عمل "ما عنده" أو عملت "ما عندها" هو مصطلح يقال للتعبير عن الشخص وقد بذل كل ما في وسعه أو استنفذ كل طاقاته أو أمواله في مهمة معينة، ولا يستطيع القيام بأي شيء إضافي بخصوص هذا الأمر، والملفت للنظر في كلام الرب يسوع أن اللفظ "ما عندها" لا يتكرر - في الترجمة العربية طبعاً – إلا ٣ مرات فقط في انجيل مرقس وحده ومع ثلاث نساء مختلفات، في الوقت الذي لا يرِد بنفس المعنى في أي مكان آخر في الكتاب المقدس كله بعهديه القديم والجديد، ولا حتى منسوباً للضمير المذكر (ما عنده).
![]() |
| خبط الحنطة - المجهد والمجتهد والمنتدب |
والحقيقة أن بناء تعليم (أو حتى تأمل) على الفاظ ومصطلحات - خصوصاً المترجم منها - ينبغي أن يكون بحذر شديد قدر الإمكان مع إدراكنا الكامل أننا نتعامل مع ترجمة وليس مع النص الأصلي (العبري أو اليوناني)، لذلك وفي سبيل تحري الدقة حاولت قدر إمكاني مراجعة الألفاظ اليونانية المترجمة في حالات النساء الثلاث، وبالرغم من أن الألفاظ اليونانية في المواقف الثلاثة ليست كاملة التطابق، لكن المعنى المنقول لنا في الترجمة العربية وصل سليماً كما فهمناه وكما عرَّفناه منذ قليل.
نرجع لأول النساء الثلاثة؟
المُجهَد. أنفقت كل ما عندها
من مرقس ٥ نقرأ: "٢٥وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً،٢٦وَقَدْ تَأَلَّمَتْ كَثِيرًا مِنْ أَطِبَّاءَ كَثِيرِينَ، وَأَنْفَقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا وَلَمْ تَنْتَفِعْ شَيْئًا، بَلْ صَارَتْ إِلَى حَال أَرْدَأَ."
هذه المرأة أنفقت كل ما تملك لتحصل على الشفاء لكنها لم تنتفع شيئاً في مقابل ما انفقته، كأنها طيَّرت ما تملك في الهواء او أغرقته في البحر بلا طائل، والمرء في مثل هذه الحالات يكون معلقاً بأي أمل يجري وراءه، وينفق متصوراً ان هذا القرش الأخير هو ما سيجلب النتيجة المرغوبة، ويوم وراء يوم وقرش وراء قرش ولا تأتي القروش والجهود إلا بالخيبات، ويظل الأمل بعيداً بعيداً لا يمكن الإمساك به أو حتى لمسه، كأنها تطارد سراباً، وتنتهي القروش ويضمحل الجهد ويذبل الأمل من كثرة الخيبات.
![]() |
| خبط الحنطة - المجهد. أنفقت ما عندها. |
الإجهاد البشري والشفاء الإلهي
هذه المرأة تمثل بشريتنا المحطمة الضعيفة المعرضة لكل أنواع الألم والتجارب، فمن الطبيعي في هذه البشرية المُتعَبة ألا يوجد واحد إلا وعنده حاجة أو يعصره ألم أو تمر به تجربة ليس له يد فيها (يعقوب ١: ٢، ٢كورونثوس ١٢: ٧)، وقد يحاول بكل جهده أن يتخطاها أو يتغلب عليها، قد تثمر هذه الجهود والنفقات خيراً، لكن ربما أيضا يناله الإجهاد والتعب وتذهب الجهود والأموال أدراج الرياح، ويبقى خالي الوفاض ليس في يده شيء يقدمه ولا حتى في جهده جهد لم يبذله، لقد "أنفق كل ما عنده" مثل هذه المرأة، ولم يبقى أمامه إلا باب وحيد يطرقه، وبدلاً من جهود السعي المضني "للإمساك" بالسراب نكتشف أن "لمسة" إيمان فقط من طرف هدب السيد المحب المقدر لما نمر به من ألم قد تكون هي الوسيلة التي بها ينال في لحظة ما كان يسعى وراءه لسنين، "٢٨لأَنَّهَا قَالَتْ: «إِنْ مَسَسْتُ وَلَوْ ثِيَابَهُ شُفِيتُ».٢٩فَلِلْوَقْتِ جَفَّ يَنْبُوعُ دَمِهَا، وَعَلِمَتْ فِي جِسْمِهَا أَنَّهَا قَدْ بَرِئَتْ مِنَ الدَّاءِ." (ع ٢٨، ٢٩)
الابن الضال: "إنفاق" ولكن في عيش مسرف
ويحضرني هنا حالة مختلفة فيها صاحبنا أنفق كل "ما عنده" (دي من عندي) ولكن "بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ." في كورة بعيدة (لوقا ١٥: ١٣)، وعلى عكس صاحبتنا في مرقس ٥، هو من اختار بنفسه اين ومتى وكيف ينفق ويضيع كل ما عنده، وهو يمثل نوعاً آخر من الناس ذلك الذي يجني على نفسه بنفسه ولا يجني عليه أحد، نازفة الدم استُنزفت و"بقت على الحديدة" من المرض وضيق الحال والظروف الصعبة التي لم يكن لها يد فيها، لكن هذا الشاب يمثل الكثيرين بيننا ممن استسلموا بأنفسهم لاستنزاف مغريات حياة اللهو والخلاعة وهكذا أصبحوا أيضاً "على الحديدة"، والاستنزاف هنا لا يكون بالضرورة في شكل مادي، لكن هناك ضياع الإحساس بالقيمة ومعنى الحياة أو ضياع الصحة او المكانة الاجتماعية او ضياع احترام الناس أو حتى تفكك أسري وبيت مدمَّر، وليس لأي من هؤلاء إلا أن يحذو حذو الشاب الذي اختار الضلال والذي لم يكن له من حل إلا أن يعيد حساباته ويراجع نفسه ويضبط بوصلته في اتجاه البيت ليعود إلى الأب المحب الذي انتظر منه هذه التوبة الصادقة ولم يكتفِ منه بلمسة لكن احتضنه واحتواه ورده لمكانته. (اقرأ أيضاً: تجربة وتجربة)
#خبط_الحنطة
ماذا عن الشخصية التالية المجتهد.. ألقت كل ما عندها..؟


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..