-->

العلاقات: من البدء كانت العلاقات

العلاقات بين الناس موضوع معقد جداً ويخطئ من يستهين به وبتشعباته، لكن مع الاسف نشأ تيار "بياكل عيش" على مسألة تعريف العلاقات وأنواع العلاقات، سواء ممن امتهنوا المشورة النفسية والعلاقاتية او ممن تندلق منهم النصائح العلاقاتية لتفيض علينا من نوافذ التواصل الاجتماعي المتعددة او حتى من يعانون من مشاكل علاقاتية مختلفة او خبرات (سلبية او إيجابية) تركت بصماتها على حياتهم وشخصياتهم فيُسقطون خبراتهم تلك على من حولهم في صورة حِكَم وأمثال وتحذيرات متنوعة.

الصورة تحوي اربع ثنائيات، ثنائي يشربان سوياً، وآخران يتحادثان، وأخران يعزفان موسيقى... الخ
خبط الحنطة - من البدء كانت العلاقات

أهمية الموضوعية والتجرد في المشورة:

مبدئياً، وكرأي شخصي جداً، أعتقد أن الكلام في العلاقات أو تقديم المشورة فيها (المشورة الزوجية على وجه الخصوص) او الحكم على (وبين) اطرافها لا يختلف كثيراً عن القضاء او التحكيم الرياضي او حتى النقد الفني، فهو ينبغي أن يشمل - ضمن ما يشمل - أمران:

١. موضوعية محايدة جداً. 

يدعمها

٢. تجرد ناضج جداً.

هذا لا يسمح للباحث/المتكلم ان يخرج منه كلمة او حكم او حتى أن تتلون وجهة نظره بلون خارج من تجربته او موقفه الشخصي، وإلا عندها وجب عليه ان يتنحى لاستشعار الحرج كما يفعل القضاة.

هنا يفرض السؤال نفسه:

طيب كشخص اتصدى للمسائل العلاقاتية، أليس من المفترض أن ما مررت به من تجارب يصقل قدرتي على التفاعل الايجابي مع الآخرين، كيف في المقابل تحذرني من ان تتلون وجهة نظري واحكامي - فيما يخص الاخرين - بنفس هذه الخبرات والتجارب؟

والجواب بسيط: هو ان النضوج الكافي يكفل ان تتفاعل كل تلك التجارب السابقة داخل نفسك - وتحت تحكم ذهنك الواعي وليس في اللاشعور - لتشكل داخلك "مبادئ عامة" تحكم طريقة تفكيرك وأحكامك، وتشكل عندك "قواعد اساسية" لإدارة الحوارات ولتقديم حلول عملية يمكن ان تخرج - عند الحاجة - في صورة اقتراحات تطرحها على كافة الاطراف، فتقديم مشورة علاقاتية موضوعية مفترض أن يحدث بدون ان تُسقِط من تجاربك القديمة بشكل مباشر على أي من الاطراف او حتى على المواقف المعروضة أمامك. (الاسقاط هنا هو أن تتصرف او تنفعل او تشير على الاطراف وكأنك صاحب المشكلة).

المؤكد هو ان درس العلاقات موضوع حيوي وخطير ولا مفر من الولوج إليه بطريقة صحيحة للفهم وللتفاعل مع الرغبات والاحتياجات والاشتراطات العلاقاتية للكثيرين، وبذلك تنشأ وتدار علاقات صحيحة بشكل وجوهر صحيحين، لكن مع الاسف هناك كثيرون - سواء اصحاب مشكلة او مشيرون - يتعاملون في هذا الموضوع من منطلق "الفضفضة" العشوائية، او "تلقيح الكلام" والحدق يفهم، او النميمة وتسلية الوقت او ما يشبه قعدات "الشِلَت" بتاعة زمان والتي اصبحت "شلت" ديجيتال على السوشيال ميديا. (اقرأ: ولاد الحرام وولاد الحلال)

من البدء كانت العلاقات

وضع الاساسات لذلك البناء المعقد والحيوي الذي هو العلاقات تم هناك في الماضي السحيق مع بدايات المخلوقات البشرية، ونحن هنا نعود لمرجعنا الاساسي الكتاب المقدس لنجد ان اول ظهور لعلاقة حقيقية بين أطراف من البشر حدث عندما "قالَ الرَّبُّ الإلهُ: «ليس جَيِّدًا أنْ يكونَ آدَمُ وحدَهُ، فأصنَعَ لهُ مُعينًا نَظيرَهُ»." (تك ٢: ١٨)

+ أول علاقة في الكتاب المقدس

رغم أن كلامنا هو عن أهمية العلاقات البشرية إجمالاً لكن بناءً على قراءتنا في تك ٢: ١٨، يتضح بشكل لا يقبل الشك أن اول "علاقة" بشرية تمت في الخليقة كلها لم تكن "الأخوّة" ولا "الأمومة" ولا "البنوّة" ولا "الأبوة" (إلا إذا اعتبرنا أبوة الله لآدم)، لكن

اول "علاقة" خلقها الرب الإله كانت "الزواج"

سؤال للتفكير في ملاحظة جانبية تفرض نفسها (بدون أي تعليق): ترى هل هذا هو السبب الذي لأجله كان الفرمان الإلهي "يترُكُ الرَّجُلُ أباهُ وأُمَّهُ ويَلتَصِقُ بامرأتِهِ." (تك ٢: ٢٤)؟

ثم ألا يلفت نظرنا هذا الامر إلى تلك الاهمية القصوى "للعلاقة" الزوجية وكيف يجب ان ندعمها ونحارب من أجلها بدلاً من "استسهال" اعتبارها علاقة عابرة تخضع لتقلب الامزجة وانقلاب الميول والمشاعر وسهولة انهائها بجرة قلم؟!! (اقرأ: مين السبب).

+ ٣ مبادئ هامة:

 نرجع للعموميات وللآية في تك ٢: ٢٤ فنستخرج منها ٣ مبادئ مهمة:

١. ان الذي وضع هذه الخطة او هذا التصور هو الرب الاله الخالق نفسه، وان هذا التصور (للعلاقات) هو قرين الخليقة ومرافق لها ولم يكن أبداً طارئاً عليها، بالعكس، يمكننا أن نتصوره – افتراضاً – وكأنه تطوير وتحسين لشكل الخليقة.

٢. ان حياة الانسان بدون علاقات ليست هي أفضل الخيارات بل ربما هي أسوأها على ما يبدو، ف"ليس جَيِّدًا أنْ يكونَ آدَمُ وحدَهُ" كان هو تقييم الله للمنظر العام الذي رأى آدم عليه، بل ان هذا أيضاً كان رأي آدم نفسه. "فدَعا آدَمُ بأسماءٍ جميعَ البَهائمِ وطُيورَ السماءِ..... وأمّا لنَفسِهِ فلَمْ يَجِدْ مُعينًا نَظيرَهُ." (تك ٢: ٢٠)

[ملحوظة ثانية على جنب كده لمحبي الكلاب والقطط المبشرين بوفاء الكلاب وافضليتهم عن البشر: مؤكد آدم كان عنده كلاب في الجنة، ومع هذا "لَمْ يَجِدْ مُعينًا نَظيرَهُ"]

٣. ان الهدف الاساسي من العلاقة (اي علاقة) هو "المعونة" القريبة (الكلمة المترجمة "نظيره" يمكن أن تترجم "مُقَابِلُه" أو "في مواجهته" أو "أمام وجهه")، فآدم كان محتاجاً للمعونة والرب أرسل له هذه المعونة في صورة إنسان نظيره وقريب منه تنشأ بينهما "علاقة".

لو مددنا الخط على استقامته، يمكن لنا ان نستوعب المبدأ التالي جيداً ونهضمه في اذهاننا بشكل جيد:

ان البشر خلقوا من أجل بعضهم البعض، وأن كلاً منا يحتاج لـ"معونة" من الآخرين الذين بدون "معونتهم" لا يمكننا - فعلياً - أن نعيش.

هذا ليس مجرد تنظير فلسفي بل مبدأ واضح جداً حتى على المستوى العملي، فمن منا يستطيع ان يعيش بمفرده؟ هل منا من يستطيع أن يذهب إلى جزيرة معزولة ويكتفي ذاتياً بنفسه لمجرد حياة بدائية جداً جداً لا تتطلب منه إلا تسديد الاحتياجات الأساسية للحياة مأكل ومشرب وملبس فقط (إنسَ أي احتياجات أخرى)؟ التجارب المشابهة التي رويت لنا أو شاهدناها سينمائياً تحكي عن معاناة فظيعة لا أظن أحداً يمكن ان يرحب بها او يرغب في اجتيازها.

مجموعة افراد مختلفين كلٌ منهم يحمل قطعة من أحجية بحيث يكملون الأحجية سوياً.
خبط الحنطة - البشر خلقوا ليكملوا بعضهم بعضاً.

+ دعوات غريبة لتدمير العلاقات

لأجل هذا أستغرب جداً ان تسمع او تقرأ أحداً يتكلم عن الاستغناء عن الناس من حوله، هذا الاستغناء الذي أصبح شعاراً يرفعه ويتباهى به كثيرون سواء قصدوه بوعي كامل او لم يقصدوه، هذا الاستغناء او الترك مهما كان غلافه الظاهر أو الاسباب المعلنة لكن باطنه وجوهره النرجسية والكبرياء المقيتة التي معها لسان حال الشخص منهم يقول:

 "أنا لست بحاجة اليه/إليها"..

"سيبك منه! لم يأت من ورائه الا المشاكل"...

"أنا افضل بدونه"...

"خلّيه يولِّي".... (هذا تعبير خليجي)

وإبليس الماكر يستدرجك بأسلوب ناااااعم لبق، فهو لا يطالبك بان تستغني عن الكل او ان تطرد الكل من حياتك، لكنه يستدرجك شيئاً فشيئاً للاستغناء عن هذا الصديق ثم عن تلك الأخت وبعدها عن ذلك الأب او الابن وهكذا دواليك حتى تجد الدنيا وقد خلت من حولك وانت واقف "بطولك"، لا أخ ولا أم ولا صديق.. (اقرأ: الكارت الأصفر)

 (انقر هنا لتتابعنا)

صورة عشرة أيدي لخمسة أفراد تترابط متقاطعة في شكل شبكة.
خبط الحنطة - شبكة العلاقات

++ حد السكين والطريق الاتجاهين

+ يحدد وجه صاحبه:

الكتاب المقدس يكلمنا عن أهمية العلاقات البشرية في عمومها، ففي سفر الامثال نجد 

"الحَديدُ بالحَديدِ يُحَدَّدُ، والإنسانُ يُحَدِّدُ وجهَ صاحِبِهِ." (أم ٢٧: ١٧)

هو يستعير هنا صورة عملية "سَن السكين" وكيف ان السكين المصنوع من الحديد يحتاج "للاحتكاك" بجسم حديدي آخر لكي يصبح حَدُّه حامياً ما يسهل استخدامه في القطع، وبدون هذا "الاحتكاك" يصبح السكين بدون اي فائدة، ويمكن ان نتخيل إنساناً لم يحتك بالأقربين فلم يكتسب منهم حكمة ولم ينل معهم راحة نفس وطمأنينة ولا حتى سمع منهم دعابة تستدعي البسمة على وجهه، تخيل كيف يكون وجه ذلك الانسان عندئذ؟! لهذا قال ان "الانسان يحدد وجه صاحبه"، لأن آثار كل الافكار والمشاعر وردود الافعال تظهر على الوجه وهي نتيجة تفاعلات يشترك المحيطون في تصنيعها داخله.

رسم تعبيري لشخصين متجاورين مع سهم لكل منهما يتجه في اتجاه الآخر.
خبط الحنطة - العلاقات تبادلية، الإنسان يحدد وجه صاحبه

+ طريق اتجاهين:

العلاقات بطبيعتها تبادلية في الاتجاهين، لا يوجد فيها طرف متلقي باستمرار والطرف الآخر يعطي باستمرار، لكن كل طرف مطالب بأن يعطي تماماً كما يأخذ، بل إن الرب يذهب إلى مدى أبعد بأن وضع لنا قاعدة لو اتبعناها ربما تخلصنا من كثير مما نشكو منه من مشاكل:

 "وكما تُريدونَ أنْ يَفعَلَ النّاسُ بكُمُ افعَلوا أنتُمْ أيضًا بهِمْ هكذا." (لو ٦: ٣١)

هذا معناه

ان تبادر أنت بالعطاء أولاً إن كنت ترغب في الاخذ

طبعاً اقصد العطاء المعنوي من وقت ومشاعر ودعم نفسي ونصيحة بالإضافة الى العطاء المادي إن تطلب الأمر. (بالمناسبة، هذا مفيد جداً في العلاقات الزوجية)

 أيضاً الوصية السابقة موجودة في وسط سياق أكبر (لو ٦: ٢٧ - ٣٦) يذهب الى أبعد من مجرد العطاء لأحباء واصدقاء، حيث يصور مناخ محيط مُحبِط قد يتجاوز مجرد السلبية الى العداء* الصريح المعلن، ورغم هذا الجو المُعادي انت مطالب بالابقاء على روح الايجابية من نحو الآخر والعطاء له لأن هذه - شئنا أم أبينا - هي الطريقة الوحيدة لتستمر العلاقات البشرية وتزدهر. كلام صعب.. مش كده؟!

الامثلة الكتابية كثيرة لعلاقات ناجحة او فاشلة، ويمكننا الخروج بدروس مفيدة لو أمعنا النظر فيها.

*راجع:

"أحِبّوا أعداءَكُمْ،.... مُبغِضيكُمْ،؟... لاعِنيكُمْ،.... الّذينَ يُسيئونَ إلَيكُمْ. مَنْ ضَرَبَكَ علَى خَدِّكَ فاعرِضْ لهُ الآخَرَ أيضًا، ومَنْ أخَذَ رِداءَكَ فلا تمنَعهُ ثَوْبَكَ أيضًا.....، ومَنْ أخَذَ الّذي لكَ فلا تُطالِبهُ.... وإنْ أحبَبتُمُ الّذينَ يُحِبّونَكُمْ، فأيُّ فضلٍ لكُمْ؟.... بل أحِبّوا أعداءَكُمْ، وأحسِنوا وأقرِضوا وأنتُمْ لا ترجونَ شَيئًا،.... فإنَّهُ مُنعِمٌ علَى غَيرِ الشّاكِرينَ والأشرارِ. فكونوا رُحَماءَ كما أنَّ أباكُمْ أيضًا رحيمٌ." (لو ٦: ٢٧ - ٣٦)

سنتأمل - في مقالات تالية - في شخصيات تعتبر نماذج للعلاقات الجيدة:

١. ابراهيم الأمير الزاهد.

٢. يوناثان الأمير المتنازل.

#خبط_الحنطة

 ٢٨ أكتوبر ٢٠٢١ - تاريخ النشر في فيسبوك.

 اقرأ أيضاً: 

١١طريقة تظهري بها الاحترام لزوجك

الله يعينك علينا يا أخي

الكارت الأصفر

مين السبب في المشاكل الزوجية؟

سلسلة: العلاقات من البدء كانت العلاقات
لا يوجد سابق | الكارت الأصفر
تعليقات