«فماذا أفعَلُ بيَسوعَ الّذي يُدعَى المَسيحَ؟». (مت ٢٧: ٢٢)
المتأمل في محاكمة المسيح أمام بيلاطس الوالي الروماني يرى محاولات جاهدة من الوالي للتهرب من الحكم على المسيح، وكلها باءت بالفشل. تعال نراجعها:
![]() |
| خبط الحنطة - بيلاطس والمسيح |
١. لم يجد مادة قانونية تمكنه من الحكم بالموت على بريء:
لم يجد بيلاطس مادة في القانون الروماني يمكنه من خلالها الحكم بالموت على بريء لم يخالف القانون.
"فخرجَ بيلاطُسُ إليهِمْ وقالَ: «أيَّةَ شِكايَةٍ تُقَدِّمونَ علَى هذا الإنسانِ؟»." (يو ١٨: ٢٩)
"أنا لَستُ أجِدُ فيهِ عِلَّةً واحِدَةً." (يو ١٨: ٣٨)
«ها أنا أُخرِجُهُ إلَيكُمْ لتَعلَموا أنّي لَستُ أجِدُ فيهِ عِلَّةً واحِدَةً». (يو ١٩: ٤)
٢. حاول أن يحيل مسؤولية المحاكمة والحكم إلى شيوخ اليهود:
لما وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، أراد أن يتملص من مسؤولية المحاكمة المدنية للرب يسوع، فحاول توريط شيوخ اليهود بأن يتحملوا هم مسؤولية محاكمة الرب والحكم عليه، وذلك من خلال محاكمة دينية.
«خُذوهُ أنتُمْ واحكُموا علَيهِ حَسَبَ ناموسِكُمْ» (يو ١٨: ٣١)
«خُذوهُ أنتُمْ واصلِبوهُ، لأنّي لَستُ أجِدُ فيهِ عِلَّةً». (يو ١٩: ٦)
٣. لم يتوقف عن إلقاء المسؤلية على اليهود وكأن ليس له أي خيار:
«ألَعَلّي أنا يَهوديٌّ؟ أُمَّتُكَ ورؤَساءُ الكهنةِ أسلَموكَ إلَيَّ. ماذا فعَلتَ؟» (يو ١٨: ٣٥)
وانتهت هذه المناورة بطلب الماء وغسل يديه مستمراً في إقناع نفسه بأنه مجبر وما كان يريد ذلك:
"فلَمّا رأى بيلاطُسُ أنَّهُ لا يَنفَعُ شَيئًا، بل بالحَريِّ يَحدُثُ شَغَبٌ، أخَذَ ماءً وغَسَلَ يَدَيهِ قُدّامَ الجَمعِ قائلًا: «إنّي بَريءٌ مِنْ دَمِ هذا البارِّ! أبصِروا أنتُمْ!»." (مت ٢٧: ٢٤)
٤. حاول إطلاق سراح يسوع على سبيل العفو حسب التقليد السنوي:
عرض على اليهود فكرة مجاملتهم بالعفو عن يسوع واطلاق سراحه بمناسبة الفصح كما اعتاد سنوياً. لكنهم طلبوا أن يكون باراباس هو المفرج عنه وليس الرب يسوع.
"ولكُمْ عادَةٌ أنْ أُطلِقَ لكُمْ واحِدًا في الفِصحِ. أفَتُريدونَ أنْ أُطلِقَ لكُمْ مَلِكَ اليَهودِ؟" (يو ١٨: ٣٩)
٥. جلد يسوع كان محاولة من بيلاطس لتفادي الصلب:
حتى جلد يسوع كان محاولة من بيلاطس لاسترضائهم بأقل قدر من الضرر على المتهم البريء الماثل أمامه، وبما لا يوصله إلى حكم الإعدام صلباً (من مبدأ "قضا أخف من قضا"). لم يكونوا مضطرين لجلد المحكوم عليه بالصلب.
"فحينَئذٍ أخَذَ بيلاطُسُ يَسوعَ وجَلَدَهُ. … فخرجَ بيلاطُسُ أيضًا خارِجًا وقالَ لهُمْ: «ها أنا أُخرِجُهُ إلَيكُمْ لتَعلَموا أنّي لَستُ أجِدُ فيهِ عِلَّةً واحِدَةً». فخرجَ يَسوعُ خارِجًا وهو حامِلٌ إكليلَ الشَّوْكِ وثَوْبَ الأُرجوانِ. فقالَ لهُمْ بيلاطُسُ: «هوذا الإنسانُ!»." (يو ١٩: ١ , ٤ - ٥)
(اقرأ أيضاً: يسوع على الصليب الآن)
٦. استثارة نزعتهم القومية بتنفيرهم من فكرة صلب "ملك اليهود":
محاولة بيلاطس استثارة النوعة القومية عند اليهود، وذلك بتنفيرهم من فكرة صلب "ملك اليهود"، وما في هذا الصلب من إهانة مباشرة لشعورهم القومي. يكفي ان تعلق اللافتة "ملك اليهود" على الصليب لاستثارة عصبيتهم.
"قالَ لهُمْ بيلاطُسُ: «أأصلِبُ مَلِكَكُم؟»" (يو ١٩: ١٥)
ونجد في رد اليهود قمة البراجماتية والاستغلال، فرغم كراهيتهم للاحتلال الروماني لكنهم في تلك الساعة بالذات كانوا أكثر انتماءً لقيصر الروماني من انتمائهم لشعورهم الديني والقومي. قمة الانتهازية والانحطاط:
«ليس لنا مَلِكٌ إلّا قَيصَرَ!». (يو ١٩: ١٥)
٧. محاولته التهرب من المحاكمة كلها بإرساله إلى هيرودس:
طبعاً لا ننسى هنا محاولته التهرب من المحاكمة ككل، بأن ارسله إلى هيرودس ليقوم هو بمحاكمته، بحجة أن يسوع جليلي أي من سلطنة هيرودس.
"وحينَ عَلِمَ أنَّهُ مِنْ سلطَنَةِ هيرودُسَ، أرسَلهُ إلَى هيرودُسَ، إذ كانَ هو أيضًا تِلكَ الأيّامَ في أورُشَليمَ." (لو ٢٣: ٧)
لكن محصلة كل هذه المناورات انتهت إلى طريق مسدود، مسدود بطموحات بيلاطس السياسية وحسابات السياسة، بين إرضاء الغوغاء وارضاء سادته في روما من جهة، وبين إحقاق الحق الذي هو مسؤول عنه كوالي روماني من الجهة الاخرى، ودائماً في وسط هذا النوع من الاجواء يضيع المسكين في الرجلين.، لذلك "فحينَئذٍ أسلَمَهُ إليهِمْ ليُصلَبَ. فأخَذوا يَسوعَ ومَضَوْا بهِ." (يو ١٩: ١٦)
والسؤال هنا: هل فعلاً بيلاطس "بريء من دم البار"؟
طبعاً لا وألف لا! لأن بيلاطس كان بيده وهو في "موقع مسؤولية" أن يؤدي ما عليه من مسؤولية بضمير صالح، لكنه راعى حسابات التوازنات والمصالح على حساب الحق، وارتضى أن يميل مع الجانب الخاطئ ليخرج هو بنفسه بأكبر فائدة أو أقل قدر من الأضرار. وصحيح أن الرب حمل اليهود المسؤولية الأكبر عندما قال لبيلاطس: "لذلكَ الّذي أسلَمَني إلَيكَ لهُ خَطيَّةٌ أعظَمُ" (يو ١٩: ١١)، لكن يظل بيلاطس مسؤولاً عن نتيجة قراراته واختياراته بغض النظر عن أي مبررات ساقها لنفسه.
(اقرأ أيضاً: أفراد في الطريق إلى الصليب - تأملات في مرقس ١٤)
وانت اخي وأنتِ أختي، كل منا مسؤول أمام الله عما نتخذه من قرارات صائبة كانت أم خائبة، والرب يضع أمامنا كل لحظة التحذيرات الكافية لنبتعد عن أي خطأ ويرشدنا إلى ما هو صواب.
"وأُذُناكَ تسمَعانِ كلِمَةً خَلفَكَ قائلَةً: «هذِهِ هي الطَّريقُ. اسلُكوا فيها». حينَما تميلونَ إلَى اليَمينِ وحينَما تميلونَ إلَى اليَسارِ." (إش ٣٠: ٢١)
بتعبير آخر، ليس ما تعتقد فيه أو ما تؤمن به كافياً ليعفيك من المسؤولية عن النتائج لكن ما تتخذه من قرارات وما تختاره من اختيارات وما يصدر عنك من أفعال بناءً على اعتقادك هذا هو ما ستُحاسب عليه. ونظل نتحمل مسؤولية اختياراتنا كلها، تماما كما دفع بيلاطس ثمناً لقراره بغض النظر عن مناوراته للإفلات منه.
#العبرة_بالنتائج
#خبط_الحنطة
١ مارس ٢٠٢١ – تاريخ النشر في فيسبوك.
اقرأ أيضا:

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..