-->

مُجهَد.. مُجتَهِد.. أو مُنتَدِب (٢) ألقت كل ما عندها

تأملنا في الحلقة السابقة عن المرأة المُجهَدة وكيف أنفقت كل ما عندها، والآن مع المرأة الثانية وهي من انجيل مرقس أيضاً.

"٤١وَجَلَسَ يَسُوعُ تُجَاهَ الْخِزَانَةِ، وَنَظَرَ كَيْفَ يُلْقِي الْجَمْعُ نُحَاسًا فِي الْخِزَانَةِ. وَكَانَ أَغْنِيَاءُ كَثِيرُونَ يُلْقُونَ كَثِيرًا.٤٢فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ.٤٣فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ،٤٤لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا. وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا»." (مرقس ١٢: ٤١ – ٤٤)

صورة رجل أنيق له أذرع عديدة يمسك في كل منها بإحدى أدوات أداء العمل تعبير عن الاجتهاد ومشغولية.

خبط الحنطة - المجتهد. القت كل ما عندها

هنا المرأة - في فقرها - لم تتعرض جبراً لظروف معاكسة تضطرها لإنفاق "ما عندها" مثل المرأة نازفة الدم، ولا هي - كالابن الضال - اختارت طريقاً خاطئاً تضيع فيه "ما عندها"، لكنها تلقت أمراً ووصيةً سمِعها ويعرفها كل يهودي من معاصريها أن “هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ، وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ." (ملاخي ٣: ١٠)، ورغم أن "ما عندها" هو أقل القليل وظاهر بوضوح حاجتها الشديدة إليه لكنها رأت الوصية الإلهية ملزمة فلم تتردد في إطاعتها. 

الواجب والرضا والمكافأة:

كم هو جميل أن يكون هذا الوعي بالواجب وبوصايا الرب قائماً نصب أعيننا وعلى بالنا باستمرار، والاجتهاد في إطاعة الوصية من كل القلب يمتدحه الرب، بل أتجرأ وأقول إن الرب يعتمد على الأمناء من هذه النوعية، ببساطة لأنه يؤدي عمله من خلال عطاء هؤلاء المؤمنين الذين هم أعضاؤه العاملة في وسط العالم. والأرملة - في المقابل - وهي "تلقي" كل "ما عندها"، "كل معيشتها" وتنطلق عائدة إلى بيتها، لم يراودها أدنى شك في صدق صاحب الوعد: "جَرِّبُونِي بِهذَا... إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ"، وهو نوع من العطاء يغبِّطه الرب جداً لأنه يحمل كل دلائل الايمان الحقيقي الأصيل. (اقرأ أيضاً: خبزنا كفافنا).

ركز معي من فضلك في هذه الكلمات من الرسالة إلى العبرانيين حيث يوجد فيها تعليم مهم عن الايمان بصفة عامة لكن سنتفحصه بتدقيق أكثر:

بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ.٦وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ." (عبرانيين ١١: ٥، ٦).

هل تأملت النص ملياً؟

هل لاحظت هنا ربط "الإيمان بوجود الله"... مع... "الإيمان بأنه يجازي الذين يطلبونه"؟

أليس هدف كل منا هو إرضاء الله؟ هل لاحظت كيف أن هذه "التركيبة" ترضي قلب الله جداً حسب نص المكتوب؟ لأن كثيرين يقولون أنهم يؤمنون ان الله موجود لكن عملياً هو بالنسبة لهم بعيد بعيد لا يأبه بهم ولا يراهم او يتجاوب معهم، لكن الله نفسه يصحح لنا هذا المفهوم هنا ليعرفنا انه ليس فقط موجوداً لكنه قريب منا جداً وأكثر ما يرضيه هو ثقتنا في قُربِه منا.

(اقرأ أيضاً: لماذا الايمان؟)

هذه "التركيبة" - للمفارقة - تتكلم عكس المفهوم الكلاسيكي عندنا الذي هو مفهوم: "الواجب والرضا والمكافأة"، التركيبة تقول إن إرضاء الله ما أبسطه حيث لا يبحث عن "عطاياك" أو واجبك تجاهه، لكن تخيل بكل بساطة أن كل ما عليك هو ان تثق أنه يستجيب للأيدي الممدودة بالاحتياجات ولا يُخزِي المستندين عليه المتوقعين دعمه وسندته ومكافأته، وطالما وثقت لابد أن تمد يدك لتأخذ وتكون النتيجة نوال الرضا الذي تبحث عنه، إنه يناشد كل واحد فينا: فقط "أَفْغِرْ فَاكَ فَأَمْلأَهُ." (مزمور ٨١: ١٠). (اقرأ أيضاً: اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره)

ملحوظة: "افغر فاك" هنا توجه فكرنا لنتخيل فراخ الطيور وهي فاغرة الأفواه لأعلى والأب يلقي الطعام فيها.

فراخ طائر صغيرة في العش وكله فاغرة أفواهها لأعلى بينما الطائر الأم ممسكة بالطعام بمنقارها لتغذيتهم.
خبط الحنطة - افغر فاك فأملأه

الثقة التي لا تخزيها عين الله

وكما حدث في حالة النازفة، يتصادف أن يكون الرب الكلمة المتجسد نفسه حاضراً عند الخزانة ومشاهداً ثم شاهداً لهذه الأرملة بأنها " قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا"، ورغم أننا لم نرَ جزاءً لثقة هذه المرأة لكن لا شك أن مجرد إعلان الرب عن عطيتها يؤكد أنها لابد نالت مكافأة لهذا الإيمان تماماً كما نالت النازفة الشفاء من مرضها.

لاحظ عزيزي القارئ أن الرب لم يبخس عطايا الآخرين (الذين ألقوا) فهو لا يحتقر عطايا أحد، إنما في تقديره للمكافأة لم ينظر الى الكم بل إلى الكيف، إلى نسبة ما أعطته المرأة بالمقارنة مع تلال من الاحتياجات الضرورية لأن هذا هو التعبير الحقيقي عن اجتهاد قلبها، وفي تقييمه لعطية الأرملة تحديداً يؤكد اختلاف العدسة التي بها يرى عطايا الجميع، وهو يضع كلاً في المكانة الحقيقية التي تعبر عن جوهر العطايا وليس عن مظهرها.

خليك فاكر: لا أريد أن أبدو متعسفاً، لكن نحتاج أن نظل متذكرين أن هذه الأرملة - رغم تقدير الرب لها - كانت تقوم بواجب وتنفذ وصية كما يفعل جميعنا ولسان حالنا كلنا "مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ"، كما ينطبق عليها وعلينا الأمر "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا" (لوقا ١٧: ١٠) [اقرأ أيضاً: قدموا مما امسكتم]

هو عالم بظروفك - الأرملة الفقيرة ومدح يسوع

في هذه الحادثة، غالباً ما يكون فكرنا محصوراً في أن اهتمام الرب بهذه الأرملة كان فقط تقديراً لها لأنها "تعطي"، لكن بقليل من التفكير الأعمق يتبين لنا انه اثناء استقباله "لعطيتها" بكل تقدير لم يَغفَل عن "احتياجاتها". كثيرٌ من البشر كل ما يهمهم في العلاقات هو المصلحة "كيف أستفيد منك".. آخذ وآخذ وآخذ، والبعض يعلن ترفُّعَه بنفسه عن هذا المستوى المتدني في نظره فيعلن اهتمامه بالعدل: "حقي وحقك"، أنا أراقب حقي عندك (الذي لن أفوته طبعاً) كما أني في المقابل لا أجور على حقك، وأظن هذا كافي و"فضل وعدل"، هذا ما يدور في الأذهان، أيضاً حتى علاقتنا مع الله يسودها هذه النفعية، مثلاً، فكر معي قليلاً في اجابة لهذا السؤال: ماذا تمثل الصلاة في خلفية عقلك؟ ستجدها في الغالب مجرد "طلبات ومطالبات" (البانرات "الدينية" على فيسبوك تلخص الموضوع كله)، لكن فكر ملياً: ما هو الأمر الذي كان محل اهتمام الرب بالأكثر في هذا الموقف؟ ستجد أن أكثر ما كان يهم الرب هو "إعواز" هذه الأرملة و"كل معيشتها"، ولو رجعنا للمزور ١٠٣ سنجد المرنم يعلمنا هذا الأمر بجلاء حيث أنه يوجه خطاب توعية لنفسه من جهة الرب أن يا نفسي "لاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مزمور ١٠٣: ٢). اهتمامُ الرب بتفاصيل حياتي يغرس في قلبي الطمأنينة والسلام، فهو يُظهر هنا أنه ليس بغافل عن كل ما يحيط بحياتنا من تفاصيل وما نمر به من احتياجات، وهو حريص على تسديد الاحتياجات ويعطي بغنى وحسب حكمته، بل انه يعلمنا أنه "مُنْعِمٌ [حتى] عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ." (لوقا ٦: ٣٥).

هل انتبهت عزيزي القارئ كيف انقلب تأملنا من العطاء لله (الذي يدور في سياقه النص) إلى الأخذ منه؟!!!

ملحوظة خاصة بالعشور:

أول مرة يرد ذكر للعُشْر كان مع إبراهيم عندما قدم عُشْر الغنائم لملكي صادق في (تكوين ١٤: ٢٠).... وثاني مرة عندما نذر يعقوب للرب في بيت ايل أن يُعَشِّر له من كل شيء يملكه (تكوين ٢٨: ٢٢)... هذا يدل على ان العُشْر كان عرف قديم أقدم من ناموس موسى وربما كان متعارفاً عليه وسط شعوب كثيرة... لكن عموماً بداية الحديث عن العُشْر في الناموس نجده مرتبطاً بتأمين مصدر معيشة كريمة لسبط لاوي بسبب عدم امتلاكهم أملاكاً مادية لتفرغهم لخدمة الرب (عدد ١٨: ٢٤)....... 

(اقرأ أيضاً: القياس الفاسد... ألعل الله تهمه الثيران؟!)

#خبط_الحنطة

اقرأ الشخصية الأخيرة: المنتدِب..عملت ما عندها 

(انقر هنا لتتابعنا).

سلسلة: مُجهَد.. مُجتَهِد.. أو مُنتَدِب ألقت كل ما عندها
تعليقات