغريب اليوم يطلب منها ان يشاركها الفتات الباقي عندها!!
ثم إنه يتبع ذلك الإله الذي يحكون أنه انزل لشعبه اكلاً من السماء، فلماذا لا يطلب من إلهه أن يكرر نفس الامر وينزل له ولها اكلاً يبقيهم أحياءً بدلاً من اقتسامه اللقمة الباقية في يدها ويد ابنها؟! (اقرأ: الله والمعجزة واستجابة الصلاة)
"حي هو الرب إلهُك، الذي انزل لأجدادك خبزاً من السماء، لَيسَ عِندي خبزاً في البيت، لكن حفنةٌ من الدقيقِ في الصومعة، وقَليلٌ من الزيت في القارورة ما يكفي لخَبز شيءٍ يسير آكله مع ابني ثم نستسلم للموت، وها انت تراني اجمع قليلاً من الحطب لزوم الخَبْز".
كما تفحصها رجل الله قبل أن يناديها، يعيد النظرة الفاحصة لها للمرة الثانية ويتأمل رقةَ حالها ومدى احتياجها الواضح ويُسائل نفسه: "ترى من منا المرسل لمعونة الآخر؟ هي بالقليل الذي عندها؟ ام أنا بنعمة الله التي حفظتني شهوراً وسنين وتستطيع أن تحفظ كل المتكلين على جلاله وغناه؟ يبدو أن كلا الأمرين صحيح ويجب حدوثهما بالتوازي! اتراها إذاً في حاجة لأن تقدم مما عندها لكي تنال ما يرسله لها الله؟! يبدو أن هذا هو المطلوب"
هنا ينطق الرجلُ: "لا تخافي! سيرسل الرب ما يكفيكما ولن تجوعا".
تذكرت المرأة نفس هذا الوعد الذي تكرر في أذنيها وداخل قلبها كثيراً، وها هو ذلك الغريب يقوله بفمه. هذا أسعدها جداً، اذاً هذا الرجل قادم لنجدتها!
لكن أُسقط في يدها لما فوجئت بالرجل يكمل كلامه:
"لكن اعملي لي أولاً رغيف خبز صغيراً واحضريه إليّ ثم اعملي لكي وللولد"..
أي رغيف صغير؟!! ما في البيت بالكاد يكفي رغيفاً صغيراً واحداً، فكيف تقدم كل ما لديها لهذا الرجل؟ وماذا سيتبقى لها؟
(٨)
لم تجد في نفسها الشجاعة لتعارض الرجل، فنفس الكلمات التي تتردد في ذهنها منذ مدة انطلقت من شفتيه، وهو واحد من اتباع ذلك الإله المجهول الشكل الساكن السماء الذي أرسل لأتباعه الطعام يومياً في البرية، لقد سمعت القصة من قبل، كيف كانوا ينتهون من كل ما لديهم من طعام يومياً ليأتيهم طعام جديد.
تقدم رجلاً وتؤخر الأخرى عائدة إلى البيت، قلبها يخفق وقواها خائرة من الحيرة والقلق والخوف، الدقيق الباقي بالكاد يكفي اليوم وبعدها الموت، تتلاطم الأفكار في رأسها وشبح الموت تراه كأنه قاب قوسين أو أدنى منها، ونقطة الضوء الوحيدة التي تبدو في آخر النفق هي ما قاله الرجل الآن: "لا تخافي! سيرسل الرب ما يكفيكما ولن تجوعا".
تمد يداً مرتعشة الى حفنة الدقيق القليلة الباقية لتغترف نصفها لصنع الخبز لرجل الله بينما عيناها زائغتان على المتبقي في الصومعة، بالكاد يكفي ولدها فقط.... تعجن وتخبز رغيف الخبز الصغير وتخرجه للرجل الجالس في الخارج بينما تستغرب في نفسها هذا "الجنون" أن تقتسم ما تبقى عندها من يسير الطعام مع شخص غريب!
كل ما يشغل ذهنها هو حفنة الدقيق الصغيرة الباقية في الداخل مع هذا الوعد المطمئن: "لا تخافي! سيرسل الرب ما يكفيكما ولن تجوعا"... تعود مسرعة لتغترف دقيقاً لخبز ولدها فترى الدقيق مازال منه باقٍ لتأخذ لنفسها هي أيضاً، فتفعل... وها مقدارٌ آخر باقٍ منه في الصومعة، ربما لا يكفي كليهما في الغد، لكن من كان يظن أنهما سيأكلان اليوم حتى الشبع؟! بعد أن حسبت أنه اليوم الأخير ها هي وابنها قد أكلا وشبعا وأيضا رجل الله الغريب القادم من الجنوب. كل هذا من القليل الذي عندها. إذاً فلندع الغد يهتم بما لنفسه.
(اقرأ أيضاً: خبزنا كفافنا)
(٩)
تستيقظ في نشاط، وتفتح عينيها ببشر، تتحرك الى كوة الغرفة لتفتحها، تستنشق الهواء النقي القادم من الكوة بكل ارتياح فلم يعد صدرها ضيقاً كما كان، لم يتغير شيء في الخارج، فالسماء مازالت صافية جداً بلا مظهر واحد من مظاهر السحب، والشمس مازالت تضرب بحرارة كما كانت لشهور، والأشجار أوراقها اختفت تماماً، وفروعها ازدادت جفافاً... لكن لا بأس!
تلتفت نحو الصبي الصغير النائم، تقبله وتربت على رأسه بحنو بالغ لتيقظه من نومه، ثم تتجه في الرحلة الصباحية المعتادة الى الكرار وتفتح قارورة الزيت وصومعة الدقيق. تلقي نظرة على الدقيق الباقي، لا يبدو أن الوضع تغير كثيراً إذ مازال الباقي قليلاً، ربما ما يكفي بالكاد لعمل خبز لها ولابنها... لكن لا بأس!
تتناول اولاً حفنتي دقيق من هذا القليل وتخرج لعمل رغيف لرجل الله القابع في تلك الغرفة الصغيرة على سطح البيت على أن تعود لاحقاً لعمل الخبز لها وللطفل، لا يعتريها أي قلق فستجد بالتأكيد ما يكفي من الدقيق عندما تعود، حيث مازال الحال قائماً هكذا منذ حضر رجل الله، تتذكر الشهور الماضية وتعلو وجهها ابتسامة كبيرة، من كان يتصور أن يكون حل مشكلتها بهذه البساطة: فقط تقتسم القليل الذي عندها مع آخرين بعد ان اطمئنت لوعد الرب؟؟!!!
"يا روح ما بعدك روح" لم يعد له مكان.
#مشكلتك_لها_حل
![]() |
| خبط الحنطة - أعطوا تعطوا |
٦ يوليو ٢٠١٨ - تاريخ بداية النشر في فيسبوك
اقرأ أيضاً:


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..