-->

كلام الناس

  ينتشر في هذه الايام تيار يقول ما ملخصه: سيبك مما يقوله الناس" أو "طز في كلام الناس"، على اعتبار ان كلام الناس قد يكون في بعض الأحيان مجرد تقوّلات حقيرة وتداخل في شؤون الغير ممن ليس له ادراك فعلي ببواطن الامور، وفي هذا احد اوجه الحقيقة بدون ادنى شك.

سمكة لونها ذهبي تقفز من حوض إلى حوض آخر مجاور
خبط الحنطة - ظُزّ في كلام الناس

لكن - في رأيي - هناك وجه اخر للحقيقة لا ينبغي اغفاله او التغافل العمدي عنه، هو ان كلام الناس قد يكون أحد المرايا التي يصح ان ارى صورتي فيها لتكتمل لدي صورة ذاتية حقيقية وليست الصورة الذاتية المضلِّلة والمضلَّلة باوهام نرجسية يساهم في تشكيلها لديَّ كبرياء وعناد قلب يتصور اني على صواب باستمرار ويرفض الاقتناع او التسليم "باحتمال" أن أكون على خطأ.

 (انقر هنا لتتابعنا)

 وبدون الوقوع في براثن التعميم لأن كلنا معرضون للخطأ، مُلاحَظ جداً:

 ان اكثر من ينادون بإلحاح بتجاهل آراء الناس هم اكثر الشخصيات استقلالية في القرار وقد يكونون متمتعين بمستوى انجاز شخصي لا بأس به، لكنهم قد يكونون أيضاً من اكثر من لاطمتهم الدنيا ولطمتهم، ولعل هؤلاء كانوا تجنبوا الكثير من الآلام والمعاناة واللطمات لو كانوا تمتعوا بقدر كافي من الوداعة والمرونة لقبول آراء صادقة وجهت لهم في الماضي خصوصاً من محبين مهتمين بصالحهم.

الغريب في الأمر ان المثل الشعبي:

"كل اللي يعجبك والبس اللي يعجب الناس"

معروف ومقبول من الغالبية العظمى منا، لكنه ربما مقصور في اذهاننا على "اللبس فقط" بينما لا نعيره اهتماماً إن كان الامر يتصل بالتصرفات والقرارات حتى المصيري منها، مع انه ربما كنا تجنبنا كثيراً من الألم لو اعطينا اذنا صاغية لما يقوله الناس "المحبون". والمرنم في المزمور يقول "الصِّدّيقونَ يَكتَنِفونَني، لأنَّكَ تُحسِنُ إلَيَّ." (مز ١٤٢ : ٧) [اِكْتَنَفَهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: أحَاطَ بِهِ]، إنها لبركة كبيرة ان يحيط بنا المحبون "الصدِّيقون" من كل جانب، لكننا نرغب ونرحب جداً بالدعم والطبطبة والتصديق من هؤلاء المحيطين، لكننا نكره وننفر من اي مراجعة وتقويم، فلا غرابة اذاً في تكرار "الوقوع" والشكوى من الالم، بينما الأغرب والأغرب هو ان تفشل السنون ودروس الماضي في تصحيح شخصياتنا ومن ثَمَّ نستمر في انتقاد والدفع جانباً لكل ما نراه "كلام الناس".

#خبط_الحنطة

٦ اكتوبر ٢٠٢٢ - تاريخ النشر في فيسبوك

اقرأ أيضاً: الحق كل الحق ولا شيء غير الحق

تعليقات