-->

مُجهَد.. مُجتَهِد.. أو مُنتَدِب (٣) عملت ما عندها

"٣وَفِيمَا هُوَ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ. فَكَسَرَتِ الْقَارُورَةَ وَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ. ٤وَكَانَ قَوْمٌ مُغْتَاظِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا:«لِمَاذَا كَانَ تَلَفُ الطِّيبِ هذَا؟ ٥لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ». وَكَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا. ٦أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ:«اتْرُكُوهَا! لِمَاذَا تُزْعِجُونَهَا؟ قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا!. ٧لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَمَتَى أَرَدْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِمْ خَيْرًا. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ.٨عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا. قَدْ سَبَقَتْ وَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ جَسَدِي لِلتَّكْفِينِ." (مرقس ١٤: ٣ - ٨)

طفل صغير يمد يده لصديقته (أو اخته) الطفلة تفاحة حمراء كبيرة فتقوم بتناول قضمة منها.
خبط الحنطة - المنتدب. عملت ما عندها.

مريم سكبت الطيب

تأملنا في الحلقتين السابقتين عن المرأة المُجهَدَة وكيف أنفقت ما عندها، ثم المرأة المجتهدة وكيف ألقت كل ما عندها، وها نحن نصل إلى المرأة الثالثة والأخيرة وهي مريم، التي في ذكرى الصليب والقيامة تمر بنا حادثتها وكيف سكبت الطيب على جسد يسوع وقد قرأنا قصتها في مرقس ١٤ وتناولناها بالدراسة والتأمل تحت عنوان طيب مريم الغالي.. تقديم المال والآمال، أما اليوم فنرى كيف رآها الرب وحكم أنها قد "عملت ما عندها"

الحقيقة أن مريم تجاوزت مستوى نازفة الدم في الإنفاق الاجباري دون جدوى، كما تفوقت على مستوى الأرملة في طاعة الوصية وتنفيذ الواجب الذي هو مستوى طاعة مُقَدَّر بدون شك، مريم تفوقت على هذين المستويين إلى مستوى أعلى نقدر نسميه مستوى الميل الثاني.

مستوى الميل الثاني

في تعليمه حول العلاقات مع الآخرين ولمنع الانتقام وللتحريض على الاجتهاد سعياً للسلام نجد الرب في موعظته على الجبل يحضك - كأحد سامعيه - على التقدم خطوة أبعد مما أنت "مجبر" عليه أو ما هو "واجب" عليك، فيقول في هذا السياق "وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ." (متى ٥: ٤١). (اقرأ أيضاً: الله يعينك علينا يا أخي)

سعي الميل الأول ليس بيدك بل أنت مجبر عليه(*) كما في حالة نازفة الدم التي أجبرت على الإنفاق في محاولة شراء صحة تتمناها، أو كما في حالة الأرملة التي تنفذ وصية وإلزام إلهي، وأي منهما لو كان قصر في سعيه لحُسبَ ملوماً، أما مريم فهي حالة "تطوع" لم يرغمها عليه ظرف معين أو واجب مقرر، بل فعلت ما فعلته بدافع شخصي داخلي من محبتها للسيد، تطوعت بتقديم أقصى ما يمكنها تقديمه "تحويشة عمرها" لأنها رأتها فرصة لتكرم الرب حال إقدامه على موقف صعب فيه صلب وموت سبق أن تحدث عنه.

(أنقر هنا إن أردت أن تتابعنا.)

العطاء المُنْتَدِب

هناك لفظ يرد عدة مرات في العهد القديم بتصريفات مختلفة: انتدب، ينتدِب، منتدِب....، (قضاة ٥: ٩، ١أخبار ٢٩: ٦، ٩، ١٤، ١٧) ومترجم في بعض المواضع "تبرع"، ومترجم في مواضع أخرى "من يحثه قلبه" أو "من أنهضه قلبه" أو "سمَّحَتهم قلوبهم" (خروج ٣٥: ٢١، ٢٩)، أما اللفظ نفسه في اللغة العبرية فيكتب بنفس الثلاثة حروف "نَ دَ ب" والذي معناه ببساطة يأتي من التطوع او التبرع او التقدمة أو العمل الذي يصدر من القلب بدون أي نوع من إلزام الواجب أو حتمية الظروف. لقد كان تصرف مريم "انتداباً" منها بمعنى الكلمة، دعاها اليه محبتُها للرب وادراكُها حاجة الرب لهذه التقدمة في ذلك الوقت بالتحديد، ولو كانت ضاعت تلك الفرصة ما كان لها تعويضٌ بأي حال من الأحوال.

الرب من جهته أعلن أنه يُقَدِّر هذا الانتداب جداً، هذه الاندفاعة العفوية من القلب التي تفاعلت مع الاحتياج المطلوب في اللحظة المناسبة حصلت على تكريم من نوع خاص، لا نستطيع الجزم بأي مكافأة نالتها مريم (إن كان هناك مكافأة زمنية)، لكن المؤكد انها نالت مكافأة أبدية كان عربونها أنه "حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا" (مرقس ١٤: ٩). ولهذا القرار الإلهي مغزى عميق، فكر معايا كده:

- المُنتدِب المبادِر هو قمة هرم العطاء، هو مثل أعلى لا يتفوق عليه أي مثل آخر.

- في حدود معرفتي المتواضعة، ان هذا هو دَيْدَن الطبيعة نفسها، فلا شيء في الطبيعة يعيش لنفسه، فقط البشر والحيوانات المفترسة والثقوب السوداء (في الفلك) الذين تجد فيهم استثناءً من هذه القاعدة. ويمكنك قراءة قانون حبة الحنطة لتعرف أنه فعلاً قانون عام.

- الرب له كل المجد حريص على نشر هذه الفضيلة والتعريف بها وقد استغل ما عملته تلك المرأة مريم ليحفظ الدرس العملي حياً لكل الناس في كل الأجيال.

- كما أن هذا يسر قلب الله بالأكثر أن ينتشر هذا النوع من العطاء ويكون محبوباً ومرغوباً، لذلك نرى بولس يمتدح مؤمني مكدونية "لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ". (٢كورنثوس ٨: ٣).

- حتى مشاكلنا الاقتصادية في أوقات الحاجة والأزمة، انقر هنا لتعرف ماذا رسم الرب طريقاً لحلها.

 - المدهش أننا لو توغلنا أكثر سنكتشف أن المكتوب يعلن بكل وضوح أن الرب نفسه هو أعظم من بادر ويبادر متى كانت المبادرة مطلوبة. ولعل هذا هو سبب حرصه على نشر هذا المبدأ بين كل أبنائه المؤمنين في كل وقت وكل مكان. تحب نشوف أمثلة؟

الرب هو من بادر بالخلق حين فكر فينا إذ لم نكن موجودين (مزمور ١٣٩: ١٦).

وهو الذي يبادر بالعناية سواء دعوناه أو لم ندْعُه (متى ٥: ٤٥).

كما أن الله بنفسه هو الذي بادر بالفداء سواء بالفكرة والإعداد لها أو باختيارنا فيه قبل تأسيس العالم ثم بالتنفيذ بالتجسد وما تلاه (أفسس ١: ٤).

شوف المبادرة في جمالها هنا:

"فَرَأَى [الله] أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ، وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ. فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ، وَبِرُّهُ هُوَ عَضَدَهُ." (إشعياء ٥٩: ١٦)

"٧فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ.٨وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا." (رومية ٥: ٧، ٨)

        من أجل ذلك هو يدعونا جميعاً ان نسير على نفس الدرب

"لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ." (متى ٥: ٤٥)

اكتب اسمك مكانهن

أما وقد استعرضنا النساء الثلاثة، يمكن لأي منا – كل في مكانه وفي لحظته - أن يرى نفسه في مراحل حياته المختلفة واقعاً مكان أيٍ منهن وفي أحد هذه المستويات الثلاث نفسها، والرب هو هو نفسه في كل الأحوال:

١. لو أنت "المُجْهَد" وقد "استنفذت ما عندك" وتحاول جاهداً أن تظل واقفاً على رجليك و"صالب طولك"، هو يتعاطف معك ويحس بألمك ويحترمه بل وينتفض للمعونة.

٢. وفي وسط إدراكك للواجب تجاه متطلبات عمله وكيف أنك "تقدم ما عندك" لتؤديها على أكمل وجه دون النظر لمحدودية امكانياتك، تجده يقدر اجتهادك في العطاء الذي تحاول فيه إرضاءه، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك بعناية وعطايا حسب غناه في المجد لأنه لا يبيت مديوناً لأحد.

٣.   وعندما يراك تشبهه في العطاء المنتدِب وكيف تستقرئ الاحتياجات من حولك بحساسية الروح القدس فتندفع "لتعمل ما عندك" مهما تطلب الأمر ولسان حالك كما خادمه الأمين "لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ" (أعمال ٢٠: ٢٤)، عندها تجده يفتخر بك كأحد أبنائه المخلصين الذين يمثلونه في الكرم والسخاء والمبادرة.

(*) هذا كان قانوناً متبعاً لتسخير الأفراد لمساعدة موظفي الحكومة في تأدية مهامهم.

(اقرأ أيضاً: شهامة يوسف. عمل الله والحياة التقليدية)

#خبط_الحنطة 

(أنقر هنا إن أردت أن تتابعنا.)

سلسلة: مُجهَد.. مُجتَهِد.. أو مُنتَدِب عملت ما عندها
ألقت كل ما عندها | نهاية السلسلة
تعليقات