كثيرون يجدون صعوبة في مواءمة مفاهيم من نوعية "ارادة الله" و"علم الله السابق" و"سلطان الله" وغيرها الكثير، مع مفاهيم من نوعية "حرية إرادة الإنسان" و"مسؤولية الإنسان عن عواقب قراراته" وأن "الإنسان مخير وليس مسيراً" وغيرها، وهذا الأمر أيضاً ينطبق بالضرورة على أمور أخرى كثيرة من مثل هل يستجيب الله للصلاة أم ان أموراً تقررت...... الخ (اقرأ أيضاً: أصل الكون ونظريات العلماء)
حل هذه المعضلة يكمن في فهمنا للفارق بين تأثير "الزمن" علينا وإدراكنا له كبشر مخلوقين وبين الله الخالق الذي هو "خارج الزمن".
![]() |
| خبط الحنطة - الله والزمن |
لاحظ - مثلاً - ان التعبير (علم الله "السابق") في حد ذاته ينطوي على وجود زمن يكون فيه ماضي وحاضر ومستقبل، والتعبير "سابق" يحتوي ضمناً الإشارة إلى "مستقبل"، وهذا تعبير "بشري" يقرب المعاني لأذهاننا المحدودة نحن البشر فنستطيع إدراكها (Perception)، بينما الله في الحقيقة "خارج الزمن" وليس عنده "ماضي" و"حاضر" و"مستقبل" بمثل إدراكنا نحن البشر للزمن، الكل عنده "حاضر" فقط، أفعاله وردود أفعاله كلها في "الحاضر" فقط وحتى معرفته كلها في "حاضر" فقط، حتى ما ندركه أو نتصوره نحن "مستقبلاً"، الله فعلياً "يراه" كله "حاضراً" (أو ممكن نستخدم التعبير التكنولوجي real-time).
(اقرأ: يسوع على الصليب الآن)
أمر صعب وأكبر من أذهاننا البشرية المحدودة، لكن فهمه ممكن في الحدود الممكنة التي تجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة.
البعض يجدون مشكلة في مطابقة الكلام السابق مع تعبيرات كتابية مثل:
"مقتضى علم الله الآب السابق" (أع ٢: ٢٣، ١بط ١: ٢)
أو
"معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم" (١بط ١: ٢٠).
وهذه التعبيرات كلها تشمل "ترتيب زمني" طالما فيها سابق ولاحق، لكن لا يصح أن ننسى أن الكتاب المقدس هو رسالة الله للبشر، ومكتوبة بلغة بشرية ليفهمها ويستوعبها البشر، ونحن البشر ما كان ممكنا (ولن يمكن) أن نستوعب الا ما يحتويه زمان.. لذلك كلمنا الله بما نفهم. وهو وإن كان أبسط نسبياً لكنه لا يختلف عن الأعمق الذي يصعب علينا فهمه.
هو موضوع صعب بكل تأكيد، وكل اجتهاداتنا فيه مهما كبرت هي محدودة وقاصرة على قدر قصورنا ومحدودية بشريتنا، لكن الغريبة أنك تجد من يتساءل:
اين في الكتاب المقدس تجد النص أن الله خارج الزمن والمكان؟
ومع أن في الكتاب الكثير للرد على السؤال ، لكن المصيبة ، أن سؤالاً كهذا أتصوره لا يصح أن يصدر عن صاحب عقل "مفكر" ، لأن "المنطق" يقول انك ان كنت تؤمن أن الله خالق ، والزمان والمكان مخلوقان (إذا قرأت مقالنا عن أصل الكون ونظريات العلماء، ستجد أنه بعد سيادة نظرية "الانفجار الكبير" أصبح في حكم المؤكد - "علمياً" - أن الكون نفسه "غير ازلي" أي أن له بداية وإن اختلفوا فيها) ، أقول لو أن الله هو الخالق وان الزمان والمكان مخلوقان يكون من البديهي أن الخالق يحتوي المخلوق ، فالله الخالق غير محدود في الزمان ولا في المكان بل يحتويهما ، لان الغير محدود يحتوي المحدود ويؤثر فيه كيفما يشاء ومتى يشاء بينما العكس ليس صحيحاً طبعاً. (اقرأ أيضاً: جدلية العلم الحديث والكتاب المقدس وما يتصل به من مقالات تالية)
الله اخترق الزمان والمكان مرة في "التجسد"، وهو يختار أن "يؤثر" في الأحداث والشخصيات وحتى التاريخ كله حسب إرادته الحرة (حيث أن التاريخ محكوم بالزمن)، كل هذا من دون أن يكون للزمن تأثير عليه (أقصد على الله).
هو موضوع صعب لكن كل الهدف منه هو فهم معاملات الله بطريقة عملية قدر الإمكان، بينما تظل المسؤولية علينا كبشر في قرارات ارادتنا الحرة وتجاوبنا مع معاملات الله وصوته بالإيمان.
#الله_والزمن #مفاهيم_صعبة
#خبط_الحنطة
٥ أكتوبر ٢٠١٧ – تاريخ نشره على فيسبوك
اقرأ أيضاً:

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..