لماذا ٢٥ ديسمبر عيد الميلاد؟ أصبح من المألوف أن تسمع هذا السؤال، لكن ما يثير العجب حقاً هو ان تجد أحداً يفتي دون معرفة ودون حتى بذل القليل من الجهد لمحاولة المعرفة، ومع ذلك يصدر عن الميلاد حكماً باتاً وقاطعاً لا يحتاج في رأيه لأي مناقشة ان "المعروف أكيد أنه كان شتاء"، ولا أعرف من اين جاء بهذا "التأكيد"، لكن يبدو ان صاحبنا متاثر عاطفياً بالتقليد الشعبي الغربي عن الكريسماس الأبيض White Christmas الذي اثناءه يكون كل شيء مغطى بالثلوج البيضاء وبالمنظر الكلاسيكي لشجرة الميلاد المغطاة بالزغب الابيض.
![]() |
| خبط الحنطة - ميلاد المسيح.. شتاءًا أو صيفاً؟ |
اجتهادات تاريخية لمعرفة موعد ميلاد المسيح
المؤكد ان هناك اجتهادات كثيرة تمت في محاولة لمعرفة تاريخ ميلاد يسوع الحقيقي على وجه التحديد، منها - على سبيل المثال - الحسابات الفلكية التي تربط النجم الذي رآه المجوس بمواعيد مسجلة لظواهر فلكية متميزة حدثت خلال العقد الاول قبل الميلاد (مثلاً: قيل ان نجم المجوس لم يكن الا اقتران الكوكبين المشترى وزحل كما حدث مؤخراً وتشير اليه الصورة الثانية في هذا المقال).
لكن إجمالاً هناك إطار تاريخي حاكم لأي محاولات من هذا النوع، هذا الإطار تحكمه تفاصيل الحدث كما رواه البشيران متى ولوقا مع مقارنتها بما وصل الينا من مصادر تاريخية من خارج الكتاب المقدس. مثلاً:
- الشخصيات التاريخية المذكورة: هيرودس - اغسطس قيصر - كيرينيوس
- الأحداث التاريخية المذكورة (الاكتتاب)
- دراسة التقليد اليهودي لاستقاء معلومات عن نفس الفترة.
- لكن كمان دراسة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاحوال الجوية المرافقة لحدث الميلاد.
في الحقيقة، بالكاد بحلول أوائل القرن الثالث، كان بعض الكتّاب المسيحيين يحاولون دراسة التسلسل الزمني لحياة المسيح مثل هيبوليتوس الروماني الذي كتب: "المجيء الأول للرب في الجسد، عندما ولد في بيت لحم، كان الأربعاء ٢٥ ديسمبر" (شميدت – تفسير دانيال ص. ٥٦٥)، وإن كان البعض يشككون في دقة هذه المعلومة. لكن المؤرخين اللاحقين ربطوا تاريخ الآلام والصلب بتاريخ الحَبَل العذراوي، أي أن كلا الحدثين حدثا خلال فترة الفصح (الذي كان يُوضَع غالبًا حول ٢٥ مارس)، مما أدّى إلى اعتبار ٢٥ ديسمبر تاريخًا رمزيًا للميلاد لأنه يبعد ٩ شهور عن الحبَل، لكن أقدم دليل تاريخي مثبت على الاحتفال بعيد الميلاد في ٢٥ ديسمبر يأتي من روما سنة ٣٣٦ ميلادية.
أسباب التبني التاريخي لـ٢٥ ديسمبر كتاريخ لميلاد المسيح:
١. العلامة ترتليانوس (١٦٠ – ٢٤٠ م) أحد آباء الكنيسة في القرنين الثاني والثالي، قام بحساب السبعين أسبوعاً الموجودة في دانيال ٩ بالأخذ ف الاعتبار فترة حكم الملوك والأباطرة منذ دانيال وحتى طيباريوس الذي صلب الرب يسوع على عهده، ومنها قدَّر أن صلب المسيح كان في عيد الفصح يوم 25 مارس (ترتليانوس - الرد على اليهود – الفصل 8)، وقد كان الاعتقاد السائد وقتها أيضاً أن الحبل العذراوي حدث في الفصح أيضاً، ومن ثم المؤرخ سيكستوس جوليوس أفريكانوس، الذي تزامنت حياته مع حياة ترتليانوس، قام بدوره بإضافة 9 شهور إلى تاريخ ٢٥ مارس ليصل إلى أن الميلاد لابد أنه كان في ٢٥ ديسمبر، وقد تبنى المسيحيون ذلك التاريخ لفترة طويلة حتى يومنا هذا.
٢. أيضاً يقول البعض أنه طبقاً لتقليد قديم، اعتقد المسيحيون أن الخليقة تمت في تاريخ ٢٥ مارس، وأن الحبل العذراوي بالله الكلمة "الابن" تم أيضاً في نفس التاريخ ٢٥ مارس. وطبعاً جاء الميلاد بعده بتسعة شهور أي في ٢٥ ديسمبر.
٣. الانقلاب الشتوي winter solstice الذي حدوثه قريب من ٢٥ ديسمبر (الانقلاب الشتوي الفعلي يوم ٢٢ ديسمبر)، وكان أحد الرموز الوثنية التي احتفل بها الوثنيون القدماء قبل الإيمان المسيحي، ومن ثم وفي خضم التغيير الذي ساد العالم إذ تحول الملايين من الوثنيين إلى الإيمان المسيحي، رافق هذا التغيير "تبني" Adabting المسيحيين لبعض الرموز الوثنية كنوع من تقريب أو توضيح المفاهيم المسيحية لهؤلاء القادمين الجدد للإيمان، بل وأيضاً كان وسييلة لإعطائهم ممارسة مسيحية بديلاً عن الممارسة الوثنية (سنقوم بمناقشة هذا الموضوع بالتفصيل في مقالات لاحقة إن شاء الرب وعشنا). لعل هذا واحد من الأسباب التي سهلت تبني المسيحيين لتاريخ ٢٥ ديسمبر كعيد لميلاد الرب يسوع، بالإضافة إلى ما سبق ذكره.
على العموم، الخلاصة المعروفة لجميعنا هي سنة ميلاد الرب يسوع له كل المجد معروفة على وجه التقريب وبناءً على حسابات كثيرة (٥ أو ٦ ق.م.)،أما شهر ويوم الميلاد، سواء ٢٥ ديسمبر أو٧ يناير، فقد جرى تحديدها بشكل افتراضي ورمزي. (اكتشف حقيقة مغارة الميلاد في: بيت لحم أم الناصرة؟ طفل أم صبي؟)
متى ولد المسيح فعلياً: شتاءًا أم صيفاً؟
نأتي الآن إلى سؤال المقال، هل ولد المسيح في الشتاء؟ والحقيقة أن هناك ما يناقض هذه الرواية من عوامل منطقية وتاريخية:
١. فكرة أن رعاة كانوا "متبدين"، أي مقيمين في الخلاء إقامة كاملة، مع قطعانهم كما ورد في (لو ٢: ٨)، في برد وأمطار الشتاء سواء في ديسمبر او يناير، حيث لم يعد للغنم مرعى حيث تكون كل الاعشاب قد جفت من البرد، هذا ضد المنطق وضد ما هو متعارف عليه من تقاليد، وفيه منا من عاش في الريف او قريباً منه ووعى عليها. هناك من لا يتفق مع هذا الاعتراض، لكن لا مجال لمناقشته الآن.
٢. فكرة غير منطقية أن امرأة على وشك الولادة تسافر أكثر من ١٠٠ كيلومتر من الناصرة إلى بيت لحم أثناء برودة الشتاء سواء سيراً على الاقدام او على دابة وفوق تضاريس صاعدة لأعلى (٣٠٠٠ قدم فوق سطح البحر).
٣. رغم القبضة الحديدية للدولة الرومانية على الشعوب المستعمرة، لكن الرومان أنفسهم كان يحكمهم منطق "إذا أردت ان تطاع فأمر بالمستطاع" ليتجنبوا قدر المستطاع غضبة وثورة الشعوب المقهورة المستعمرة، لذلك ما كان للرومان ان يجروا إكتتاباً (احصاءًا) الغرض منه تحديد قيمة الضرائب في ظروف مناخية صعبة، لكن بالأولى كانوا يختارون الاوقات المناسبة من السنة التي يكون فيها الموسم الزراعي قد انتهى والمزارعون انتهوا من جمع محاصيلهم وأصبح عندهم وقت للراحة والاحتفال، وهذا كان يحدث عادة في فصل الخريف. تذكر أن عيد المظال وهو آخر الأعياد اليهودية الكبيرة كان يتم في بداية الخريف وكان الغرض منه هو الاحتفال بجمع المحاصيل وبنهاية موسم الزراعة. (اقرأ عن عيد المظال: منك الجميع).
طيب هل هناك طريقة أخرى أكثر دقة لحساب يوم ميلاد الرب يسوع؟
![]() |
| خبط الحنطة - اقتران الكوكبي المشترى وزحل |
تاريخ ميلاد يوحنا المعمدان
واحد من المحاولات المقدَّرة لمعرفة "شهر" ميلاد الرب يسوع هي تلك التي حسبت تاريخ ميلاد المسيح من خلال ميلاد يوحنا المعمدان، وكلنا نعرف ان يوحنا أكبر من الرب (حسب الجسد) ب٦ شهور (لوقا ١: ٢٦)، فلو عرفنا في أي شهر ولد يوحنا نقدر نعرف شهر ميلاد يسوع. هل معرفة شهر ميلاد يوحنا أسهل من شهر ميلاد الرب يسوع؟ تعالوا نعرف. (أنقر هنا لو تريد أن تعرف أكثر عن خبط الحنطة)
+ كيف عرفنا في أي شهر كان ميلاد يوحنا؟
١. من البشير لوقا نفهم ان أبا يوحنا "كاهِنٌ اسمُهُ زَكَريّا مِنْ فِرقَةِ أبيّا" (لوقا ١: ٥).
ما هي "فرقة ابيا" هذه؟
من ١أخبار ٢٤ نفهم أن داود قسم الكهنة واللاويين الى ٢٤ فرقة يتنابون الخدمة في الهيكل بشكل دوري يتكرر - في الغالب - بترتيب ونمط ثابت، بحيث تخدم كل فرقة منهم أسبوعاً ثم يذهب افرادها الى بيوتهم في مدنهم وقراهم ليعودوا بعد ٦ شهور ليخدموا أسبوعاً آخر وهكذا، وفرقة "أبيا" كان ترتيبها الثامن بين الفرق الاربعة وعشرين (١أخبار ٢٤: ١٠).
٢. يبدأ الترتيب من أول السنة الدينية اليهودية (كلنا يعلم أن الفصح كان يوم ١٤ من الشهر الأول أي نهاية الأسبوع الثاني من السنة)، وبالتالي، وطبقاً للتقليد اليهودي رجح الدارسون أن التاريخ الذي كان فيه زكريا يخدم في الهيكل مع فرقته عندما ظهر له الملاك (لوقا ١: ٩)، كان في الفترة من ١٣ إلى ١٩ يونيو، وبعدها ذهب زكريا الى بيته حيث يمكن أن يكون حمْل أليصابات بيوحنا قد حدث، خلينا نقول في الأسبوع الأخير من يونيو على وجه التقريب.
٣. بالتالي ولادة يوحنا كانت بعد ٩ شهور، أي في الأسبوع الأخير من شهر مارس.
٤. فإذا كان الرب يسوع قد ولد حسب الجسد بعد ٦ شهور من يوحنا (لوقا ١: ٢٦)، نستنتج ان ميلاد المسيح كان في الأسبوع الأخير من سبتمبر، يعني تقريباً اول الخريف وليس في الشتاء.
٥. بناءً على هذه الحسبة لو رجعنا ٩ شهور للخلف (من سبتمبر) نستنتج ان بداية الحمل العذراوي - وليس الولادة - هي التي تمت في الأسبوع الأخير من ديسمبر من السنة السابقة (محتمل انها سنة ٥ ق. م.).
#تاريخ_ميلاد_المسيح #خبط_الحنطة
مراجع:
١. الكتاب المقدس
٢. الملحق ١٧٩ من TheCompanion Bible Appendixes, Bullinger
٣١ ديسمبر ٢٠٢٠ – تاريخ النشر في فيسبوك.


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..