-->

المؤمنون من الأمم في العهد القديم - قضية تستحق البحث

مؤمنون أمم في العهد القديم

في سياق الكلام عن "الإعلان العام في الكتاب المقدس" تتكرر قائمة أسماء بعينها، مأخوذة من الكتاب المقدس، شخصيات مؤمنين أمم في العهد القديم، ويعتبرهم أصحاب دعوى "الإعلان العام" أمثلة لشخصيات أممية (غير عبرانية) عرفوا الرب من خلال الخليقة فقط (الإعلان العام)، ويرى أصحاب هذه الدعوى أنه بسبب هذه المعرفة "المفترضة" خرج من هذه الشخصيات من شهد عن الرب بعمق كبير وبكلمات حكيمة جداً، بل منهم من صلَّى وتعبد للرب (يهوه) في وسط أحداث مشهودة بعينها، ومنهم من كانت معرفته "المفترضة" هذه باباً لخلاص أبدي له (هذا كله تبعاً لفرضيات أصحاب "الإعلان العام").

لذلك، كان من الواجب بحث هذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً واجراء دراسة أعمق قليلاً من مجرد الرؤية السطحية للأسماء والنصوص، وبقليل من الجهد في هذا الاتجاه المتعمق نكتشف أبعاداً جديدة تذهلنا في تصحيح هذا النوع من المفاهيم.

نعمان السرياني يرفع ذراعيه فرحاً وهو في مياه الأردن وقد اصبح جلده صحيحاً.
خبط الحنطة - نعمان السرياني

كيف عرف الأمم الله قبل المسيح؟

كلنا يعرف من التاريخ المقدس أن الرب اختار أن يعمل بالروح القدس من خلال نسل نوح من بين كل نسل آدم (طبقاً للأنسال الموجودة في تكوين ٥، تكوين ١١)، هذا النسل يتابع الكتاب المقدس تاريخه حيث نراه يتوالى ويتكاثر مروراً بإبراهيم ثم تتكون الأمة العبرانية التي يسجل الكتاب تاريخها حتى مجيء المسيح، وظل الرب يعمل من خلال هذا النسل - في توقيتاته المعينة وبوسائل يمكن تتبع معظمها - ليحمل الينا رسالة إنجيل المسيح منذ بداية التاريخ، هذا الانجيل هو "الإعلان الخاص".

لكن بالبحث نكتشف أن تلك الشخصيات "الأممية" المشار اليها لم تكن بعيدة – لا زماناً ولا مكاناً - عن النسل المذكور بل إنها كلها عاشت "على هامش" ذلك التاريخ المسجل (حتى وإن لم يسجل الكتاب حياتهم تفصيلاً كما سُجِّلت حياة الآباء البطاركة والأمة العبرانية) وكان لهذه الشخصيات علاقات مؤكدة و/أو تفاعلات مع الشخصيات المسجل تاريخها تفصيلاً مثل نوح وإبراهيم واسحاق ويعقوب وموسى.... الخ.

يعني ببساطة:

إن كل الشخصيات التي يتخذها دعاة "الإعلان العام" لم يأتوا من صحراء جرداء أو من مجاهل افريقيا أو من أدغال الأمازون أو من صحراء سيبيريا حيث لم يروا هناك إلا مجد الله في خليقته فقط بدون مصادر أخرى للمعرفة، لكنهم جميعاً – على عكس ما يعتقد أصحاب "الإعلان العام" – ينتمون لفئتين لا اتخيل ثالثة لهما:

الفئة الأولى: 

جيران جغرافياً و/أو محتكين مباشرة وتربطهم تعاملات اجتماعية وسياسية "بالعبرانيين" بعد أن أصبحوا أمة:

وهذا ينطبق تاريخياً على مرحلة ما بعد موسى. (لا ننسى مثلا لفيف المصريين الذين خرجوا مع الشعب من مصر في خر ١٢: ٣٨).

لعل أفضل مثالين نضعهما تحت هذه الفئة هما: كرنيليوس ونعمان السرياني (هذه الأسماء ليست من عندياتنا، بل يوردها أصحاب "دعوى الإعلان العام") 

+ كرنيليوس:

ضابط روماني بالزي الحربي راكع ومحني الرأس في صلاة بينما شخص يضع يديه على كتفه ورأسه وهو في زي يهودي تقليدي ولا يظهر رأسه.
خبط الحنطة - كرنيليوس قائد المئة الروماني

هو أحدث هذه الشخصيات تاريخاً وأكثرها جدلاً من أصحاب "دعوى الإعلان العام". هو هذا الضابط الروماني العظيم (قائد مئة) الذي وقت ظهور ملاك الرب له ووصول بطرس بالدعوة المسيحية كان يسكن في قيصرية المدينة الأممية عاصمة الإقليم (ليس اليهودية والجليل)، لكن:

     أ‌. كلنا يعلم أن قيصرية ليست بعيدة عن مناطق تمركز أمة اليهود في الجليل واليهودية مركز عبادة الله (يهوه).

     ب‌. إن يهوداً كثيرين كانوا يعيشون في قيصرية وفي غيرها من المناطق التي – بكل تأكيد - تَنَقَّل فيها كرنيليوس أثناء خدمته العسكرية.

     ج. لا نستبعد أن تكون وحدة كرنيليوس قد تكلفت بخدمة عسكرية في اليهودية نفسها أو في الجليل لأيام أو شهور أو سنين سابقة على ظهور الملاك له، وهذا طبيعي ويحدث مع جميع الوحدات العسكرية.

في كل هذا لابد أن يكون كرنيليوس قد احتك باليهود وسمع منهم عن "يهوه" الإله الواحد الذي لا يراه أحدٌ والذي لا يمكن تمثيله بأشكال ملموسة لبشر أو حيوانات او غيرها مما عمله بقية الأمم الوثنيين الذين منهم الرومان بنو جلدته.

كما أن عندنا حالة مماثلة تؤيد نفس الطرح ويذكرها الإنجيل، قائد المئة الروماني الذي شهد عنه شيوخ اليهود أنفسهم للرب يسوع: «إِنَّهُ مُسْتَحِقٌ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا، لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا، وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ». (لو ٧: ٤، ٥)

فلماذا نتناسى كل هذه الاحتمالات الأقوى والأرجح والأقرب للعقل ونجري وراء إحتمال ضعييييييييف جداً أن يكون كرنيليوس قد بحث عن الله الخالق وتعرف عليه من خلال "إعلان الخليقة"؟!!!!!!!

+ قصة نعمان السرياني:

أظن ان قصة الرجل نفسها تُكَذِّب بشكل واضح وصريح أي إدعاء يقول بمعرفة نعمان للرب من خلال "إعلان" الخليقة، حيث أن الرجل نعمان عرف هو وزوجته عن الرب (يهوه) إله إسرائيل من خلال الأَمَة العبرانية الأسيرة لديه وليس من إعلان الخليقة، وبناءً على ما سمعه منها تحرك نحو إسرائيل ولاقى اليشع، وكلنا يعرف باقي القصة. بالرغم من هذا نجد - مع الأسف - من يورد اسم نعمان في سياق دعوى "الإعلان العام". (اقرأ عن المرأة نازفة الدم)

الفئة الثانية

في قائمة من يشار إليهم على أنهم عرفوا الرب من "الإعلان العام"، نجد هذه الفئة الثانية التي تضم الشخصيات "الأقدم" من أصحاب الفئة السابقة، وبالبحث نلاحظ أنهم:

  ١. كانوا مجاورين جغرافياً للنسل العبراني الذي استمر محافظاً على عبادة الرب "يهوه".

 ٢. في الأغلب، تربط أصحاب هذه الفئة صلات قرابة ونسب (صلات دم) بالعبرانيين وليس فقط مجرد جيرة.

ولا ننس أن الأعمار الطويلة للبشر في تلك الحقبة من الزمن ساعدت على الحفاظ على دقة تواتر الرواية والتاريخ (الذي هو جزء من "الإعلان الخاص") رغم طول الزمن، وذلك بسبب تقارب الأجيال وتقاطعها. تواصل الأجيال منذ آدم كان حاصلاً حتى زمن إبراهيم ومَن بعده، وكان هذا التواصل بالتقليد الشفوي كفيلاً بتوصيل "الإعلان الخاص" عن الله (يهوه) لكل من مر به، صحيح أن التاريخ المسجل لم يذكر لنا تفصيلاً إلا الجزئية الخاصة بنسل إبراهيم، كما انه صحيح أيضاً أن النسبة الأكبر من الأفراد والشعوب - من خارج إبراهيم واسحاق ويعقوب - نسوا هذه الرواية "الإعلان" (أو تناسوها)، لكن لا شك أن هناك من قبلها وحفظها، ومن وسط هؤلاء خرجت الأسماء المقصودة:

+ يثرون كاهن مديان:

يغيب عن كثيرين أن "مديان" الجد الأكبر لهذا الرجل لم يكن غريباً عن النسل العبراني، حيث أنه كان أساساً واحداً من أبناء إبراهيم نفسه من قطورة سريته (تك ٢٥: ٢)، هذا ما يعني أن يثرون هو من نسل ابراهيم ويبعد عنه حوالي ٣٠٠ سنة وربما أقل، وهذه المدة لم تكن كبيرة بالنسبة لأعمار الأجيال في وقتهم.

+ أيوب:

أيوب المريض الحزين الكئيب واصدقاؤه الثلاثة جالسون معه
خبط الحنطة - أيوب وأصحابه

يرجح البعض أن يكون أيوب (بطل الجدلية اللانهائية عن الله والشر) من نسل ناحور اخي إبراهيم ("عوص" في تك ٢٢: ٢١)، لكن الأرجح أنه من نسل عيسو* (أدوم) الذي هو ابن إسحاق وأخو يعقوب (تك ٣٦: ٢٨)، (مرا ٤: ٢١). كما أن بعض كتابات الرَابِّيين اليهود ترجح انه تزوج دينه ابنة يعقوب. أي أن أيوب كان معاصراً لإسحاق وليعقوب ولأبنائه أسباط اسرائيل، وليس بعيداً كثيراً عن زمن موسى.

ملحوظة:

*عيسو (أدوم) سكن جنوب شرق البحر الميت وشمال الصحراء العربية.

+ أصدقاء أيوب الثلاثة:

اليفاز التيماني:

هو من نسل تيمان حفيد عيسو (تك 36: 11)

بلدد الشوحي:

هو من نسل شوحا ابن إبراهيم من قطورة سريته (تك ٢٥: ٢)

صوفر النعماتي:

الوحيد المجهول الهوية، لكن من البديهي انه على أقل تقدير كان يسكن نفس المنطقة التي سكنها بقية أصحابه، وليس من المستبعد أن يكون من قبيلة أو عشيرة قريبة تمت لأحدهم أو كلهم بصلة ما. 

+ ملكي صادق:

بعض مصادر التقليد اليهودي (ترجوم جوناثان – ترجوم اورشليم) يقول ان ملكي صادق هو سام بن نوح ، أي أنه الجد الأكبر لإبراهيم ، (سام - طبقاً لحسابات الأعمار - عاصر إبراهيم فعلاً ، تكوين ١١) ، ورغم أن هذه الرواية يعترض عليها بعض شراح كلمة الله ، لكننا نستطيع أن نستريح - بكل تأكيد – إلى أنه على أقل تقدير تنطبق عليه ما انطبق على الأسماء السابقة ، أي أن صلاته بسابقيه وبمعاصريه جعلت من معرفة الله (يهوه) تنتقل اليه كما وصلت إلى إبراهيم واسحاق ويعقوب مثلاً (طبعاً مع فارق المعاملات الشخصية التي حدثت مع إبراهيم واسحاق ويعقوب).

يتبقى تصحيح مفهوم التعبير الذي يُساء فهمه: "هم ناموس لأنفسهم" (رو ٢: ١٤).

#خبط_الحنطة

٢ نوفمبر ٢٠١٧ - تاريخ النشر في فيسبوك

تعليقات